مقالات وآراء

‏”الأرباب تيفرا”‏.. سلطنة سنار والتأثيرات الخارجية

د. محمد عبد الله الحسين

تصدير:‏
يتناول هذا المقال شخصية كان لها دور عسكري وسياسي كبير في لحظة مفصلية من تاريخ سلطنة ‏سنار. يتم ‏تناول هذه الشخصية ضمن تأثيرات علاقات الجوار الإقليمية وكذلك الاستمرار التاريخي ‏لبعض الهياكل ‏والتكوينات العسكرية والإدارية في المشهد السياسي الحالي في السودان.‏
مقدمة:‏
تتميز فترة سلطنة سنار بزخم من مثير من الأحداث وتعدد الشخصيات الزعامية كما تتميز بشيء من ‏الغرابة ‏خاصة خلال الفترة الأخيرة من حكم السلطنة. وفي هذا السياق يصف جي سبولدينق تلك الفترة ‏بعصر البطولة ‏وشبَّه شخصياته المتنافسة على الحكم بفترة الجاهلية من حيث الفروسية والمغامرات ‏التي ميَّزت تلك الفترة. من ‏جانب آخر لا زالت كثير من أحداث تلك الفترة يشوبها الغموض ومناط ‏لاختلاف الآراء والتفسيرات مما يحتاج ‏لكثير من الجهد لإماطة الغموض الذي لازم تلك الفترة. فشخصية ‏تيفرا ا‎(‎‏‎ Tefera‏‎)‎على سبيل المثال رغم أنه ‏تسنَّم القيادة وترقى من سفح العبودية حتى هضبة القيادة ‏لم تجد ما تستحقه من الإضاءة الكافية.. خاصة أن ‏شخصية تيفرا تعتبر المثال الساطع لتقلب الظروف ‏وغرابة الأحداث خلال فترة سلطنة سنار. ‏
علاقات التخوم والتأثير الإقليمي: ‏
من ناحية أخرى فإن موضوع المقال وإن كان يتناول شخصية فرد إلا أنه من الأهمية بمكان عدم قراءة ‏شخصية ‏مثل تيفرا بمعزلٍ عن الظروف التاريخية والسياسية المحلية والسياق الاجتماعي المحلي الذي ‏وُجِدت فيه. لذا ‏كان من الضروري استصحاب الظروف السياسية والاجتماعية والعسكرية الإقليمية عند ‏النظر الى شخصية ‏الأرباب تيفرا وما قام به. بعبارة أخرى لا يمكن أن تُتناول هذه الشخصية بالدراسة ‏والتحليل ولا الأحداث السابقة ‏واللاحقة لفترته دون الإشارة إلى تأثير العلاقات التاريخية للتخوم لكل من ‏الجارتين الحبشة ومصر. حيث تشير ‏كثير من الشواهد التاريخية إلى تأثير علاقات التخوم والتجاور ‏بما اشتملت عليه من تداخل وتنافس وما نتج عنه ‏من تأثيرات اجتماعية وسياسية وعسكرية وحتى ‏ثقافية. ‏
‏ قد يكون المثال التالي خير دليل على ما ذكرنا، وهو أن اسمي قائدين كبيرين خلال فترة سلطنة سنار ‏مثل ‏عمارة دونقس و(تيفرا) يحملان ملمح واضح لهذا التأثير. وقبل أن نتجاوز هذه النقطة نشير إلى أن ‏اسم تيفرا ‏Tefera‏ حسب ما وجدت خلال بحثي يعني باللغة الأمهرية المهاب أو المبجل أو المحترم. ‏ولعل المصادر ‏التاريخية والإخبارية تحفظ ظهور اسم قائد عسكري في انقلاب الدرك في فترة ‏السبعينات(تيفري بنتي). من ‏ناحية أخرى لم أجد ما يؤكد وجود الاسم في اللهجات السودانية المحلية.‏
من ناحية أخرى كان لعلاقات التخوم والتجاور مع مصر المملوكية (وكذلك العثمانية لاحقا) دور كبير ‏في تشابه ‏بعض من أنظمة الحكم أو التنظيم الإداري والعسكري في سلطنة سنار وهو ما أشرت إليه في ‏عدة مقالات سابقة. ‏يتعلق بالتأثير في جانب التنظيم العسكري، نأخذ مثالا واحدا فقط في هذا المقال ‏من بين عدة أمثلة أخرى وردت ‏وسترد في مقالات لي لاحقا. فقد أخذ نظام الفونج بنظام التجنيد ‏العسكري للأرقاء كما حدث خلال فترة المماليك. ‏حيث تم الأخذ بنظام تجنيد الأرقاء كفِرق عسكرية ‏ضمن الحرس السلطاني لحماية ولحفظ النظام وقمع التمرد إذا ‏استدعى الأمر. ‏
وقد لا نبالغ إن قلنا إن نظام وأسلوب التجنيد العسكري وتنظيم الفرق العسكرية ونظام الفروسية يماثل ‏تماما نظام ‏عهد المماليك في مصر. الغريب في الأمر أن تمرد الفرق العسكرية الذي حدث في نهاية ‏دولة الفونج حدث الأمر ‏نفسه بتمرد الجنود المماليك. ‏
الجيش السلطاني:‏
اعتمد الحكم في سلطنة سنار في حفظ البلاط والنظام في السلطنة على الجمود المنحدرين من الاسترقاق ‏أو من ‏أصول مسترقة. وكانوا موضع ثقة الحكم وكانت علاقاتهم قائمة على السمع والطاعة لذا اهتمت ‏بهم البلاط من ‏حيث التدريب والتنظيم والتجهيز. وهذا الوضع يشبه وضع الرقيق الأبيض المماليك ‏المنحدرين من آسيا ‏الوسطى. فهم يحملون ثقافة مناطقهم التي انحدروا منها بالإضافة لتقاربهم في ‏الأعمار. فكان ذلك مساعدا في ‏تكوين وجدان وتفكير متشابه. أما الجانب الأهم فهو تشابههم في التنظيم ‏والتدريب والتجهيز. ومان كذلك لكلا الجيشين، ‏السناري والمملوكي لديهم مرجعية متشابهة من حيث ‏الاسترقاق ووجود إرث من الثقافة المحلية. ولكن هذا ‏الإرث تم إحلاله بثقافة وتفكير يقوم على الفكر ‏والتنشئة العسكرية. بالتالي يمكن القول بان التشابه المشار إليه ‏يؤكد إلى تأثر سلطنة سنار بنظام ‏الجندية المعمول به في الدولة المملوكية في مصر من قبل منذ مئات السنين. ‏
فيما يخص فرق الجنود الأرقاء ظل وضعهم قائما على الانقياد والسمع والطاعة ومُحافظٌ عليه حتى ‏نهاية القرن ‏الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في سلطنة سنار. حيث بدأ تماسك الدولة يتضعضع ‏مع ظهور التنافس ‏المحموم بين الأمراء وتكالبهم على السلطة. فتفرقوا أيدي سبأ كل بفرقته العسكرية. ‏وكانت النتيجة المحتومة ‏ضعف وتفكك الدولة كاشفا خطورة الوضع الكارثة المُحدِقة بالدولة والحكم. ‏وهكذا أدت الظروف وبلوغ ‏الأزمة إلى قمتها بروز شخصية مثل تيفرا كانت منزوية وذلك بحكم ‏التراتبيات الطبقية والنظام الاجتماعية القائم ‏في ذلك الوقت. بالرغم من أن معايير المجتمع والتقسيم ‏الطبقي السائد تُحتِّم عليه أن يقف في الحدود التي خطتها ‏التراتبيات والنظام الاجتماعي. إلا أن الوضع ‏الاستثنائي الخطير أسهم في بروز شخصية مثل تيفرا. وهي ‏شخصية تملك روح المسئولية بجانب ‏كاريزما كشف عنها ذلك الوضع. وقد ارجع جي سبولدينق(بأنه كان يمتاز ‏برؤية استراتيجية وفطنة ‏سياسية لوقف الحرب الأهلية واستعادة الدولة) .‏
ظهور القائد تيفرا
‏ولكن خطورة الوضع وما كان يمكن أن تؤول إليه الأحداث جعلت روح المسئولية والصفات القيادية لقائد ‏مثل ‏تيفرا أن يخطو خطوة للأمام لإنقاذ الموقف. وقد حدث ذلك تماما.ولكنه أيضا إلى حد وفق معايير ‏المجتمع التي ‏أرساها النظام المتواتر على مدى حوالي ثلاثة قرون.‏
بالتالي يمكن القول أن الخطوة التي قام بها القائد تيفرا هي برغم كل شيء خطوة محسوبة لظهور ‏الكاريزما ‏مؤقتا لإحداث التوازن وتعديل كفة الميزان نحو الاستقرار وفق مفهوم نفس المجتمع. وهنا لابد ‏من القول بأن ‏القائد تيفرا بحكم موهبته القيادية وقراءته الحصيفة للأحداث يُدرِك أنه عليه ألا يتجاوز في ‏اتخاذه تلك الخطوة ‏المصيرية الكبيرة النقطة الوازنة.‏
‏ كما تقدم في المقدمة كان تيفرا قائدا عسكريا ومسترقا سابقا ليتم استيعابه ضمن الفرق العسكرية التابعة ‏للسلطان. ‏يدل تاريخه وما قام به لاحقا على ذكاء حاد وبصيرة متقدة ونظرة متعقلة. حيث لعب تيفرا ‏دورا بارزا خلال ‏الفترة الأخيرة لحكم الهمج(والتي سماها جي سبولدينق بعصر البطولات). وهي التي ‏اتسمت بتراخي قوة الدولة ‏المركزية وانغماس القادة المحليين وأمراء الحرب في صراعات وحروب أهلية ‏للسيطرة على الحكم والحصول ‏على المكاسب المُمكنة.‏
بعد سيطرة الهمج على حكم سنار صار الحكم منذ ظهور الوزير أبولكيلك بيد الوزراء وليس بيد ‏السلاطين. وفي ‏تلك الفترة انفرد كل وزير بمجموعة خاصة به من فرق الأرقاء العسكرين. وفي أتون ‏الصراع بين الوزراء ‏تمردت الفرق العسكرية للأرقاء بقيادة تيفرا على مستعبديهم وصارت لهم الكلمة. ‏وفي تلك الفترة تصرف تيفرا ‏بتعقلٍ كامل ومسئولية تامة نحو فرض الأمن وحفظ النظام. ‏
وكمكافأة لصنيع تيفرا منحه محمد ود عدلان مرتبة السيادة الكاملة أي المتصرف في شؤون الدولة ومنحه ‏اللقب ‏السامي في ذلك العهد وهو لقب “الأرباب‎”‎،‎.‎الذي لا يُمنَح إلا للمقربين وذوي الشأن وأصحاب ‏النفوذ. ولا ‏يُمنح ‏إلا لملوك المقاطعات، أو كبار مستشاري السلطان، أو أفراد العائلة الحاكمة وجهاء ‏المجتمع‎.‎
وجد “ود عدلان” في القائد “تيفرا” وجيشه المتمرد حليفاً عسكرياً لا يُستهان به. ‏انضم تيفرة وجيشه المتمرد ‏إلى ‏صفوف ود عدلان، وشكّلوا معاً القوة الضاربة التي حسمت الحروب ‏الأهلية الطاحنة لصالح ود ‏عدلان عام ‏‏1808م‎. ‎‏ في تلك الفترة التي كان فيها “محمد ود عدلان” (أحد أقوى وزراء الهمج وأبرز ‏رجالات تلك ‏الفترة) ‏مقد قضى على منافسيه من أبناء عمومته وأمراء الفونج‎.‎‏ كان لتيفرة وقواته الدور ‏الأكبر في إخماد الفتن ‏الداخلية، وتأمين العاصمة سنّار، ‏وإعادة فرض هيبة الدولة ‏‎.‎
‎وهكذا ارتقى تيفرة من قائد لكتائب متمردة إلى رقيب وأمين ‏على الدولة وصانعا للسلاطين. أسبغ محمد ‏ود ‏عدلان على تيفرا كمكافأة له لقب “الأرباب”. كم منحه ‏سلطات واسعة وُصِفَت “بالسيادة الكاملة”، والتي ‏قد تشمل ‏مسئولية بسط الأمن والنظام المسئولية عن الشؤون العسكرية في السلطنة.‏
قضى الأرباب تيفرا الذي تمكَّن بكفاءته ‏العسكرية من تجاوز قيود الرق والتمرد بقية سنوات حياته، ‏متمتعا ‏بالثروة والجاه والنفوذ ‏السياسي، بتقدير كبير من الحكام كواحد من أبطال وقادة العصر ‏العسكريين، وظل كذلك ‏حتى قُبيل ‏سقوط السلطنة ودخول جيوش محمد علي باشا عام 1821م.‏
في الختام فإن سيرة تيفرة والأحداث التي رافقت ظهوره يمكن قراءتها من عدة وجوه. أولا إن تأثيرات ‏الجوار ‏الإقليمي حقيقة لا يمكن إنكارها كما أوردنا ذلك آنفا. من ناحية أخرى يكاد التاريخ أن يكرر ‏نفسه من خلال عدة ‏صور. فظهور نموذجٍ استثنائيٍ مثل تيفرا، الذي تخطى التراتبيات الاجتماعية ‏القائمة ليفرض نفسه على المشهد ‏ويُتوج قائدا‎.‎‏ بالإضافة إلى ذلك ظهور المليشيات بسبب ضعف الدولة ‏أو الجيش خير دليل على ذلك. حيث شهد ‏السودان خلال السنوات الفائتة (2019) وضعا مشابها، ‏وكأن التاريخ يؤكد انه يمكن أن يتكرر بنفس الصورة ‏إن تكررت نفس الظروف والمعطيات. ‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..