حين يصبح الدين جواز سفر إلى التطبيع والهيمنة

الدين، في جوهره الأخلاقي، جاء ليكون ضمير الإنسان، لا جهاز علاقات عامة للسلطة. جاء ليضع حدوداً للظلم، لا ليمنح الظالم شهادة براءة، وليمنح الإنسان كرامته لا ليسلبه إرادته. لكن منطقتنا تعرف منذ سنوات ظاهرة شديدة الخطورة، تتمثل في محاولة بعض الدول والقوى السياسية استدعاء الدين والمذهب لتوفير شرعية أخلاقية أو روحية لخيارات سياسية لا تكفي السياسة وحدها لتبريرها. مرة يُستدعى الدين لتجميل التطبيع وإعادة تقديمه باعتباره سلاماً وتعايشاً وواقعية سياسية، ومرة يُستدعى المذهب لتبرير نفوذ إقليمي أو هيمنة سياسية، وفي الحالتين يجد المواطن نفسه محاصراً بين خطابين يطلبان منه أن يتنازل عن عقله كي يثبت ولاءه لعقيدته.
التطبيع، في حد ذاته، قرار سياسي تتخذه الدول، ويمكن للمجتمعات أن تختلف حوله، كما يمكنها أن تناقش دوافعه ونتائجه وحدوده. لكن المشكلة تبدأ عندما تحتاج السياسة إلى عمامة كي تمنح قرارها شرعية دينية، وكأن القرار السياسي لا يستطيع أن يعيش إلا إذا وجد له غطاء في النصوص والمقدسات. فجأة يصبح التطبيع سلاماً، والتنازل السياسي واقعية، ثم يظهر رجل دين ليضع كل ذلك في إطار ديني يطلب من الناس قبوله باعتباره خياراً أخلاقياً أو واجباً من واجبات الحكمة.
وهنا يحق لنا أن نسأل ببساطة: لماذا يحتاج قرار سياسي إلى فتوى كي يصبح مقبولاً؟ ولماذا يُطلب من رجل الدين أن يبحث عن مبررات دينية لقرار اتخذه السياسي أصلاً؟ ولماذا لا يتحمل السياسي مسؤولية قراره أمام مواطنيه، بدلاً من أن يطلب من رجل الدين أن يحمله إلى منطقة القداسة التي يصعب فيها النقاش والاعتراض؟
السلام الحقيقي لا يحتاج إلى تزوير الحقائق، ولا إلى محو التاريخ، ولا إلى إعادة تعريف الاحتلال بحيث يصبح تفصيلاً ثانوياً. والتعايش بين الأديان قيمة إنسانية عظيمة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى وسيلة لتجميل الاحتلال أو إسقاط المسؤولية الأخلاقية عن السياسة. نحن لا نرفض الحوار بين أتباع الأديان، ولا نرى في الاختلاف الديني مبرراً للكراهية، لكننا نرفض أن يتحول الدين إلى أداة لغسل السياسة من مسؤوليتها، أو إلى وسيلة لإقناع المواطن بأن عليه أن يصفق للقرار لأنه قُدّم إليه في ثوب ديني.
وإذا كان علينا أن نرفض استخدام الدين لتبرير التطبيع، فعلينا بالقدر نفسه أن نرفض استخدامه لتبرير الهيمنة. لا يمكن أن ندين توظيف المقدس في اتجاه، ثم نقبل به عندما يخدم الاتجاه الذي نؤيده. هنا تبرز إيران بوصفها نموذجاً مختلفاً للمشكلة نفسها، لا لأن المشكلة في التشيع، ولا لأن الشيعة العراقيين مسؤولون عن سياسات طهران، ولا لأن العلاقة بين العراق وإيران ينبغي أن تكون عدائية، وإنما لأن الخلط بين الانتماء المذهبي والولاء السياسي يمكن أن يتحول إلى أداة نفوذ خطيرة حين تستخدمه دولة لتوسيع حضورها داخل دولة أخرى.
الخلط بين الانتماء المذهبي والولاء السياسي يمكن أن يتحول إلى أداة نفوذ خطيرة حين تستخدمه دولة لتوسيع حضورها داخل دولة أخرى.
لقد بنت إيران، على مدى عقود، نفوذاً واسعاً في العراق عبر شبكة معقدة من العلاقات السياسية والمذهبية والفصائل المسلحة والمصالح الاقتصادية، واستفادت من الروابط الدينية والتاريخية التي تجمع الشعبين. لكن النقطة التي ينبغي ألا تختلط هنا هي أن التشيع ليس هو إيران، وأن الشيعي العراقي ليس إيرانياً، وأن محبة آل البيت ليست تفويضاً سياسياً لطهران، وأن العراق لا يفقد هويته الوطنية لمجرد أن جزءاً كبيراً من شعبه ينتمي إلى المذهب الشيعي.
هذه حقيقة ينبغي قولها بلا خوف ولا مواربة: الشيعي العراقي عراقي أولاً، مثلما أن السني العراقي عراقي أولاً. والنجف ليست طهران، وكربلاء ليست جزءاً من الدولة الإيرانية، ومحبة الحسين لا تعني الولاء السياسي لأي حكومة. العراق بلد له دولته وحدوده ومؤسساته وشعبه وتاريخه، وعلاقته بإيران يجب أن تكون علاقة دولة بدولة، مثل علاقته بالسعودية أو تركيا أو الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى. أما تحويل الانتماء المذهبي إلى قناة للولاء السياسي، فهو ليس دفاعاً عن المذهب، بل اختطاف للمذهب من مجاله الروحي وتحويله إلى أداة في الصراع على النفوذ.
والأخطر من النفوذ نفسه هو الطريقة التي يمكن أن يُفرض بها على المواطن أن يدافع عنه. فإذا انتقد عراقي سياسة إيرانية اتُهم بأنه يعادي التشيع، وإذا انتقد فصيلاً مسلحاً اتُهم بأنه ضد المقاومة، وإذا طالب بقرار عراقي مستقل قيل له إنه يعادي آل البيت. هنا يتحول الدين من مساحة للإيمان إلى سلاح في مواجهة المواطن، ويصبح المذهب أداة ابتزاز عاطفي تمنع النقاش السياسي الطبيعي.
وهذا ليس دفاعاً عن العراق ضد إيران وحدها، بل دفاع عن مبدأ أوسع: لا ينبغي لأي دولة عربية أن تتحول إلى ساحة نفوذ لدولة أخرى تحت أي شعار، ولا ينبغي للمواطن أن يُطلب منه أن يختار بين وطنيته ومذهبه. محبة آل البيت قضية إيمانية ووجدانية عميقة لدى ملايين المسلمين، وهي أسمى من أن تتحول إلى بطاقة عضوية في مشروع سياسي. والحسين ليس شعاراً حزبياً، وكربلاء ليست بطاقة تعريف في نظام ولاء إقليمي. وإذا كانت كربلاء قد تحولت في الوعي الإنساني إلى رمز للوقوف في وجه الظلم، فليس من المنطقي أن يُستدعى اسم الحسين لتبرير إسكات الإنسان أو إخضاع إرادته أو مصادرة حقه في الاعتراض.
وهنا نصل إلى المشكلة الأكثر حساسية: رجال الدين الذين يسمحون للسياسة بأن تتحدث من خلالهم. السياسي يريد السلطة والنفوذ والتحالف والمصلحة، وهذا مفهوم في طبيعة العمل السياسي، لكن الخطر يبدأ عندما يأتي رجل الدين ليمنح السياسي غطاء أخلاقياً أو دينياً. السياسي يستطيع أن يقول للمواطن: هذه مصلحتنا. أما رجل الدين فيستطيع أن يقول له: هذه مصلحتك، وربما هذه مسؤوليتك الدينية. عندها تتحول العمامة إلى أداة سياسية، والمنبر إلى منصة دعاية، والفتوى إلى وسيلة لتسويق قرار اتخذته السلطة.
وهذا ظلم للدين قبل أن يكون ظلماً للمواطن. فليس كل من ارتدى العمامة عالماً، وليس كل من تحدث باسم الدين يتحدث باسم الله. رجل الدين الحقيقي ليس هو الذي يعرف كيف يرضي السلطة، وإنما الذي يستطيع أن يقول لها: أخطأت. يستطيع أن يقول للحزب: أخطأت، وللميليشيا: أخطأت، وللدولة التي تموله أو تحميه: أخطأت. أما الذي يتغير خطابه بتغير مصالح السلطة، والذي يجعل من الفتوى انعكاساً لاتجاه الريح السياسية، فلا يجوز أن يطلب من الناس التعامل مع موقفه باعتباره حقيقة دينية مطلقة.
المفارقة الأكثر إيلاماً أننا قد نرفض رجل الدين عندما يستخدم لتبرير التطبيع، ثم نقبل رجل الدين نفسه عندما يستخدم لتبرير نفوذ دولة أخرى. وهذا تناقض يجب التخلص منه. لا نريد ديناً تابعاً لإيران، كما لا نريد ديناً لأي عاصمة أخرى. الدين أكبر من الدول، والمذهب أكبر من الأحزاب، والعمامة أكبر من أن تتحول إلى وظيفة في جهاز العلاقات العامة لأي حكومة.
ذلك هو الدين الذي تحتاجه مجتمعاتنا؛ ديناً يحرس الإنسان من السلطة لا سلطة تستخدم الدين لحراسة نفسها من الإنسان
ومن يعتقد أن الدفاع عن مذهبه يفرض عليه الدفاع عن دولة أجنبية، فقد خلط بين الدين والسياسة. ومن يعتقد أن نقد إيران يعني نقد الشيعة، فقد وقع في الفخ نفسه الذي يريد خصومه أن يقع فيه. كما أن من يعتقد أن رفض التطبيع يعني العداء لليهودية أو رفض التعايش بين الأديان، فقد ارتكب الخلط نفسه في الاتجاه الآخر. في الحالتين، يجري اختطاف النقاش السياسي من مساحته الطبيعية وإدخاله إلى منطقة المقدس، حيث يصبح الاختلاف السياسي اتهاماً في العقيدة، ويصبح النقد خيانة، وتتحول الوطنية إلى امتحان في الولاء الديني.
العراق، الذي دفع ثمناً هائلاً للحروب والانقسامات والاحتلالات والتدخلات الخارجية، لا يحتاج إلى طبقة جديدة من الوصاية. لا يحتاج العراقي إلى من يقول له كيف يحب وطنه أو كيف يمارس دينه أو لمن يمنح ولاءه السياسي. يحتاج إلى دولة قوية بالقانون، ومؤسسات تحميه، وأمن يضمن حياته، واقتصاد يوفر له العمل، وخدمات تحفظ كرامته، ونظام سياسي يستطيع فيه أن يختلف من دون خوف.
العراق ليس ملكاً لإيران، كما أنه ليس ملكاً لأي قوة إقليمية أو دولية. ولا ينبغي أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. فحين تتحول دولة إلى مسرح للصراع الإقليمي، يصبح المواطن أول من يدفع الثمن، ثم يطلب منه بعد ذلك أن يقبل ما يجري باسم المقاومة أو المذهب أو الأمن أو التاريخ. لكن الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بمؤسسات قادرة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة، وبسياسة خارجية تعرف أين تنتهي الصداقة وأين يبدأ التبعية.
والأمر نفسه ينطبق على فلسطين. فلسطين ليست ورقة دعائية في يد حكومة، كما أن آل البيت ليسوا ورقة سياسية في يد دولة. كلاهما أكبر من أن يتحول إلى أداة في صراع السلطة. القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى من يحتكرها، كما أن محبة آل البيت لا تحتاج إلى دولة تحتكر تفسيرها السياسي. عندما تتحول القضايا المقدسة إلى أوراق تفاوض، يفقد المقدس معناه ويصبح الإنسان هو الخاسر.
لقد آن الأوان لأن نعيد الدين إلى مجاله الأخلاقي، والمذهب إلى مجاله الروحي والثقافي، والسياسة إلى مجالها الطبيعي حيث يمكن مساءلة أصحاب القرار. لا نريد ديناً يبرر للسلطة ما تريد، بل ديناً يذكر السلطة بما يجب عليها أن تخشاه. لا نريد رجل دين يبحث عن فتوى ترضي الحاكم، بل عالماً يستطيع أن يضع الحاكم أمام مسؤوليته الأخلاقية. ولا نريد مواطناً مضطراً إلى الاختيار بين عقيدته ووطنه، أو بين مذهبه واستقلال قراره السياسي.
نريد إنساناً يستطيع أن يقول ببساطة: أنا مسلم دون أن أكون تابعاً لأي دولة. وأنا شيعي دون أن أكون تابعاً لإيران. وأنا سني دون أن أكون تابعاً لأي حكومة سنية. وأنا عربي دون أن أكون تابعاً لأي نظام عربي. وأنا مؤيد لفلسطين دون أن أكون مضطراً إلى تأييد كل من يرفع شعار فلسطين. هذه ليست عبارات للانقسام، وإنما هي جوهر الوطنية الحديثة: أن يكون الانتماء الديني مصدراً للقيم، لا جواز سفر إلى الولاء السياسي، وأن يكون المذهب جزءاً من هوية الإنسان، لا وسيلة لإلغاء هويته الوطنية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين ليس أن ينتقده الناس، وإنما أن يستخدمه السياسيون حتى يصبح المواطن عاجزاً عن نقدهم. وأخطر ما يمكن أن يحدث للمذهب ليس أن يختلف الناس حوله، وإنما أن يتحول إلى أداة لفرض الولاء. وأخطر ما يمكن أن يحدث للوطن ليس أن تتعدد فيه الآراء، وإنما أن يصبح الانتماء إليه مشروطاً بالانتماء إلى مشروع سياسي أو عاصمة خارج الحدود.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين مذهب ومذهب، ولا بين دين ودين، ولا بين دولة وأخرى. إنها معركة من أجل إبقاء الحدود واضحة بين المقدس والسياسة، بين الإيمان والولاء، بين العقيدة والدولة. فالسياسي يجب أن يتحمل مسؤولية قراراته باسمه، ورجل الدين يجب أن يحافظ على استقلال ضميره، والمواطن يجب أن يستعيد حقه في أن يؤمن ويختلف وينتقد ويحب وطنه دون أن يخضع لابتزاز المقدس.
الدين ليس جواز سفر إلى التطبيع، والمذهب ليس جواز سفر إلى الهيمنة، والعمامة ليست حصانة من النقد، والقداسة ليست تفويضاً سياسياً. فلسطين ليست ملكاً لحكومة، وآل البيت ليسوا ملكاً لدولة، والوطن ليس ملكاً لحزب أو طائفة. وما نحتاجه اليوم ليس ديناً يبرر للسلطة ما تريد، وإنما ديناً يعيد إلى السلطة السؤال الذي تحاول الهروب منه دائماً: هل ما تفعلونه عادل؟ وهل يحفظ كرامة الإنسان؟ وهل تستطيعون أن تقفوا أمام ضمائركم، قبل أن تطلبوا من الناس أن يقفوا خلفكم؟
ذلك هو الدين الذي تحتاجه مجتمعاتنا؛ ديناً يحرس الإنسان من السلطة، لا سلطة تستخدم الدين لحراسة نفسها من الإنسان.
العرب



