مقالات وآراء

عطاء لتوريد إنسان

د. صلاح احمد الحبو

ماذا لو أعلنت الدولة عن عطاء، لا لتوريد الإسمنت أو الوقود أو الأجهزة، وإنما لتوريد الإنسان إلى الحياة؟ ماذا لو كانت كراسة الشروط هذه المرة لا تحدد المواصفات الفنية لسلعة، بل مواصفات السلام الذي يستحقه شعبٌ أنهكته الحرب؟ إنسانٌ خرج من بيته ولم يعد إليه، حمل أطفاله على كتفه وترك خلفه باباً مغلقاً، ثم تحول في لغة التقارير إلى «نازح»، وفي نشرات الأخبار إلى «رقم»، وفي موائد السياسة إلى «ملف». عندها لا يعود السؤال: من سيرسو عليه العطاء؟ بل: من كتب كراسة شروطه؟ ولمن صيغت مواصفاته؟ للمتنافسين على السلطة، أم للإنسان الذي يدفع ثمن المنافسة من بيته وأمنه وعمره؟
في عالم المشتريات، تبدأ المناقصة بالمواصفة وتنتهي بشهادة المطابقة. أما في عالم السياسة، فقد يحدث العكس: تُرسى الصفقة أولاً، ثم يُطلب من الواقع أن يطابقها. عندها يولد سلامٌ ينجح في قاعة التفاوض ويفشل عند باب البيت، واتفاقٌ تكتمل أختامه بينما تظل حياة الناس ناقصة؛ ورقٌ يعلن نهاية الحرب، وواقعٌ يواصل دفع فاتورتها.

تلك هي مفارقة الترسية: أن تنجح الأطراف في ترسية الاتفاق، بينما يفشل الاتفاق في تسليم الإنسان سلامه.

فالسلام ليس صورةً جماعية بعد التوقيع، ولا منصةً تتسع للكاميرات أكثر مما تتسع للضحايا. السلام أن يعود الخائف إلى النوم دون أن يضع حذاءه قرب الباب استعداداً للفرار، وأن يذهب الطفل إلى المدرسة حاملاً كتابه لا خوفه، وأن يجد النازح عند عودته وطناً لا مجرد عنوان. السلام انتقالٌ من الخوف إلى الأمان، ومن الغلبة إلى القانون، ومن الدولة التي تُدار بالصراع إلى الدولة التي تحكمها المؤسسات.

في قصة أصحاب الكهف، يأتي التوجيه القرآني بالغ الدقة: «فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ». لم يكن «التلطف» ترفاً لغوياً، بل فقهَ حركةٍ في زمن الخطر؛ أن تعرف كيف تمضي دون أن تستدعي الخطر، وكيف تبلغ مقصدك دون أن تهلك في الطريق.

ولأن طريق السلام لا يُقطع دائماً بالخطى الصلبة، فإن «التلطف» يفتح معنى آخر للتفاوض؛ معنى يمكن تسميته «دبلوماسية التلطف»: أن تعرف متى تشتد في الحق ومتى تلين في الطريق إليه؛ تلطفٌ في اللغة لا في الحقوق، ومرونةٌ في الوسيلة لا في الكرامة، ومساحةٌ للتراجع تحفظ ماء الوجه دون أن تغسل آثار الجريمة.

وبذات اللطف منهجاً، لو قرأنا «اللين» في قوله تعالى: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا»، لوجدنا أن السلام لا يحتاج دائماً إلى صوتٍ أعلى، بل إلى لغةٍ أقدر على فتح الأبواب. فليس كل لينٍ ضعفاً، كما أن ليس كل صراخٍ قوة؛ قد يفتح القول الهادئ باباً عجزت عنه البنادق، وقد يغلق التعالي باباً كانت وراءه فرصة للتسوية. الدبلوماسية هنا لا تُليّن الحق، وإنما تُليّن الطريق المؤدي إليه.

لكن التلطف لا يعني أن تتحول العدالة إلى ورقة مقايضة، ولا أن تتساوى يدٌ أوجعت ويدٌ أُصيبت. معناه أن يُبحث عن مخرج ينهي النزيف دون أن يدفن الحقيقة، وأن يُمنح الخصم طريقاً للعودة إلى المجتمع، فيما تُمنح الضحية طريقاً لاستعادة الحق والكرامة.

ولأن السلام عطاءٌ عام، فلا بد أن تكون له كراسة شروط واضحة: حماية المدنيين، وقف العنف، عودة آمنة، رد الحقوق، جبر الضرر، وإعادة بناء المؤسسات والثقة. وإلا أصبحنا أمام اتفاق مطابق للمواصفات السياسية، مخالف للمواصفات الإنسانية.

السودان لا يحتاج سلاماً يُسلَّم إلى شعبه كما تُسلَّم شحنة إلى مستودع؛ يحتاج سلاماً يعيد الشعب إلى نفسه، والوطن إلى أهله، والإنسان إلى حياته. فالغاية ليست ترسية السلام على الورق، بل ترسيخه في الإنسان؛ ليست توريد السلام إلى شعبٍ أنهكته الحرب، بل توريد الإنسان إلى سلامه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..