قمة الإعلام العربي في دبي.. ثلاثية التحول الرقمي وصناعة التأثير

دبي – صلاح دامبا
شهدت دبي في الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر الجاري، انعقاد الدورة الخامسة والعشرين من قمة الإعلام العربي، بمشاركة قيادات إعلامية عربية ودولية، وصناع قرار ورؤساء تحرير وكتاب ومحللين سياسيين، في سلسلة من الجلسات التي ناقشت مستقبل الإعلام، والتحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى والتأثير الإعلامي.
وعلى مدار ثلاثة أيام، بحثت القمة التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام، ودور المؤسسات الإعلامية في مواكبة التطورات التقنية، إلى جانب قضايا الاتصال الحكومي، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الإبداعية، ومستقبل الصحافة العربية.
مستقبل الصحافة العربية
افتتحت القمة بجلسة حول مستقبل الصحافة العربية، شارك فيها رؤساء تحرير من مؤسسات إعلامية بارزة، وناقشت التحديات التي تواجه الصحافة في ظل التحولات الرقمية، والحاجة إلى إعادة تعريف دور غرف الأخبار، وتعزيز المهنية وحماية استقلالية العمل الصحفي.
وتناولت الجلسة كذلك تنامي الدور الإعلامي للخليج في تشكيل السرديات الدولية، في ظل الاستثمارات المتزايدة في الإعلام الجديد والمنصات العابرة للحدود.
وشهد اليوم الأول حضور الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قدم رؤية بعنوان “سوريا والمستقبل والإعمار”، تناولت فرص إعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب، ودور الإعلام في دعم مسار التعافي الوطني وتقديم صورة واقعية بعيدًا عن التسييس والتهويل.
كما ناقشت جلسة حوارية مع الإعلامي معاي جاسم محمد البدوي مستقبل قطاع الإعلام، والتحديات التي تواجه المؤسسات التقليدية، وصعود المحتوى المستقل، وأهمية الاستثمار في التدريب والتقنيات الذكية.
وفي جلسة أخرى، قدم مسعد بولوس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، قراءة للمشهد في الشرق الأوسط، تناولت ملفات سوريا والسودان وتداعيات حرب إيران على الخليج والولايات المتحدة.
ومن أبرز ما قاله مسعد بولوس بشأن السودان هو أن الولايات المتحدة ترى أن لا مستقبل لقائدي الجيش والدعم السريع في السودان، وان أي حلول يجب ان تستبعدهما من المشهد.
واختتم اليوم الأول بجلسة بعنوان “الخليج بعد الحرب”، ناقشت مستقبل الأمن الإقليمي ودور الإعلام في تهدئة الخطاب وتقديم رؤى بعيدة عن الاستقطاب.
من المحتوى المحلي إلى التأثير العالمي
ركز اليوم الثاني من القمة على صناعة المحتوى والتحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في المشهد الإعلامي.
وناقشت جلسة “قصة محلية.. صدى عالمي” كيفية تحويل القصص المحلية إلى محتوى قادر على الوصول إلى جمهور عالمي، مع التركيز على توظيف الهوية الثقافية المحلية وإنتاج أعمال تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.
كما بحثت جلسة “دردشة إعلامية مع صناع المحتوى” تنامي تأثير المنصات الاجتماعية وصعود جيل جديد من المؤثرين وصناع المحتوى، والعلاقة المتغيرة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي.
وفي جلسة “الطبيب أم المؤثر.. من نصدق؟”، ناقش الدكتور أنور الحمادي وطلال المحيسني التحديات المرتبطة بالمعلومات الصحية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأهمية التحقق من مصادر المعلومات والاعتماد على المتخصصين.
وفي محور صناعة التأثير الإعلامي العالمي، عرض محمد المال، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للإعلام، رؤية المؤسسة بشأن المنافسة الإعلامية، التي قال إنها لم تعد تعتمد على الانتشار وحده، وإنما على جودة المحتوى والابتكار وبناء الثقة مع الجمهور والاستفادة من التقنيات الرقمية.
الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الجديد للإعلام
احتل الذكاء الاصطناعي مساحة بارزة في نقاشات القمة، خصوصًا في ما يتعلق بغرف الأخبار وجمع البيانات وتحليلها وإنتاج المحتوى وتوزيعه.
وناقشت جلسة “الذكاء الاصطناعي في غرفة الأخبار.. من التحقيق إلى النشر”، بمشاركة بيتر بارباس، رئيس شبكة نيوز العالمية، الإمكانات التي توفرها التقنيات الجديدة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على المعايير المهنية والأخلاقية.
كما تناولت جلسة “صناعة إعلامية بقيمة تريليون جنيه” التحولات الاقتصادية التي يشهدها قطاع الإعلام عالميًا، والنماذج الاستثمارية الجديدة، ودور التكنولوجيا في إعادة تشكيل السوق، وتطوير مصادر دخل مستدامة للمؤسسات الإعلامية.
وفي السياق ذاته، ناقشت جلسة “قوة صوت العرب في البودكاست” النمو المتسارع لصناعة البودكاست العربي، وقدرته على الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور وتقديم محتوى متخصص، إلى جانب دوره المتزايد في بناء مجتمعات معرفية جديدة.
وشهد اليوم الثاني كذلك عرض الفيلم الوثائقي المرشح للأوسكار “من داخل غزة”، الذي تناول الواقع الإنساني في غزة من خلال شهادات وقصص من قلب الحدث.
واختتمت فعاليات اليوم الثاني بتوقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين نادي دبي للصحافة وجهات حكومية ومؤسسات إعلامية، بهدف تعزيز التعاون وتطوير الكفاءات ودعم الابتكار والتدريب المهني.
الاتصال الحكومي والتحولات الكبرى
خصص اليوم الثالث والأخير من القمة لجلسات تناولت مستقبل الاتصال الحكومي، وصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والفنون والدراما والموسيقى.
وناقشت جلسة “مستقبل الاتصال الحكومي” التحولات التي طرأت على أدوات الاتصال الرسمي وآليات بناء الثقة مع الجمهور في البيئة الرقمية.
كما بحثت جلسة “الجمهور تغير.. فهل تغير الاتصال الحكومي؟” طبيعة العلاقة الجديدة بين المؤسسات والجمهور، وتأثير المنصات الرقمية في أنماط التواصل والتفاعل.
وفي محور التكنولوجيا، ناقشت جلسة “توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى” الفرص التي توفرها التقنيات الجديدة، إلى جانب التحديات المتعلقة بالمصداقية والابتكار ومستقبل الوظائف الإعلامية.
وتناولت جلسات أخرى تأثير منصات التواصل الاجتماعي على القرارات الاقتصادية، وملامح الإعلام الذي يصنعه الشباب، ومستقبل الإنتاج الموسيقي في الأسواق العربية، وآليات التعاون بين غرف الأخبار ووكالات أنباء الفيديو العالمية.
كما ناقشت جلسة “الإعلام العربي في عالم التغير” التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية العربية وسبل تطوير أدائها، فيما جمعت جلسة “الإعلام في زمن التحولات الكبرى” المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش والإعلامي عماد الدين أديب، لبحث التحولات الجيوسياسية والإعلامية وتأثيراتها على المنطقة والعالم.
وامتد برنامج اليوم الختامي إلى قطاع الدراما والصناعات الإبداعية، من خلال جلسات تناولت مستقبل الدراما العربية والتحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في الإنتاج والمحتوى.
عودة مهرجان دبي السينمائي
اختتمت القمة فعالياتها بحفل توزيع الجوائز، فيما أعلنت منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام ورئيسة نادي دبي للصحافة، عودة مهرجان دبي السينمائي في 8 ديسمبر 2027 بحلة جديدة.
وقالت المري إن المهرجان، الذي انطلق في عام 2004، تأسس بهدف جعل دبي نافذة للسينما العربية على العالم وجسرًا يجمع المبدعين وصناع الأفلام والثقافات المختلفة.
وجوه سودانية في قمة الإعلام العربي
سجلت شخصيتان سودانيتان حضورًا في فعاليات قمة الإعلام العربي بدبي، من خلال مشاركتين في مسارين مختلفين، أحدهما في الإعلام التقليدي والآخر في صناعة المحتوى الرقمي.
وشارك صانع المحتوى والمنتج السوداني مجتبى الصديق في جلسة بعنوان “صناعة التأثير الإعلامي من أول ثانية”، إلى جانب عدد من صناع المحتوى والمؤثرين في الإعلام الرقمي.
وقدم مجتبى خلال مشاركته محتوى باللهجة السودانية، في تجربة عكست حضور المحتوى السوداني ضمن فعاليات القمة التي جمعت صناع محتوى وإعلاميين من المنطقة.
وتطرقت مشاركته إلى تجربة صناعة المحتوى عبر المنصات الرقمية، في وقت تشهد فيه هذه المنصات توسعًا في الوصول إلى الجمهور وتشكيل أنماط جديدة من التفاعل الإعلامي.
كذلك فاز الإعلامي السوداني الطيب عبد الماجد بـجائزة الإعلام العربي لأفضل برنامج اقتصادي في الإعلام المرئي عن عمله في قناة CNBC عربية، خلال حفل توزيع الجوائز المصاحب لفعاليات القمة، بمشاركة مؤسسات وشخصيات إعلامية عربية.
ويأتي حضور الطيب عبد الماجد ومجتبى الصديق في القمة ضمن مشاركة سودانية جمعت بين الإعلام التلفزيوني وصناعة المحتوى الرقمي، في فعالية ركزت بصورة واسعة على التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام، ودور التكنولوجيا والمنصات الجديدة في إعادة تشكيل صناعة المحتوى.



