
هناك خطأ يُغتفر لأنه وقع للمرة الأولى، وهناك خطأ يصبح بعد تكراره سؤالاً في العقل الذي يعيد إنتاجه. والسودان، منذ استقلاله، ظل كلما ضاقت به السياسة يعود إلى الباب نفسه: باب البندقية.
منذ انقلاب 1958، مروراً بمايو 1969 ويونيو 1989، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، تغيرت الأسماء والشعارات، لكن الفكرة بقيت: عندما تعجز السياسة عن إدارة خلافاتها، يظهر من يظن أن العسكري يستطيع حسم ما فشل المدنيون في حسمه.
ولم يكن العسكري يسير إلى السلطة وحيداً؛ فقد وجد في مراحل مختلفة مدنيين يمهدون أو يساندون أو يبررون، ووجد بعض السياسيين في الجيش طريقاً مختصراً لإقصاء خصومهم. لكن السياسي الذي يستعين بالعسكري ينسى حقيقة بسيطة: المدني الذي يركب الدبابة لا يقودها.
بعض ذلك كان سوء تقدير، وبعضه كان منفعة، لكن الوطن دفع الثمن. والأخطر أن الانقلاب عند بعض القوى يصبح جريمة إذا جاء بخصومها، و«تصحيحاً» إذا أزاحهم. والقاعدة التي لا نحترمها إلا عندما تخدمنا ليست قاعدة.
ولا يجوز تحميل الشعب السوداني كله المسؤولية. فقد أثبت قدرته على مقاومة الاستبداد في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وثورة ديسمبر. مشكلتنا لم تكن في إسقاط الأنظمة، بل في بناء دولة تمنع عودة الأزمة. فالديمقراطية لا تُختبر عندما يفوز حزبك، بل عندما يخسر: هل تقبل أن يحكم خصمك وفق القواعد، أم تبحث عن دبابة لإزاحته؟
وهناك سؤال آخر يؤلمني: أعرف سودانيين من الأطباء والمهندسين والعلماء والاقتصاديين وأساتذة الجامعات والخبراء، أسهموا لعقود في بناء مؤسسات ناجحة خارج السودان. فإذا كان لدينا كل هذا العقل السوداني، فلماذا لم نجعله في قلب بناء السودان؟
ليس لأن الخبير لا يخطئ، ولا لأن الشهادة تمنح حق الحكم، ولكن لأن الدولة التي تحترم نفسها تجعل المعرفة جزءاً من قرارها. أما نحن، فقد أصبح حامل السلاح في مراحل كثيرة أقرب إلى طاولة تقرير المستقبل من عالم أفنى عمره في تخصصه.
وهذه ليست مشكلة أشخاص بقدر ما هي مشكلة معيار. فإذا كان أقصر طريق إلى النفوذ هو امتلاك القوة، فلا نتعجب عندما يتسابق الناس إلى السلاح بدلاً من المعرفة.
نحن لا نستدعي مهندساً لإجراء عملية قلب، ولا طبيباً لتصميم جسر، لكننا عندما نصل إلى أعقد مهمة، وهي إدارة دولة، نتصرف أحياناً وكأن التخصص ترف.
وهنا مأساة السودان في جملة واحدة: نزرع البصل وننتظر التفاح.
ليست المشكلة في الحصاد، بل في البذور التي اخترناها. عندما تصبح القوة أهم من الكفاءة، والمحاصصة أهم من التخصص، والولاء أهم من القدرة، فالنتيجة لا تحتاج إلى نبوءة.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتكشف الثمن الأشد قسوة لتعدد مراكز القوة المسلحة. الحرب لم تسأل المواطن عن حزبه قبل أن تهدم بيته، ولا الطفل عن رأيه قبل أن تحرمه من مدرسته، ولا الأم عن موقفها قبل أن تفقد ابنها.
بعد كل ذلك، لا ينبغي أن نسأل: من الرجل الذي سينقذ السودان؟ لقد أضعنا زمناً طويلاً في انتظار الرجال. السؤال الصحيح هو: ما الدولة التي تمنع أي رجل من أن يصبح أكبر منها؟
نحتاج إلى قاعدة لا استثناء فيها: لا يصل أحد إلى السلطة بقوة السلاح. ونحتاج إلى جيش وطني واحد، قوي ومحترف، خاضع للدستور ومؤسسات الدولة. إخراج الجيش من السياسة ليس إهانة له، بل حماية لمكانته. السودان يحتاج إلى جيش قوي للسودان، لا قوياً على السودان.
ونحتاج إلى سياسة مدنية تتجدد، وإلى إعادة العقل السوداني إلى قلب صناعة القرار. لا نستدعي علماءنا وخبراءنا فقط بعد الحرب لإصلاح ما دمرته السياسة؛ يجب أن نستدعيهم قبل القرار، لا بعد الدمار. فالزعيم الحقيقي ليس من يعرف كل شيء، بل من يعرف من يسأل.
لقد دفع السودان ثمناً يكفي: دماً وقبوراً ونزوحاً ولجوءاً ومدناً مدمرة وأطفالاً رأوا من الحرب ما لم يكن ينبغي لطفل أن يراه.
وإذا عدنا بعد كل هذا إلى الوصفة نفسها، فلن نستطيع أن نقول إننا لم نكن نعرف. فقد عرفنا الانقلاب والحكم العسكري والمحاصصة وتعدد الجيوش والحرب، وعرفنا الثمن.
ما نحتاج إلى تجربته الآن ليس جنرالاً جديداً، ولا تحالفاً مسلحاً جديداً، ولا مخلّصاً جديداً. ما لم نجربه بما يكفي هو الدولة: دولة القانون والمؤسسات والكفاءة، دولة الجيش الواحد، ودولة المواطن الذي لا يحتاج إلى قبيلة تحميه ولا حزب يشفع له ولا بندقية تمنحه حقه.
لقد زرعنا البصل طويلاً وانتظرنا التفاح، وحان الوقت أن نغيّر ما نزرع إن كنا نريد أن يتغير ما نحصد.
وبعد أن أصبح الدرس مكتوباً بالدم، لم يعد السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟ نعرف كيف وصلنا. السؤال الذي سيحاكمنا عليه أبناؤنا هو: بعد أن عرفتم الطريق الذي أوصلكم إلى الخراب، لماذا سلكتموه مرة أخرى؟
هذه ليست خصومة مع جيش ولا دعاية لحزب، بل شهادة مواطن يرى وطناً غنياً بعقوله وموارده، ويتساءل لماذا ظل السودان مشغولاً بمن يحكم بدلاً من كيف يُحكم.
اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.
عبدالبديع عمر خلف الله – أمريكا 2026



