
(أنا قلق بطبعي، لا أحب السكون، أحب الحركة وكل ما هو متفجر ومُضاء). ربما لا نحتاج أكثر من هذه العبارة لكي ندخل إلى عالم محمد محيي الدين، لا من باب سيرته، وإنما من الباب الذي اختاره هو لنفسه القلق. فالقلق عنده لم يكن حالة عابرة، ولا مزاجاً شخصياً يجيء ويذهب، وإنما كان طريقة في النظر إلى الكتابة والحياة معاً ، أن تظل واقفاً على الحافة، وأن تشك في النص الذي أنجزته قبل أن يجف حبره، وأن تخشى أن يتحول ما كتبته بالأمس إلى قيد يمنعك من الوصول إلى ما لم تكتبه بعد. وربما لهذا السبب يصعب أن نضع محمد محيي الدين في خانة واحدة، لأن كل خانة كانت بالنسبة إليه احتمالاً للسكون، بينما كان هو، في جوهر تجربته، يبحث دائماً عن الحركة.
لهذا تبدو عبارة (الشاعر والمسرحي والناقد والقاص ) صحيحة، لكنها لا تكفي. فهي لا تصف حجم ما أنجزه من إبداع إنساني في مجالات الثقافة المختلفة، ولا تكشف الروح التي كانت تحركها. المسألة لم تكن أنه كتب في الشعر ثم ذهب إلى المسرح، ثم جرّب القصة والسيناريو، كما لو أنه انتقل من مهنة إلى أخرى، وإنما كان يتحرك داخل فضاء إبداعي واحد، تتبدل فيه الأدوات بينما تظل الرؤية واحدة: كيف يمكن للنص أن يتخلص من حدوده، وأن يستعيد قدرته على المفاجأة؟ وكيف يمكن للكلمة أن ترى، وتتحرك، وتسمع، وأن تتحول من شيء مكتوب إلى شيء حي؟
من هنا يمكن فهم موقع محمد محيي الدين في تجربة التجديد الشعري السوداني، وفي الفضاء الأدبي العام منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد انشغل بالقصيدة المفتوحة وقصيدة التدوير، ولم يكن يرى القصيدة بناءً مغلقاً ينتهي بمجرد اكتماله، وإنما مساحة قابلة دائماً لأن تتسع. كان يريد للشعر أن يستفيد من الحوار والسرد والصورة والحركة، وأن يقترب من تقنيات السينما والمسرح والنثر من دون أن يفقد جوهره الشعري. كأنه يرسم لوحة تشكيلية لا تستقر خطوطها في مكان واحد. ولذلك فإن التجريب عنده لم يكن مجرد بحث عن شكل جديد، بل كان محاولة مستمرة لتحرير القصيدة من فكرة الشكل النهائي.
ولعل أعمق وأجمل ما في تجربته أن هذا التمرد على الحدود لم يكن بحثاً عن الغرابة لذاتها. كان وراءه إحساس عميق بأن الحياة نفسها لا تعيش في صناديق منفصلة. الحكاية قد تدخل القصيدة، والقصيدة قد تحتاج إلى جسد ممثل، والمشهد المسرحي قد يبدأ من جملة شعرية، والصورة قد تقول ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. لذلك حين نقرأ محمد محيي الدين لا ينبغي أن نسأل في كل مرة هل هذا شعر أم مسرح أم سرد؟ السؤال الأكثر فائدة هو: ماذا يفعل النص بنا؟ وإلى أي مساحة أخرى يدفعنا؟
وربما لهذا أيضاً تبدو ود مدني حاضرة في تكوينه أكثر مما تبدو في سيرته. فالمدينة لم تكن مجرد مكان وُلد فيه شاعر؛ كانت، في علاقته بها، أشبه بالحبيبة، وكانت في الوقت نفسه بيئة ثقافية كاملة: رابطة للآداب والفنون، جماعة مسرحية، منتديات، وبيوت مفتوحة على الشعر والنقاش الأدبي والسياسي، ومجالاً ثقافياً استطاع أن يمنح أجيالاً من المبدعين إحساساً بأن الثقافة يمكن أن تُصنع بعيداً عن المركز. في مثل هذه البيئة لم تكن الكتابة فعلاً فردياً خالصاً، بل كانت جزءاً من حياة اجتماعية تتقاطع فيها الصداقة مع الحوار، والحوار مع الاختلاف والتنوع، والاختلاف مع التجريب.
وهنا تصبح ود مدني أكثر من جغرافيا ، تصبح جزءاً من طريقة محمد محيي الدين في النظر إلى الثقافة. مدينة لا تنتظر أن تأتيها الثقافة من الخرطوم، وإنما تصنع لنفسها فضاءها الخاص. فهي مدينة نبيلة، معطاءة، مفتوحة، وربما كان هذا أحد المفاتيح التي تفسر لماذا لم يأتِ تجديد محمد محيي الدين من فراغ ، فقد كان ابن بيئة متنوعة تسمح للكلمة أن تخرج من الكتاب إلى المجلس، ومن المجلس إلى المسرح، ومن المسرح إلى الشارع. ولذلك لم يكن غريباً أن يصبح المسرح عنده امتداداً طبيعياً للشعر، وأن يصبح الشارع نفسه مكاناً محتملاً للعرض المسرحي.
و(مطر الليل ) تكشف شيئاً من هذه البدايات. ليست أهميتها فقط في كونها واحدة من أعماله المسرحية المبكرة، وإنما في أنها تشير إلى لحظة بدأت فيها الكتابة عنده تبحث عن جسد آخر غير جسد الصفحة. فالقصيدة حين تقترب من المسرح لا تعود صوتاً فقط؛ يصبح لها جسد، ومسافة، وإضاءة، وصمت، وحركة. والكلمة التي كانت تسكن الورق تصبح أمام عين المتلقي، قابلة لأن تُرى كما تُسمع.
ومن هنا يمكن النظر إلى المسرح في تجربة محمد محيي الدين لا بوصفه انتقالاً من الشعر إلى فن آخر، وإنما بوصفه استمراراً للسؤال الشعري بوسيلة مختلفة. لقد أراد أن يجعل اللغة تتحرك. وحين خرج المسرح من القاعة إلى الشارع، اتسعت الفكرة أكثر؛ لم يعد المكان مجرد إطار للعرض، وإنما صار جزءاً من التجربة نفسها. الناس، والمدينة، والضجيج، والمارة، والمساحات المفتوحة؛ كلها يمكن أن تدخل في تكوين المشهد. وهكذا يصبح المسرح فعلاً ثقافياً يتنفس في الحياة اليومية، لا فناً معزولاً عنها.
ومن اللافت أن انتقاله بين الأجناس لم يكن يعني التخلي عن الشعر. حتى حين اقترب من القصة، ظل الشعر حاضراً في طريقة بناء الصورة والإيقاع واللغة. وحين اقترب من الأسطورة والفنتازيا والثقافة الشعبية، لم يتعامل معها كمواد جاهزة من الماضي، وإنما حاول أن يعيد إدخالها في نسيج حديث، بحيث تصبح الذاكرة الشعبية قادرة على إنتاج معنى جديد. كأن الماضي عنده لم يكن شيئاً ينبغي حفظه، بل مادة قابلة لإعادة الخلق.
وفي الشعر نفسه تبدو المدينة وكأنها لا تقف خارج القصيدة، بل تتحرك داخلها. (عشر لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر» عنوان يكاد يكون بياناً جمالياً وثوريا لطريقته في النظر إلى مدينة مدني؛ مدينة لا تُوصف وهي ساكنة، وإنما تُرى وهي تخرج، وتتحرك، وتتبدل أمام العين. وهي، في قراءتنا، يمكن أن تكون بمثابة المانيفستو الشعري الذي تتقاطع فيه مدينته مع عالمه الشعري كله. والقصيدة نفسها، في هذا المعنى، لا تبدو مجموعة من الكلمات بقدر ما تبدو سلسلة من المشاهد. نرى المدينة وهي تستيقظ، ونرى النهر وهو يحمل ذاكرته، ونرى الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، ونرى المدينة وهي تنتفض في وجه القهر وكبت الحريات؛ وكأن الشاعر لا يريد أن يقول لنا إن المدينة موجودة، وإنما يريد أن يجعلها تمر أمامنا بكل صورها، وأن يقول لنا إنها مدينة تريد أن تكون حرة كما ينبغي لمدينة أن تكون.
وهنا تلتقي القصيدة بالمسرح والسينما من غير أن تفقد هويتها. الصورة الشعرية عنده ليست دائماً صورة معلقة في الهواء؛ كثيراً ما تحمل حركة داخلية، كأن وراءها مشهداً لم يُرفع الستار عنه بعد. وربما لهذا جاءت تجربته الشعرية قريبة من فكرة (السيناريو ) في بعض مراحلها؛ ليس لأن الشعر تحول إلى سينما، وإنما لأن الشاعر صار أكثر اهتماماً بما يحدث للصورة حين تتحرك.
أما (الرحيل على صوت فاطمة ) فيفتح باباً آخر داخل تجربته. فالمكان والذاكرة والحب والمرأة والوطن لا تظهر فيه كجزر منفصلة، وإنما تتداخل كما تتداخل طبقات الذاكرة نفسها. المرأة ليست دائماً مجرد شخصية عاطفية في النص، والمكان ليس مجرد خلفية، والوطن ليس شعاراً جاهزاً؛ كل واحد منها يضيء الآخر. ولذلك يبدو الحب عند محمد محيي الدين أحياناً طريقة أخرى لرؤية العالم، وليس مجرد موضوع شعري مستقل.
وهنا ربما تكمن المسافة بين محمد محيي الدين وبين فكرة (الشاعر المتعدد ) هذه العبارة تبدو في ظاهرها مدحاً، لكنها قد تظلمه من حيث لا تقصد، لأنها توحي بأننا أمام شخص يمتلك مواهب كثيرة، بينما نحن أمام مشروع واحد يمتلك أدوات كثيرة. هناك فرق كبير بين الأمرين. صاحب المواهب المتعددة قد ينتقل من مجال إلى آخر، أما صاحب المشروع الواحد فإنه يستخدم كل مجال لكي يقول الشيء الذي لا تكفيه أداة واحدة. ومحمد محيي الدين، في تقديري، أقرب إلى الحالة الثانية. كان يريد للنص أن يظل مفتوحاً على احتمالاته، ولذلك لم يكن التجريب عنده زينة فنية، ولا رغبة في أن يبدو مختلفاً عن الآخرين، بل كان ضرورة داخلية.
ولهذا تصبح عبارته عن القلق أكثر من مجرد مفتاح لبداية المقال. حين يتحدث عن القلق ورفض السكون، فإننا نلمس جوهر مشروعه كله: الخوف من أن يتحول النجاح إلى عادة، وأن يصبح الأسلوب الذي اكتشفته بالأمس سجناً لك اليوم. لقد كان يريد أن يتجاوز النص الذي أنجزه، لا أن يكرره بصورة أكثر براعة. وهذا الطموح يفسر ذلك الانتقال الدائم بين الشعر والمسرح والقصة، وبين القاعة والشارع، وبين الثقافة المحلية والتقنيات الحديثة.
ولعل هذا هو السبب في أن أثره لا ينبغي أن يُقاس فقط بما تركه من نصوص، وإنما بما حرّكه من حوله. فالمبدع لا يعيش داخل نصوصه وحدها؛ أحياناً يكون أثره الحقيقي في المساحات التي يفتحها لغيره، وفي الأجيال التي تكتشف من خلاله أن الثقافة ليست طريقاً واحداً. ومحمد محيي الدين، بحضوره في المشهد الثقافي، وبانشغاله بالشباب والتجريب، كان جزءاً من تلك الحركة التي تجعل الأدب علاقة بين أجيال، لا ملكية خاصة لجيل واحد.
وهذا ربما يفسر شيئاً آخر في شخصيته الإبداعية: أنه لم يكن مشغولاً فقط بما سيكتبه، وإنما بما يمكن أن يحدث للكتابة من بعده. فالمبدع الحقيقي لا يكتفي بأن يترك أثراً خلفه؛ أحياناً تكون قيمته الأعمق في أنه يترك الباب مفتوحاً أمام من يأتي بعده. ومحمد محيي الدين، الذي ظل يرفض السكون، لم يكن يريد للثقافة أن تتحول إلى متحف من النصوص المحفوظة، وإنما إلى حركة تتوارث السؤال وتعيد صياغته.
لهذا لا أظن أن أفضل طريقة لقراءة محمد محيي الدين هي أن نضع أمام اسمه قائمة طويلة: شاعر، مسرحي، قاص، ناقد، مخرج، كاتب سيناريو… فهذه الكلمات، على صحتها، لا تقول لنا شيئاً عن سر التجربة. الأهم أن نراه كاتباً ظل يبحث عن الشكل الذي يستطيع أن يحمل قلقه، وكلما وجد شكلاً أحسّ بأن عليه أن يتجاوزه. القصيدة لم تكن نهاية الطريق، والمسرح لم يكن بديلاً عنها، والقصة لم تكن خروجاً من الشعر؛ كانت كلها طرقاً مختلفة إلى السؤال نفسه.
وربما لهذا بقيت القصيدة أضيق من أن تحتوي محمد محيي الدين كله. ليس لأنها ناقصة، وإنما لأن الشاعر كان أكبر من أن يرضى بحدودها وحدها. كان يريد للكلمة أن تمشي، وللصورة أن تتحرك، وللصوت أن يجد جسداً، وللمشهد أن يخرج إلى الشارع، وللمدينة أن تدخل النص لا بوصفها مكاناً، وإنما بوصفها ذاكرةً حية. ومن هنا يصبح «القلق» الذي تحدث عنه ليس قلق شاعر يخشى الصمت، وإنما قلق مبدع يعرف أن أخطر ما يمكن أن يحدث للموهبة هو أن تجد شكلها النهائي.
محمد محيي الدين لم يبحث عن شكل نهائي.
وربما لهذا، بعد كل ما كتب، وكل ما ترك، وكل الأبواب التي دخل منها وخرج، تظل الجملة الأقرب إلى تجربته كلها هي تلك التي لم تُكتب في تعريفه:كان شاعراً، لكنه لم تسعه القصيدة.



