الدكتور الوليد آدم موسي مادبو : لا سلام يصنعه الوسطاء فوق أنقاض الدولة6

حاورت صحيفة المدى نيوز الدكتور وليد آدم موسى مادبو، خبير الحكمانية ومستشار التنمية الدولية، حول مسارات التسوية السياسية في السودان، وتأثير التوترات في القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر وليبيا، والعلاقة السعودية الإماراتية، على فرص إنهاء الحرب أو اتساعها. وامتد الحوار إلى سؤال يتجاوز توقيع اتفاق جديد: كيف يمكن بناء تسوية تصمد أمام السلاح، وتعيد للدولة وظيفتها، وتحفظ للسودانيين حق تقرير مستقبلهم؟
فكانت الحصيلة ما يلي:
🟩 ظللت تقول ان التسوية السياسية هي المخرج الأكثر واقعية. هل يعني ذلك أن الحرب بلغت طريقاً مسدوداً؟
🔴 بلغت الحرب نقطة يستطيع فيها السلاح تغيير خطوط السيطرة، لكنه يعجز عن إنتاج دولة مستقرة. يمكن لقوة أن تتقدم في مدينة ثم تجد نفسها عاجزة عن تأمين الطرق إليها أو توفير الخدمات لسكانها. ويمكن لقوة أخرى أن تحتفظ بمساحات واسعة من الأرض من دون أن تحوّل سيطرتها إلى قبول سياسي. لذلك لا أقيس الانسداد بعدد المعارك، بل بالفجوة المتسعة بين القدرة على القتال والقدرة على الحكم. هذه الفجوة هي التي تجعل التسوية ضرورة، وتجعل استمرار الحرب تهديداً لبقاء الدولة نفسها.
🟩 إذا كانت الأطراف تدرك هذه الكلفة، فلماذا تواصل القتال؟
🔴 لأن كلفة الحرب لا تتوزع بالتساوي. يدفع المدنيون ثمنها المباشر، بينما يراهن أصحاب القوة على أن الجولة المقبلة ستحسن شروطهم. وتوجد شبكات تمويل وإمداد ومصالح محلية وإقليمية تستفيد من استمرار القتال. لهذا تفشل المناشدات الأخلاقية وحدها. ينبغي أن يصبح تعطيل السلام أكثر كلفة من الدخول فيه، وأن تُغلق منافذ التسليح والتمويل، وأن يرتبط أي مكسب سياسي بالالتزام الفعلي بحماية الناس وتنفيذ الاتفاق.
🟩 ألا تمنح عبارة «لا حسم عسكرياً» المتحاربين سبباً للاحتفاظ بما يسيطرون عليه؟
🔴 يحدث ذلك إذا تحولت التسوية إلى اعتراف دائم بخريطة الحرب. المطلوب عكسه تماماً: أن تكون خطوط السيطرة نقطة انطلاق لترتيبات وقف النار، لا حدوداً لمستقبل السودان. يجب أن يحدد الاتفاق كيف تُفتح الطرق، وتُدار الخدمات العامة، وتعود مؤسسات الدولة إلى العمل، وكيف تُمنع السلطات العسكرية المحلية من التحول إلى كيانات سياسية مغلقة. أخطر اتفاق هو الذي يوقف إطلاق النار ويترك الانقسام يتجذر كل يوم في حياة المواطنين.
🟩 إذن ما الفرق بين هدنة تحفظ الأرواح وتسوية تحفظ البلاد؟
🔴 الهدنة توقف فعلاً محدداً: إطلاق النار. أما التسوية فتجيب عن الأسئلة التي أشعلت الحرب أو سمحت باستمرارها: من يملك قرار استخدام القوة؟ كيف تُدار الموارد؟ من يحكم، وبأي تفويض؟ وكيف تُنصف المجتمعات التي تعرضت للقتل والتهجير؟ نحتاج إلى الهدنة فوراً لأنها تنقذ الأرواح، لكن قيمتها تتوقف على اتصالها بمسار سياسي ومؤسسي واضح. إذا انفصلت عنه، قد تصبح فترة لإعادة التسليح وانتظار المعركة التالية.
🟩 هناك جدة والرباعية والآلية الخماسية ومبادرات أخرى. هل يعاني السودان نقص الوساطة أم فائضها؟
🔴 يعاني غياب مركز ثقل موحد للوساطة. كل مسار يملك قيمة: جدة راكمت خبرة في الملف الإنساني، والرباعية تضم دولاً ذات نفوذ، والآلية الخماسية تصل العمل الإقليمي بالمظلة الدولية، وهناك جهود لإدخال القوى المدنية في النقاش. لكن تعدد المنابر من دون ترتيب للأدوار يسمح بالانتقال من منصة إلى أخرى كلما ضاقت شروط إحداها. المطلوب خارطة طريق واحدة، لا بالضرورة قاعة تفاوض واحدة؛ أهداف متفق عليها، وتسلسل معلن، وآلية مشتركة لمتابعة الالتزامات.
🟩 من يضمن ألا تتحول هذه الخارطة إلى صفقة بين العواصم والقيادات المسلحة؟
🔴 يضمن ذلك تصميم العملية منذ بدايتها، لا إضافة المدنيين في نهايتها. يجب أن تكون للقوى المدنية والمجتمعات المتضررة سلطة حقيقية في مناقشة الحكم الانتقالي، والعدالة، وإدارة الأقاليم، وإصلاح المؤسسات. مشاركة مدنيين اختيروا ليشهدوا التوقيع لا تمنح الاتفاق شرعية شعبية. والوسطاء الذين يريدون اتفاقاً يعيش طويلاً عليهم أن يصغوا إلى من سيعيشون بنتائجه، لا إلى من يستطيعون تعطيله بالسلاح وحدهم.
🟩 ما الذي يمكن أن تفعله السعودية والإمارات معاً، وما الذي تعجزان عنه؟
🔴 يمكنهما خفض أثر التنافس الإقليمي على الملف السوداني، ودعم موقف متقارب بشأن الهدنة والوصول الإنساني، والمساعدة في ضبط شبكات الإمداد التي تغذي الحرب. لكنهما لا تستطيعان كتابة عقد سياسي نيابة عن السودانيين. كما أن نجاح التنسيق بينهما لن يعالج تلقائياً اختلال مؤسسات الدولة أو المظالم التاريخية أو الانقسام بين المراكز العسكرية. المطلوب تنسيق إقليمي يسند قراراً سودانياً، ويمنع استخدام السودان ساحة لتصفية حسابات أخرى.
🟩 وماذا عن مصر؟ هل يدفعها أمن النيل والحدود نحو السلام أم نحو تثبيت حليف عسكري؟
🔴 كلا الدافعين وارد في الحسابات الاستراتيجية. السودان المستقر يخدم أمن مصر، لكن تعريف الاستقرار هو المسألة الحاسمة. إذا جرى اختزاله في بقاء شريك عسكري بعينه، فقد يتقدم أمن الحدود في الأجل القصير بينما تتأخر معالجة أسباب الحرب. أما إذا عُرّف الاستقرار بأنه قيام مؤسسات سودانية قابلة للاستمرار، فإن مصلحة القاهرة تصبح أقرب إلى تسوية شاملة. لهذا ينبغي أن تخاطب الوساطة مصالح الدول المجاورة بوضوح، وأن تربطها بوحدة السودان وسلامه.
🟩 تذكرون إثيوبيا وإريتريا وليبيا وتشاد والبحر الأحمر. هل يمكن جمع كل هذه الأزمات على طاولة واحدة؟
🔴 لا، وسيكون ذلك خطأ. السودان لا يحتمل انتظار حل أزمات المنطقة كلها قبل وقف الحرب. المقصود هو العمل على مسارين متوازيين: تفاوض سوداني يعالج وقف القتال ومستقبل الحكم، وتفاهمات إقليمية محددة لاحتواء ما يعبر الحدود من سلاح ومقاتلين وتوترات. لا نحتاج إلى مؤتمر ضخم يعد بحل كل شيء؛ نحتاج إلى إجراءات دقيقة تمنع كل بؤرة إقليمية من إفشال ما يتحقق داخل السودان.
🟩 هل يمكن أن يصبح البحر الأحمر دافعاً للسلام، أم سيجعل السودان ساحة تنافس جديدة؟
🔴 الاحتمالان قائمان. حاجة الدول إلى ساحل آمن وملاحة مستقرة قد تخلق مصلحة في إنهاء الحرب. لكنها قد تدفع أيضاً إلى دعم ترتيبات أمنية ضيقة تحمي الموانئ وتترك بقية البلاد غارقة في القتال. معيار السياسة النافعة للسودان هو ألا يُفصل أمن البحر الأحمر عن أمن المجتمعات السودانية. لا معنى لساحل مستقر على الورق فيما تظل طرق البلاد مقطوعة ومؤسساتها منهارة.
🟩 ما الذي تعلمناه من اتفاقات وقف إطلاق النار التي لم تصمد؟
🔴 أن النصوص القوية لا تنفذ نفسها. يجب تحديد مواقع القوات، وقنوات الإبلاغ، والجهة التي تتحقق من الانتهاكات، والمدة اللازمة للرد عليها، والعواقب عند التكرار. وينبغي أن يكون وصول الإغاثة بنداً قابلاً للقياس، لا وعداً عاماً. إذا قيل إن طريقاً سيفتح، فليُحدد الطريق وموعد فتحه ومن يراقبه. وإذا تعهدت جهة بوقف الهجمات على المدنيين، فلا بد من وسيلة مستقلة للتحقق من ذلك. الدقة هنا تحمي الأرواح.
🟩 هل تعرقل المساءلة الوصول إلى اتفاق مع أصحاب السلاح؟
🔴 ما يعرقل السلام المستدام هو مطالبة الضحايا بنسيان ما جرى لهم. يمكن التفاوض على ترتيب مراحل العدالة، لكن لا يجوز التفاوض على محو الحقوق. تبدأ الخطوات بحفظ الأدلة، وحماية الشهود، وتوثيق المفقودين، وفتح مسارات جبر الضرر، ثم تحديد المسؤوليات بإجراءات قانونية موثوقة. المجتمعات التي لا ترى مكاناً لحقوقها في الاتفاق لن تثق به، حتى لو احتفى به الوسطاء في يوم التوقيع.
🟩 تستدعون اتفاق الطائف اللبناني، مع أن السودان مختلف جذرياً. أين تكمن فائدة المقارنة؟
🔴 في فهم أن إنهاء الحرب لا يتحقق بحفل توقيع. احتاج الطائف إلى رعاية إقليمية ومتابعة طويلة وإعادة ترتيب للسلطة. لكن السودان لا يملك البنية السياسية اللبنانية نفسها، ولا ظروفها الدولية، ولا يجوز نقل آليات التجربة إليه كما هي. نأخذ منها ضرورة الضمانات وطول النفس في التنفيذ، ثم نبني نموذجاً سودانياً ينطلق من تنوع البلاد، وعلاقة المركز بالأقاليم، وإصلاح المؤسسات الأمنية والمدنية.
🟩 ما أخطر سيناريو إذا فشلت الوساطة خلال الفترة المقبلة؟
🔴 أن يصبح الانقسام اعتيادياً. يبدأ الأمر بسلطات متوازية ونظم مختلفة للخدمات والإيرادات، ثم تتغير مصالح الناس ومسارات تجارتهم وقدرتهم على التنقل، فتتحول خطوط الحرب إلى حدود في الواقع، حتى من دون إعلان تقسيم. أخشى كذلك أن تُستعمل الكارثة الإنسانية بوصفها خلفية مألوفة للنقاش السياسي. حين يعتاد العالم صور النزوح والجوع، تخسر الدبلوماسية أحد أقوى دوافع التحرك العاجل.
🟩 إذا اجتمع الوسطاء غداً، فما القرار الذي ينبغي أن يخرجوا به؟
🔴 أن يتوقفوا عن مطالبة السودانيين بالثقة في وعود غير قابلة للتحقق. عليهم إعلان مسار واحد يربط هدنة إنسانية مراقبة بوصول المساعدات، ثم ترتيبات أمنية واضحة، ثم عملية سياسية ذات مشاركة مدنية مؤثرة. وبالتوازي، عليهم معالجة قنوات تغذية الحرب من الخارج. لا تحتاج البلاد إلى إعلان جديد عن الرغبة في السلام؛ تحتاج إلى جدول، ومسؤوليات محددة، ورقابة، وعواقب معلومة على من ينقض التزامه.
🟩 وفي النهاية، من يملك صنع التسوية: من يملك السلاح أم من يملك التفويض الشعبي؟
🔴 يستطيع من يملك السلاح إيقاف إطلاقه، ولهذا لا يمكن تجاوز موقعه في الترتيبات الأمنية. لكنه لا يستطيع وحده تحديد شكل الدولة التي ستقوم بعد الحرب. الشرعية السياسية لا تنشأ من السيطرة الميدانية، ولا تُمنح في قاعة وساطة خارج البلاد. يصنعها السودانيون حين يستطيعون المشاركة بحرية في تقرير نظام حكمهم، وحين تصبح مؤسسات الدولة مسؤولة عن حمايتهم وخدمتهم. التسوية التي تنجح في إسكات البنادق وتفشل في إعادة هذا الحق إلى الناس ستؤجل الحرب، ولن تنهيها.



