برهانستان الحارث وشِسع النعل…

عزت خيري
في رده على ممثل دولة الإمارات العربية المتحدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ختم الحارث إدريس، مندوب قائد الجيش، مداخلته بقوله:
«وبالتالي عليكم أن تخسأوا وتبوؤوا بشسع نعل كليب».
وأن يزدحم قاموس الدبلوماسية بلغة النعال، فيما يزدحم السودان بالقبور وخيام النزوح، فذلك بعض ما بلغناه من هوان.
غير أن لهذه العبارة حكايةً من استرخاص الدم واحتقار الصلح، كان الأولى بمندوب بلد أنهكته الحرب أن يعتبر بها، قبل أن يرفعها في وجه العالم كأنها من مفاخر القول ومآثر الشجاعة.
تروي أخبار العرب أن حرب البسوس اشتعلت بين بكر وتغلب بعدما قتل جسّاس بن مُرّة كليب بن ربيعة، في خصومة ارتبطت باعتداء كليب على ناقة في جوار البسوس.
ثم حمل المهلهل، أخو كليب، راية الثأر، واتسع القتل حتى تجاوز أصحابه الأوائل، وصارت القبائل تدفع من أبنائها ثمن خصومة لم يعد أحد يملك إغلاق بابها.
وكان الحارث بن عباد من سادات بكر وأهل الرأي فيها. اعتزل الحرب، وكفّ عن الانخراط في ثاراتها، فلم يرَ في قرابته من أحد الفريقين موجباً لأن يزيد نارها حطباً.
ثم إن اعتزاله لم يمنعه من السعي إلى إصلاح ذات البين، حين رأى الدم يستدعي الدم، والناس يمضون إلى مهالكهم أفواجاً.
وممّا يُروى أنه أرسل بُجيراً، ابنه، إلى المهلهل يحمل رسالة صلح، يعرض فيها أن يقتله بكليب إن كان ذلك يطفئ نار الثأر، أو أن يطلقه ويصلح بين الحيين… فقد مضى من الناس في هذه الحرب من كان بقاؤه خيراً للجميع.
ذلك عرض تحمله إلينا رواية من زمن الثأر وأعرافه القاسية. والعبرة في موقف الأب أنه كان يرجو انقطاع القتل، حتى إنه احتمل أن يعود إليه خبر فقد ابنه، إن كان وراء هذا الفقد نجاة الآخرين.
لكن المهلهل قتل بُجيراً، وقال: «بُؤ بشسع نعل كليب».
أي إن دمه لا يعدل دم كليب… غاية ما يساويه رباط نعله!
ولما بلغ الحارث مقتل بُجير، وعلم أن صاحب الثأر استصغر قربانه، ولم يرَ فيه ما يستحق أن يضع به السلاح، قال:
«يا بُجَيرَ الخَيراتِ لا صُلحَ حَتّى
نَملَأَ البيدَ مِن رُؤوسِ الرِجالِ».
وهكذا اجتمع القتل والإهانة، فدفعا إلى الحرب رجلاً اعتزلها وسعى في إطفائها. صار للثأر ثأر، وللقتيل قتلى، ولكل بيت حجته في أن تستمر المقتلة.
وحتى الحارث بن عباد، الذي أراد حفظ الدماء، استدرجه وجعه إلى الدائرة التي حذّر منها.
وتلك بعض فواجع الفتنة؛ تضيق فيها مسالك الحلم، ويُدفع أهل الإصلاح إلى ما كانوا ينكرون، ثم يأكل الحريق من أشعله ومن حاول إطفاءه.
تختلف الروايات في تفاصيل تلك الحرب وخاتمتها، لكن اسم البسوس بقي شاهداً على ما تصنعه المكابرة حين تستولي على عقول القادة.
حفظت الذاكرة أسماء القادة، وأنساب القتلى، وقصائد الندم. أما الذين كانت لهم بيوت وأطفال ينتظرون عودتهم، فقد ابتلع الوجع حكايتهم.
ومن بين ما في لغة العرب من حكمة، وما في تاريخها من عبر، اختار مندوب البرهان عبارة ارتبطت بقتل حامل رسالة صلح، والاستخفاف بدمه، وإطالة حرب أكلت أهلها.
فما الذي أراد حارث البرهان أن يستحضره من هذا كله؟ قوة العبارة؟ أم زهو صاحبها وهو يستهين بدم رجل جاءه في رجاء الصلح؟
قد يقول قائل إنه أراد إهانة خصمه، ولم يقصد استدعاء الحكاية كلها. لكن من يتحدث باسم بلد غارق في الحرب مسؤول عن اختيار كلماته.
وهذه العبارة تحمل معها قتيلها، ورسالتها المهدرة، والحرب التي اتسعت بعدها. يصعب أن تأخذ منها صليل الفخر الزائف، وتترك أنين الناس الباقي في أعقابها.
وفي حديثه، تناول الحارث نظام الحكم في الإمارات، داعياً إلى تطويره ليكون أكثر تمثيلاً لشعبها، ومنتقداً طابعه الأسري، وهو نمط الحكم السائد في دول الخليج…
يا سلام!
كان الأولى بالحارث أن يبدأ النصيحة بمن أرسله. وأن يسأل: أين نصيب السودانيين من اختيار حكامهم؟ وأين حكومتهم المدنية التي خرجوا من أجلها؟ وكيف وصل حالهم تحت نظام «برهانستان» إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم؟
وفي الوقت الذي تتوالى فيه خطابات الأمم المتحدة مطالبةً بمساعدة السودانيين ومدّهم بالطعام والدواء، كيف وجد مندوب البرهان متسعاً من الوقت لترتيب مستقبل الحكم عند الجيران؟
من حق السودانيين مساءلة كل الدول التي تتدخل في حربهم، والمطالبة بوقف ما يؤذيهم ومحاسبة المسؤولين عنه. ولهذه المهمة حجج وأدلة وعمل دبلوماسي جاد، وعمل داخلي لبناء الإرادة الوطنية وتحقيق السلام بين السودانيين.
أما استعارة لغة الثأر، وتوزيع الإهانات داخلياً وخارجياً، والانشغال بتغيير أنظمة المنطقة، فقد جرّب الإخوانُ المسلمون هذا الطريق من قبل، وكان لحصائد ألسنتهم وأفعالهم نصيب وافر فيما كبّ البلاد على وجهها.
وفي خطاب الحارث والبرهان رائحة نعرفها؛ رائحة المشروع القديم الذي صرف ذهنه عما يصلح السودان، واتسعت أوهامه لتغيير المنطقة.
يشنّف آذان السودانيين بالشتائم لقادة المنطقة نهاراً، ثم يمضي يلتمس ودّ من شتمهم حين يحتاج إلى العون. وكلما سخن المنبر وضجّت بطانته بالتهليل، عاودته أوهام الوصاية على الجيران.
وتعيد هذه اللغة إلى الذاكرة خطورة الطريق الذي نعرف عاقبته. فقد كسر شعبنا بثورته الباسلة حكم الإخوان المسلمين، ودفع ثمناً فادحاً للخروج من عزلته وحروبه.
أفبعد ذلك كله نعود إلى تسويق النسخة الجديدة من «برهانستان»؟ ونستأنف الأحلام التي أرادت للخرطوم أن تكون «كابل أفريقيا»، كأن الناس لم يذوقوا من مرارتها ما يكفي؟
كان الأولى بالبرهان وحارثه أن ينظرا في حرثهما؛ في أرض تُركت للحريق، وزرع تعذّر حصاده، وناس تفرقوا يبحثون عن لقمة وأمان.
وأن يجدّا في إصلاح ما تحت أقدامهما، عسى أن تنبت هذه الأرض لأهلها ما يطعمهم ويسترهم، قبل الانشغال بعروش الآخرين، وتقديم النصائح في كيفية الحكم الرشيد لدول الخليج!
وفي دول الخليج يعيش سودانيون كثيرون، وجدوا فيها عملاً ومستقراً، ووجد من لجأ إليهم في هذه المحنة باباً للأمان والعون. وأهل السودان أعرف بقيمة البيت الذي يُفتح في الشدة، واليد التي تمتد حين تضيق السبل.
ندعو الله أن يديم على شعوب تلك البلاد أمنها واستقرارها، ونشكر كل من آوى سودانياً أو أعانه أو يسّر له إقامة وحياة كريمة.
ونرجو ألا يؤخذ أهلنا بقول هؤلاء، فلشعبنا ألسن تعوّدت طيب القول، وقلوب تحفظ الجميل، ولا تنسى من وقف معها يوم الشدة. وهذا الوفاء يليق بنا، كما يليق بنا أن نصون حقوق بلدنا وكرامة أهلنا بالحكمة وحسن التدبير.
لقد أرهقتنا أوهام تغيير الأنظمة، وأعيت شعبنا سياسات المصادمة. وما عاد في جسد البلاد متسع لتجربة قديمة تُبعث في ثوب جديد.
نرجو أن يجد الجيش بين صفوفه من يستعدل المايل، ويصغي إلى وجع الناس، ويملك شجاعة تغيير القيادة والمسار قبل أن يستحكم الخراب.
وحتى ذلك الحين، نأخذ من شعر الحارث بن عباد ما هو أولى بالتذكّر، وأجدر بأن يُقال على مسامع من أغرتهم المنابر:
«كُلُّ شَيءٍ مَصيرُهُ لِلزَوالِ
غَيرَ رَبّي وَصالِحِ الأَعمالِ».
عزت خيري
29 سبتمبر 2026



