غضب الشارع

صفاء الفحل
كنداكات السودان.. نبضُ الثورة وذاكرةُ وطن،
وما نساء السودان إلا واحدةٌ من شهقات الوطن الحي
حين اسودّت سماء الوطن بدخان الرصاص، وبكت الأرض تحت ركام الحرب، تحولت المدن إلى مرايا مكسورة تعكس وجوه الخوف والجوع والاقتلاع، ولم يتبقَّ في العتمة سوى أولئك الذين يحملون قناديل الحقيقة بأصابع تحترق ولا تنطفئ.
ففي السودان، كلما حاول الخراب أن يبتلع المعنى، نهضت الكنداكات من بين الركام كأنهن آخر ما تبقّى للوطن من نبضٍ وضمير. فلم تكن المرأة السودانية يومًا زينةً على هامش التاريخ تنتظر بعلها، بل كانت دائمًا متنه الخفي وسنده الصلب؛ فإذا ارتجفت البنادق ثبتت، وإذا انكسرت الأصوات صدحت، وإذا نامت الضمائر بقيت وحدها تحرس وجع البلاد كأمٍّ تسهر على طفلٍ محموم.
ومنذ ثورة ديسمبر، لم تكن الكنداكات مجرد هتافٍ في شارع، بل كنّ المعنى العميق للثورة نفسها؛ وجوهًا تعلّمت أن تبتسم في حضرة الغاز والرصاص، وأن تزرع الأمل في تربةٍ جرداء سقاها الطغاة بالخوف والدموع.
وحين تمددت الحرب كوحشٍ أعمى يلتهم الحجر والبشر، وتوارى كثيرون خلف جدران الصمت أملاً في النجاة، خرجت كثير من نساء السودان يحملن الحقيقة على أكتافهن كما تُحمل النعوش. يوثّقن الدم قبل أن يجف، ويجمعن أسماء الضحايا من أفواه الأمهات المرتجفة، ويخبّئن ما تبقّى من إنسانية هذا الوطن في دفاتر الشهادة والذاكرة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض الأصوات النسائية إلى أهدافٍ للملاحقة والتخوين، لأن السلطة التي تخشى الكلمة أكثر من الرصاصة تعرف أن الحقيقة إذا خرجت من رحم المعاناة فلن تعود إلى القيد والمصادرة مرة أخرى. وهنا يبرز اسم المحامية رحاب المبارك، من محامو الطوارئ، مع رفيقات النضال حنان حسن ونون كشكوش وغيرهن، لا كامرأةٍ تواجه بلاغًا عابرًا وسط دفاتر النيابة العامة، بل كصوتٍ اختار أن يقف في الجهة التي يقف فيها الضمير الإنساني، في زمنٍ صار فيه الصدق تهمة، والشهادة على الجريمة جريمةً أخرى.
لقد أرادوا للصمت أن ينتصر، لكنها وأمثالها ممن لا يسعفني المجال لذكرهن جميعًا، كتبن على جدار الخوف: إن الدم لا يختفي بالحبر الأسود، وإن الجرائم التي تُدفن تحت ضجيج الحرب لا بد أن تعود يومًا أكثر صراخًا و دويا من المدافع نفسها. فالحقيقة كالماء؛ قد تُحاصرها السدود، لكنها أيضًا تعرف دائمًا كيف تشق طريقها من بين الصخور.
كنداكات السودان… بنات النيل والشرق والغرب والجنوب اللواتي تعلّمن من الأرض الصبر، ومن النار الصمود. يا من تحملن الوطن حين أسقطه الرجال من بين أيديهم، ويا من خبّأن في صدورهن آخر أعواد الثقاب كي لا ينطفئ نور البلاد تمامًا. إليكن أتحدث: يا صفاء الفحل، ورشا عوض، وصباح محمد الحسن، وكل من حملت سلاح القلم في وجه المدافع. أقول إن ست النفور قد توارت جسدًا فقط في الثرى، ولكن روحها لا تزال حية بيننا تلهم فينا معنى النضال. فإن ماتت ست النفور وسط جموع المواكب، فها هي بالأمس أيضًا رحلت مزن النيل أيقونة المواكب.
سيأتي يومٌ يفتّش فيه المؤرخون وسط هذا الركام عن شيءٍ يشبه الوطن، وسيجدون آثار أقدامكن فوق الرماد، وصوتكن يعلو فوق هدير البنادق، وملامحكن محفورة في ذاكرة الذين نجوا من الموت.
وحين يُسأل التاريخ: من الذي أبقى السودان حيًّا وهو ينزف؟
فلن تكون الإجابة دبابةً ولا جنرالًا ولا خطيب حرب،
بل امرأةً سودانيةً كانت تحمل في يدٍ جرح الوطن، وفي الأخرى شعلة الحقيقة.
وحين يضيق القول عن حمل ما في الصدور من وجعٍ وأمل، ينهض الصوت من أعماق الذاكرة، لا كترنيمٍ عابر، بل كبيانٍ للروح التي لا تنكسر ويقول:
أي صوتٍ زار بالأمس خيالي
طاف بالقلب وغنّى للكمال
وأذاع الطهر في دنيا الجمال
وأشاع النور في جوف الليالي.
إنه صوتٌ لا يأتي من حنجرةٍ فقط، بل من ذاكرة وطنٍ تعلّم أن يصنع من الألم نغمًا، ومن العتمة معنى.
إنه صوتي أنا زاده العلم سنا
إنه صوتي أنا ابنة النور أنا
أوتدري من أنا؟
هي ليست سؤال الهوية فحسب، بل سؤال الوطن حين يرى نفسه في مرآة نسائه اللواتي حملن المعرفة والكرامة معًا، ووقفن في وجه الانكسار دون أن يفقدن يقينهن بالضوء.
سوف نرتقي سلم المجد رقيًا
ونفيض العلم ينبوعًا رويًا
وننادي بتلاقينا سويًا
لنشيّد المجد صرحًا أبديًا
نحو سودان جديد



