مقالات وآراء

ماركيز الذي لم يلتقه عادل… وعادل الذي لم يغب عن القصاص

عبدالعزيز أبوعاقلة

(اقترحتُ، في محادثة هاتفية، على شقيق روحي، عادل عبد الرحمن… أن آتي إليه في زيارة… ليتسنى لنا الانطلاق معاً إلى مكسيكو سيتي… لزيارة غابرييل غارسيا ماركيز ). هكذا يفتح عادل القصاص نصه، وكأننا أمام حكاية رحلة لم تتم، أو مشروع سفر ظل معلقاً في الهواء حتى جاءت السنوات وأغلقت الطريق. لكن بعض الرحلات لا تحتاج إلى طائرة ولا إلى جواز سفر ولا إلى مدينة يصل إليها المسافر؛ يكفي أن يكون الطريق إليها كتاباً، وأن يكون المسافر قارئاً، وأن يكون الذي نريد الوصول إليه قد سبقنا إلى أرواحنا منذ زمن. وربما لهذا لم تكن مكسيكو سيتي، في حكاية القصاص، سوى الاسم الجغرافي لرحلة كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير؛ منذ أن دخل ماركيز عالمهما من بوابة الكتاب، واستقر فيه حتى أصبح واحداً من أولئك (الأقرباء ) الذين لا تجمعنا بهم شجرة عائلة، وإنما تجمعنا بهم المخيلة.

وهذه الكلمة، (الأقرباء ) تستحق أن نتوقف عندها قليلاً؛ فالقرابة التي يصنعها الأدب واحدة من أغرب القرابات وأكثرها رسوخاً، لأنها لا تحتاج إلى دم يجري في العروق، ولا إلى بيت واحد، ولا إلى وطن مشترك. قد يكون كاتب في قارة بعيدة أقرب إلى روحنا من إنسان يشاركنا الشارع والمدينة واللغة، وقد يصبح كتاب لم نلتق مؤلفه قط بيتاً صغيراً نعود إليه كلما ضاقت بنا الأمكنة. نحن لا نصل دائماً إلى الكتابة من خلال أصحابها؛ أحياناً تصل الكتابة إلينا قبل أن نعرف أصحابها، فنكتشف في جملة كتبها شخص بعيد شيئاً كان يتحرك في داخلنا منذ سنوات دون أن نعثر له على اسم. عندها لا يعود الكاتب غريباً تماماً؛ يصبح قريباً من نوع آخر، قريباً لم تره العين، لكنها عرفته الروح.

ولذلك فإن نص القصاص، رغم أنه يبدأ من ماركيز، سرعان ما يتحول إلى نص عن عادل عبد الرحمن. لكنه لا يستعيده بالطريقة التي يستعاد بها الراحلون عادة؛ لا يضع أمامنا سيرة مكتملة، ولا يصنع له تمثالاً من الكلمات، ولا يثقل حضوره بالرثاء، وإنما يستعيده من خلال الأشياء التي أحبها، والكتب التي قرأها، والأصدقاء الذين شاركهم دهشة العالم، والحوارات التي تبدو في ظاهرها مجرد قعدات وونسات، لكنها حين ننظر إليها من مسافة الزمن نكتشف أنها كانت شيئاً أكثر أهمية: كانت طريقة في إنتاج المعرفة، وطريقة في بناء الصداقة، وطريقة في مقاومة فقر الحياة اليومية بالخيال. ولعل هذا هو سر بقاء بعض الأصدقاء فينا؛ لا نحتفظ بهم في الذاكرة باعتبارهم صوراً ثابتة، وإنما باعتبارهم طرائق في النظر، ونبرات في الحديث، ودهشةً تعلمناها منهم ثم واصلنا استخدامها من دون أن نشعر.

ولعل أجمل مفاتيح النص كله عبارة القصاص: (الونسة الرفيعة ). تبدو في ظاهرها كلمة عامية سودانية بسيطة، لكنها في سياق النص تتحول إلى مفهوم ثقافي وجمالي كامل. فالونسة، حين تبلغ أرفع حالاتها، ليست كلاماً يقتل الوقت، وإنما كلام يستعيد العالم. قد تبدأ من كتاب لتودوروف، أو من قراءة في الفكر المادي عند حسين مروة، ثم تنفتح على السكان الأصليين للأميركتين، وقد تبدأ من ماركس وإنجلز ثم تقود إلى جورج أمادو والي ماركيز، وقد تدخل قصيدة للفيتوري، أو أغنية لإبراهيم عوض، أو ذكرى، أو اسم صديق غائب، إلى المجلس دون أن يستأذن أحد. في تلك القعدات التي يستعيدها القصاص، لم يكن الحاضرون شخصين أو ثلاثة فقط؛ كان هناك دائماً ثالث ورابع وخامس: كتاب على التربيزة، ذاكرة تتحرك، مدينة بعيدة، شاعر، شخصية روائية، أغنية، كأس، أو صمت يعرف كيف يحضر، أو سؤال يظل مفتوحاً حتى بعد أن ينتهي الحديث. ولذلك فإن (الونسة الرفيعة ) ليست مجرد أسلوب في الكلام، وإنما حالة من حالات الوجود المشترك؛ حيث يصبح الحديث نفسه مساحة للمعرفة، وتصبح المعرفة طريقاً إلى الخيال.

ومن هنا تبدو الصداقة بين عادل القصاص وعادل عبد الرحمن أعمق من مجرد صداقة بين كاتبين. فالصديق الحقيقي ليس فقط من نجلس معه، وإنما من يستمر في الجلوس معنا حتى حين يغيب؛ هو الذي نقرأ العالم من خلال بعض ما تركه فينا، ونرى بعض الأشياء بعين تعلمناها منه دون أن نشعر. قد نختلف معه في الأدب والذائقة والرؤية، وقد نتجادل حول قصيدة أو كتاب، لكننا نكتشف في لحظة ما أننا نتشارك حساسية واحدة تجاه العالم؛ وهذه الحساسية، في حياة المبدعين، قد تكون أعمق من الاتفاق على الأفكار. وربما كان هذا هو الرابط الذي جمع عادل عبد الرحمن بالقصاص، كما جمعهما بماركيز: ليس التشابه في التجربة ولا التطابق في الكتابة، وإنما الاشتراك في الإحساس بأن العالم أكبر من صورته الظاهرة، وأن مهمة الكتابة ليست أن تصف الأشياء فقط، بل أن تكشف ما وراءها، وأن تستخرج من المألوف ما يكفي لإعادة الدهشة إلى الحياة.

ولهذا كان ماركيز قريباً منهما. لم يكن روائياً عظيماً فحسب، وإنما كان واحداً من أولئك الذين استطاعوا أن يجعلوا الخيال شديد الالتصاق بالحقيقة، حتى تبدو الحدود بينهما أقل صلابة مما اعتدنا. وحين بكى بسبب موت الكولونيل أورليانو بوينديا، لم يكن يبكي شخصية ورقية اخترعها ثم قرر التخلص منها؛ كان يبكي كائناً عاش معه طويلاً حتى صار جزءاً من وجدانه. هنا تتراجع الحدود التي نضعها نحن بين الواقع والخيال، لأن الكاتب الذي يعيش شخصياته حقاً لا يستطيع أن يتعامل معها باعتبارها مجرد أدوات في بناء الرواية؛ إنها تدخل إلى حياته، تسكن ذاكرته، وتصبح، في لحظة ما، جزءاً من واقعه الداخلي. وما قد يبدو للقارئ غرابة في علاقة ماركيز بشخصياته يكشف، في الحقيقة، عن طبيعة الخيال حين يبلغ درجة عالية من الحضور: الكاتب لا يقف خارج العالم الذي خلقه، بل يصبح أحد سكانه.

وربما هنا يلتقي ماركيز بعادل عبد الرحمن، لا في الأسلوب ولا في التجربة ولا في اللغة، وإنما في تلك الحساسية التي ترى أن الواقع ليس سطحاً مستوياً، وأن ما نراه ليس كل ما يوجد. فالخيال العظيم ليس هروباً من الواقع، كما يحاول البعض أن يضعه في مواجهة الحقيقة؛ إنه طريقة أخرى للعودة إليه، ولكن بعد أن يصبح أكثر اتساعاً وعمقاً. الكاتب الحقيقي لا يهرب من العالم حين يتخيل، وإنما يحاول أن يراه للمرة الأولى؛ يزيح الغطاء عن الأشياء المألوفة، ويعيد ترتيب علاقتنا بها، ويجعل العادي قابلاً للدهشة. وهذا بالضبط ما يجعل الأدب الكبير قادراً على البقاء؛ لأنه لا يمنحنا معلومات عن العالم بقدر ما يغير الطريقة التي نراه بها.

ومن هنا أيضاً نفهم لماذا لم يكن أولئك الذين يستعيدهم القصاص في نصه مجرد أسماء في ذاكرة ثقافية سودانية، وإنما أجزاء من شبكة واسعة من الأرواح التي كانت تتغذى من التراث والحكاية والشعر والموسيقى والتجربة اليومية. شَنْقَب، ومجدي النعيم، وبشرى الفاضل، وعلي المك، وعيسى الحلو، ومحمد مدني، ومحمد خلف، وأحمد عبد المكرم، وعبد اللطيف علي الفكي، وغيرهم ممن مروا في نص القصاص، يظهرون كأنهم ينتمون إلى مجلس واحد، لا تجمعهم مدرسة ولا منهج، وإنما تجمعهم تلك الطاقة الداخلية التي تجعل المخيلة جزءاً من طريقة العيش. كانوا ينتمون إلى أزمنة وتجارب مختلفة، لكن بينهم شيئاً نادراً: الإيمان بأن المخيلة ليست زينة تضاف إلى الحياة، وإنما قوة تكشف الحياة. ولذلك فإن الحديث عنهم يتحول، من حيث لا يقصد القصاص، إلى استعادة لزمن ثقافي كانت فيه الصداقة نفسها مساحة للإبداع، وكانت القعدة قادرة على أن تتحول إلى درس، والحديث العابر إلى فكرة، والفكرة إلى نص.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل نص القصاص مؤثراً أكثر مما يبدو. فهو لا يستعيد أشخاصاً فقط، وإنما يستعيد نوعاً من الحياة؛ حياة كان الكتاب فيها حاضراً في القعدة، وكان الصديق قارئاً ومناقشاً وناقداً، وكانت الونسة قادرة على أن تعبر من الأدب إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الحياة اليومية دون أن تفقد خيطها الداخلي. ذلك العالم ربما تشتت تحت ضغط المنافي والحروب والسنوات، لكن الكتابة تستطيع أن تحفظ منه ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به. فالذاكرة الفردية تنسى، والصور تتغير، والأمكنة تتبدل، والأصدقاء يرحلون، لكن النص الجيد يستطيع أن يعيد بناء المجلس من جديد، وأن يضع الغائبين حول الطاولة، لا كأشباح للماضي، وإنما ككائنات ما زالت قادرة على الكلام.

ثم تأتي، في نص القصاص، تلك الفقرة التي أراها أكثر من مجرد رثاء؛ أراها مفتاحاً إنسانياً يضيء ما سبقها كله: (الذي قتلك هو الغياب الخشن ).هنا يتغير إيقاع النص فجأة؛ فبعد أن كان الحديث عن ماركيز والخيال والونسة والأصدقاء، ينفتح الجرح الحقيقي: عادل الذي كان يتنفس بالتفاعل الاجتماعي، وجد نفسه يعيش الردح الأكبر من شتاته أعزل من الأصدقاء والصديقات، بعيداً عن أولئك الذين منحهم (وسام القلب )في (معلقة الأصدقاء) ،وعن أولئك الذين كان يتمنى أن يتقاسم معهم، على مائدة تضج بالذكرى، (الشقاء الطازج ) وأن يقشر معهم (السنين المهينة )، ثم يتكئون على أكتاف بعضهم بعضاً لينظفوا أسنانهم من الجوع والمرض والحنق. هنا لا يعود الغياب مجرد مسافة بين إنسان ومكان؛ يتحول إلى اقتلاع من الحياة التي كان عادل يعرف نفسه من خلالها. ولعل القصاص، حين يسميه (الغياب الخشن ) ، لا يصف غياباً جغرافياً فقط، وإنما يصف ذلك النوع من الغياب الذي يحرم الإنسان من الذين كانوا يمنحون أيامه معناها، ومن الوجوه التي كان الفرح، كما يقول، من شغلها، ومن أولئك الذين كان بينهم وبين عادل ذلك التبادل الحميم: (يُصلحن لك وضع ياقتك ) فيما أنت تنفض عن أكتافهن ما يلتصق من غبار». في هذه الصور الصغيرة، المليئة بالحياة، يصبح الفقد أكثر قسوة؛ لأننا لا نفقد شخصاً فقط، وإنما نفقد تفاصيل الحياة التي كانت تحدث بوجوده.

وهنا تحديداً يعود ماركيز إلى المشهد، ولكن من باب آخر. فالذي جمع ماركيز وعادل عبد الرحمن لم يكن الخيال وحده؛ كان ذلك الإيمان بأن الإنسان لا يعيش مكتفياً بذاته، وأن الأدب في جوهره فعل اتصال، وأن المبدع، مهما اتسعت عزلته، يحتاج إلى أولئك الذين يشاركونه الطاولة والضحكة والكتاب والدهشة. ولذلك فإن (الغياب الخشن ) الذي يتحدث عنه القصاص يبدو كأنه النقيض الكامل لـ (الرفيعة ) هناك، في الونسة، كان عادل يتنفس؛ وهنا، في الغياب، انقطع بعض الهواء. ولعل هذه المفارقة هي أكثر ما يجعل النص إنسانياً؛ فهو لا يخبرنا فقط كيف رحل صديق، وإنما يحاول أن يقول لنا كيف يمكن للغياب أن ينهش إنساناً كان وجود الآخرين جزءاً من تكوينه.

وهنا يعود عادل عبد الرحمن، لا بوصفه شاعراً رحل، وإنما بوصفه أثراً حياً في الآخرين. وهذه ربما تكون واحدة من أعظم صور بقاء المبدع: ألا تبقى قصائده وحدها، وإنما تبقى معها طريقة في رؤية العالم. قد ننسى تاريخ قصيدة أو ترتيب ديوان، وقد لا نستطيع استعادة كل ما كتب، لكن شيئاً من حساسيته يظل فينا؛ نقرأ جملة في مكان آخر فنفكر أنه كان سيحبها، نرى مشهداً فنحاول أن نتخيله بعينيه، نجلس في ونسة فنشعر أن هناك مقعداً ما زال شاغراً، ومع ذلك فإن صاحبه حاضر بطريقة لا يستطيع الرحيل المفاجئ أن يلغيها. عندها لا تعود الذكرى مجرد استرجاع للماضي؛ تتحول إلى حضور جديد، ويصبح الغياب نفسه شكلاً آخر من أشكال الحضور.

وهذا ما يجعل عنواننا أكثر من مجرد تركيب مدهش لنا :ماركيز الذي لم يلتقه عادل… وعادل الذي لم يغب عن القصاص. في الشطر الأول رجل لم يحدث اللقاء بينه وبين عادل عبد الرحمن، لكن حضوره كان حقيقياً بما يكفي ليصبح قريباً؛ وفي الشطر الثاني رجل حدثت معه كل اللقاءات، ثم غاب جسده، لكن غيابه لم يستطع أن يمحو حضوره. وبين الاثنين يقف عادل القصاص، حاملاً ذاكرة العلاقة، وكأن الكتابة أصبحت المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الغائبان أن يلتقيا من جديد؛ ماركيز الذي دخل المجلس من خلال كتبه، وعادل الذي بقي فيه من خلال ذاكرة صديقه.

لهذا تبدو الرحلة إلى مكسيكو سيتي، بعد قراءة نص القصاص، أكبر من رحلة لم تحدث. كان عادل عبد الرحمن والقصاص يريدان أن يذهبا إلى ماركيز، لكنهما كانا قد وصلا إليه بالفعل عبر كتبه؛ كانا يريدان أن يضعا الجسد في المكان الذي كانت الروح قد بلغته منذ سنوات. وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم: لماذا أرادا أن يلتقيا ماركيز؟ وإنما: كيف استطاع ماركيز، وهو الذي لم يلتقهما، أن يصبح واحداً من مجلسهما؟ الجواب ليس في مكسيكو سيتي، وإنما في الكتابة؛ فالكتاب العظيم لا يبقى كتاباً طويلاً، وإنما يتحول، في مرحلة ما، إلى صديق، ثم إلى قريب، ثم إلى جزء من تاريخنا الشخصي، حتى يصعب علينا أن نعرف أين تنتهي تجربته وأين تبدأ تجربتنا.

أما عادل عبد الرحمن، الذي رحل، فلم يغب عن القصاص لأنه لم يعد موجوداً في المكان؛ لقد انتقل إلى مكان آخر أكثر مقاومة للغياب: اللغة. واللغة، حين تحمل روحاً حقيقية، تستطيع أن تفعل ما لا يستطيع الجسد فعله؛ تستطيع أن تعيد الغائب إلى مجلسه، وأن تجعل صوتاً قديماً صالحاً لأن يُسمع مرة أخرى، وأن تمنح الصداقة فرصة أخرى للحياة. لذلك لا يكون موت المبدع نهاية كاملة لحواره مع أصدقائه وقرائه؛ يرحل صاحبه، لكن الجملة التي تركها تواصل الحديث، والكتاب يظل مفتوحاً، والونسة يمكن أن تبدأ في أي لحظة، وكأن الموت، مهما حاول، لا يستطيع أن يغلق الباب تماماً.

وربما لهذا كان نص عادل القصاص، في جوهره، أكثر من استعادة لرحلة لم تتم. إنه استعادة لعالم كامل من القرابة والصداقة والخيال والغياب، وتذكير بأن بعض الذين نعجز عن الوصول إليهم يصبحون أقرب إلينا، وأن بعض الذين يرحلون يصبحون أكثر حضوراً في اللغة، وأن الأدب يستطيع أن يصنع بين البشر قرابة لا تعترف بالمسافة ولا بالجغرافيا ولا حتى بالموت. ماركيز لم يلتق عادل عبد الرحمن، لكنهما التقيا في الكتب؛ وعادل عبد الرحمن رحل عن مجلس القصاص، لكنه ظل جالساً فيه من خلال الذاكرة واللغة والونسة الرفيعة. وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر جمالاً في النص كله: أن الرجل الذي لم نلتقه يمكن أن يصبح قريباً، وأن الرجل الذي غاب يمكن أن يظل حاضراً، وأن الكتابة تستطيع أن تجعل من الغياب نفسه مجلساً آخر للقاء.

وهكذا لا تكون الكتابة بيتاً للمبدع وحده؛ إنها بيت لأصدقائه أيضاً، ومكان يعودون إليه كلما أخذتهم الحياة بعيداً، وكلما غاب شخص أحبوه، وكلما احتاجوا إلى أن يجلسوا مرة أخرى حول القعدة والونسة نفسها. بعض الذين نحبهم لا يتركون لنا بيتاً بعد رحيلهم؛ يتركون لنا شيئاً أكثر مقاومة للخراب: طريقة جديدة مختلفة في النظر إلى العالم، وذاكرةً تسكن اللغة، ووجوهاً لا تغادرنا تماماً، وجملةً نستطيع أن نفتح بها الباب كلما اشتقنا إلى مجلس قديم. وربما لهذا، حين يغيب الجسد، لا يبقى لنا من الراحل سوى ما هو أعمق من الجسد: ما زرعه في أرواح الآخرين. وهذا ما يفعله عادل عبد الرحمن الآن؛ لم يعد يسكن المكان، لكنه يسكن اللغة، واللغة بيت لا تعرف الغياب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..