
ستظل الأنظمة الإستبدادية تبتكر مختلف الحيل والأساليب للهيمنة على مصائر الشعوب وجلها يصب في الخوض في وعاء جامع، ألا وهو مستنقع الجهل. ويصب في هذا الوعاء العديد من المشاعر والصفات التي تسهم بجدارة في تكوينه وفي مدى إتساعه، منها الخوف، قلة المعرفة، الإحساس بالدونية، الإنحياز والطمع. صفات تجعل من الإستثمار في الجهل من قِبل القوى المستبدة سهلا وممكناً. وهذا لا يعني أن القوى المستبدة ذاتها ليست غارقة في هذا المستنقع، فبجهلها تجهل حتمية الفشل والانهيار التام لدولة الإستبداد والذي لا يستثني أحداً.
صارت مصادر العلوم والمعرفة متعددة ومتوفرة بشكل لم يسبق له مثيل. فبقليل من الجهد في البحث عن الحقيقة سنجد فيضا من الأسهامات في مختلف المجالات ومن مختلف الشعوب ومن مختلف الأزمنة.أسهامات قادرة على تطوير الفكر النقدي والتحليلي بالدرجة التي تؤهلنا لأستيعاب الواقع ودحض الأوهام والأكاذيب والتي تسعى لخلق صور مفبركة لتلوي عنق الحقيقة. فبقدر ترجيح كفة الوعي لدى المجتمعات، بقدر إنحسار القدرة على إستغفال الشعوب. فعلينا أن لا نتردد في دعم المحتوى والأسهام بنشر ما نعتقد أنه جدير بالمشاركة وبعيدا عن فخ الإنحيازات ونترك مسألة فهمه وقبوله للعقل النقدي للمتلقي.
لن تكف الأنظمة الإستبدادية عن محاولاتها لتشويه الوعي عن طريق بثها لكل ما هو إستفزازي أو مثير للمشاعر بغرض دفعنا للوقوع في فخ التعامل بردود الأفعال حتي يسهل إقتيادنا في الوجهة التي تريد.
ولكن يظل تراكم المعرفة عبر كل الحقب الزمنية للتاريخ الإنساني بمثابة الدرع الواقي من السقوط والغرق في مستنقع الجهل. لذلك يمثل الفهم لطبيعة الأشياء والمنطق في التعامل معها، هو القاعدة الأساسية لمحاربة الجهل وهزيمة الإستبداد. فلنبحث في التاريخ والاساطير وفي العادات والتقاليد وتطور القوانين وفي المال والإقتصاد والسياسة وفي الحرب والسلام وفي العقد الإجتماعي وفي الخلق وفي الحياة ذاتها. فالحياة والموت من طبيعة الأشياء، فلِم الخوف إذاً ؟ أهوَ طمعا في الخلود ؟ فنحن شركاء على هذه الأرض وسيظل وجودنا على سطحها كأفراد مجرد رحلة محدودة الزمن، ولا نعلم ما طولها. فمن العقل ومن الحكمة أن تظل هذه الرحلة بمثابة تعاون وشراكة لتعمير الأرض وليست بمثابة صراع لخرابها.



