
كلام أقوله بكل حزن وأسف:
بما أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصنوعة على أعين الفاشية الكيزانية تتعامل مع الشعب السوداني غير المنتمي لهذه الجماعة كعدو مستباح، ومستهدف بالتخريب المنهجي عبر اختراق كل مؤسساته لنسفها من الداخل، على عكس ما تفعل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المحترمة في الدول الديمقراطية إذ تستخدم الاختراق الخبيث والمدمر مع أعداء الدولة الخارجيين، وتسهر على حراسة كل الدولة وكل الشعب، ومصلحة الدولة والشعب يتم تعريفها وتشخيصها بصورة موضوعية وبمؤسسات وطنية حقيقية غير منحازة لحزب أو عصابة محدودة.
أما لدى الكيزان فالصورة مقلوبة تماماً! إذ إن هذه العصابة لا تؤمن بالوطن بل تؤمن بالجماعة، فيصبح الوطن اسماً حركياً للتنظيم السياسي للجماعة الكيزانية بمختلف مسمياته (جبهة إسلامية، مؤتمر الوطني، مؤتمر شعبي، حركة إسلامية إلخ)، وتصبح الوطنية اسماً حركياً للانحياز الكيزاني! وعليه فإن طاقة التخريب والتدمير القصوى يتم توجيهها إلى الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والإدارات الأهلية والطرق الصوفية، باعتبارها “العدو الأجنبي للوطن” فكل من كان خارج الانتماء للجماعة الكيزانية لا يختلف عن العدو الأجنبي! فيتم تدمير مؤسساته إما باختراق هدفه التشويه والتخريب وشل القدرات، وإما باختراق هدفه الابتلاع الكامل للمؤسسة المعنية وتوظيفها كلياً لخدمة أجندة هذه العصابة.
والدمار الشامل المادي والمعنوي الذي نشهده في بلدنا الغني بالموارد هو الدليل الشاخص على أن هناك طاقات جبارة موظفة لتدمير الوطن أكثر بكثير من الطاقات الموظفة لتعميره.
الأجهزة الأمنية والاستخباراتية حتى في الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية لديها خطوط حمراء في القضايا الاستراتيجية كالوحدة الوطنية مثلاً، أما في بلادنا المنكوبة نجد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تهندس الفتن القبلية! والانقسامات الجهوية! وتصنع التنظيمات الانفصالية وتمكنها سياسياً وإعلامياً كما حدث في تجربة “منبر السلام العادل” الذي نشط في الترويج لفصل الجنوب على أسس دينية وعنصرية، هذا المنبر كانت صحيفته الانتباهة توزع كما المقرر الدراسي على منسوبي الأجهزة الأمنية والعسكرية، فضلاً عن أن مؤسسي المنبر بالإضافة للكيزان ضباط جيش وضباط أمن!!
وما أشباه الليلة بالبارحة! إذ إن ما يسمى “منظمة النهر والبحر” التي تؤسس نظرياً لفصل دارفور هي أيضاً تصنيع أمني في سياق الخطة باء للحركة الكيزانية التي لو لم تنجح في إخضاع السودان كاملاً بالحسم العسكري ستفصل دارفور أسوة بالجنوب!!
هذه الحقائق المرة تستوجب أن يكون الفحص الدقيق للأشخاص بهدف مكافحة الاختراق الأمني والاستخباراتي جزءاً أساسياً من عملية تكوين الأحزاب والتحالفات والمبادرات السياسية ومنظمات المجتمع المدني لضمان عدم تفككها أو انحرافها أو شل فاعليتها. ومكافحة الاختراقات الأمنية والاستخباراتية تحتاج لمعرفة احترافية في تتبع شبكات العلاقات المعقدة في المجتمع، وحضور منظم على المستوى القاعدي وقاعدة معلومات كبيرة. كما يحتاج إلى يقظة سياسية في فرز الخطابات والمواقف.
إن العمل السياسي في بلاد حكمتها الفاشية لعقود ليس نزهة سهلة، فطوبى للقابضين على الجمر!
وطوبى لمن يبذل وسعه في سبيل “وطن المستقبل” الذي تكون أجهزته الأمنية والعسكرية موظفة لحماية كل شعبه، وحراسة كل أرضه، أجهزة أمنية ترصد وتواجه المخاطر الحقيقية التي تهدد المصالح العضوية لعامة الشعب ولكيان الدولة، بدلاً من أن تحصر نفسها في حراسة مصالح عصابات الفساد والهوس الأيديولوجي، فتكون هذه الأجهزة أسداً على الشعب ونعامة خرقاء أمام أي اعتداء أجنبي أو حتى احتلال لأراضٍ سودانية!
رغم كل الصياح بالسيادة والعزة والكرامة فإن السودان في عهد البشير كان دولة مهزأة ومنتهكة السيادة!
وفي عهد البرهان أيضاً السودان دولة مهزأة ومنتهكة السيادة!
ولا عجب! فأي دولة ينحصر عمل أجهزتها الأمنية والعسكرية في تخريب نسيجها الاجتماعي وإضعاف مؤسساتها السياسية وتسييس خدمتها المدنية والعسكرية، وتوظيف إعلامها في التضليل والتجهيل، وكل ذلك لصالح نظام فاسد هو اللغفيبة المحمية بالسلاح والمغلفة بالنفاق الديني، يستحيل أن تنتصر في أي معركة سيادة أو تنمية، أو حتى في الحد الأدنى من النجاح المتوفر في أي دولة سواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية، فالدولة السودانية رغم تطاول الحكم العسكري لها الذي استمر لستين عاماً، هي الآن فاشلة حتى في احتكار العنف (يعني فاشلة في العسكرية نفسها) وفي توفير الحد الأدنى من الخدمات، فأصبحت الحياة العادية جداً والفقيرة جداً حلماً بعيد المنال لملايين السودانيين!
السؤال لمن يرددون إما بغير وعي وإما بمكر وخبث سياسي أن طوق النجاة والأمان للشعب السوداني هو الحكم العسكري، لماذا لم يجد الشعب السوداني الأمان من دخول الرصاص الطائش والدانات إلى عقر داره في الخرطوم وأم درمان تتويجاً لحالة عدم الأمان المستدامة التي عانت منها لعقود أقاليم جنوب السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور؟ الأمان في حده الأدنى وهو أن لا تقتل وأنت بريء فكم عدد الأبرياء الذين قتلوا في سنوات حكم العسكر الستين!




التعميم الشامل وشيطنة المؤسسات: يعتمد المقال على تعميمات واسعة تطال الأجهزة الأمنية والعسكرية برمتها، ومحاولة تصويرها ككيانات معادية للمجتمع، متجاهلاً دورها التاريخي والوطني في حماية البلاد، فضلًا عن الخلط بين الممارسات السياسية لفترات محددة وبين العقيدة المهنية للمؤسسات.
إسقاط النماذج الخارجية بشكل غير دقيق: يقارن الكاتب بسذاجة بين أجهزة الأمن في الدول الديمقراطية وتلك في الدول النامية، متغافلاً عن أن طبيعة التحديات الأمنية والتهديدات الداخلية والخارجية التي تواجهها الدول تختلف جذرياً، مما يجعل المقارنة غير موضوعية وتفتقر للتحليل العميقة.
التوظيف السياسي لمصطلحات الصراع: يستخدم المقال لغة حماسية وألقاباً استقطابية (مثل “الكيزان” و”العصابة”) بغرض التعبئة الأيديولوجية وتجريم الخصوم سياسياً، بدلاً من تقديم تفكيك رصين للأزمات الهيكلية التي تعاني منها الدولة السودانية بموضوعية.
تجاهل التعقيدات الإقليمية والدولية: يُرجع الكاتب كافة أزمات السودان وانقساماته (مثل ملف الجنوب أو الحركات الجهوية) إلى صنيعة أمنية بحتة، متجاهلاً العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية المعقدة التي أسهمت في هذه التحولات.
القفز لنتائج مغلوطة حول الحكم العسكري: يربط المقال بين الأنظمة العسكرية وبين انهيار الدولة بشكل مطلق، متجاهلاً أن الإخفاقات السياسية والتنموية هي حصيلة تراكمات واسعة تشمل النخب المدنية والعسكرية على حد سواء، فضلاً عن التدخلات الخارجية التي تستغل حالة الضعف الراهنة.