مؤتمر الموانئ الدولي.. المضامين والرؤى..

مراسي حرة
إبراهيم عمر
■ انقضى بريق مؤتمر هيئة الموانيء البحرية الذي عاشت فصوله طوال يومين ارجاء فندق مارينا المطل على البحر الأحمر بمدينة بورتسودان يومي ٢٧ و ٢٨ من سبتمبر ٢٠٢٦م ، ونتمنى بكل صدق أن يبقى الأثر شكلا ومضمونا.
■ بداية يجب أن نثمن سخاء هيئة الموانئ البحرية كما عودتنا في توفير ميزانية هذه الفعالية دون ان تحتاج إلى عون من جهات أخرى، وهذا ما عبر عنه رئيس اللجنة العليا للمؤتمر (الضابط الإداري السابق) ونائب المدير العام لهيئة الموانئ البحرية الحالي حسن جعفر .
■ كما أن الرجل ذاته قطع قول كل خطيب ، وأغلق باب المزايدات في أكثر قضية حساسة كلما ذكرت الموانئ اطلت برأسها وهي – خصخصة الموانئ – حينما أعلن أمام عدسات الإعلام أن لا مجال لهذا الأمر، إلا أنه كشف عن شراكة مع جمهورية الصين الشعبية لتنفيذ ميناء ابو عمامة التي أثارت في وقت سابق كثير من اللغط.
■ حقيقة المؤتمر يمكن أن نقول عنه انه صادف النجاح وفقا لمعايير النجاح في مؤسساتنا العامة وهيئة الموانئ البحرية ليست استثناءا ، من حيث الحشد والمكان والخدمة والحضور الرسمي وحتى البث الإعلامي، أما على صعيد النتائج والتوصيات فكانت بحجم الترتيب للمؤتمر حيث اتسمت بالعمومية وهي تنشد التحديث والتطور ولكنها لم تخرج بمفاجاة تجعل من المؤتمر علامة فارقة لمستقبل هيئة الموانيء البحرية.
■ واضح جدا في تقديري من هذه السردية لمجريات المؤتمر التي قرأناها وتابعنا تفاصيلها أن قيام المؤتمر كان سريعا فكرة واعدادا وأن القائمين على الأمر اهتموا بالشكل أكثر من الرؤى والمضمون لهذا سقطوا سهوا في جملة من الأخطاء التى في ظاهرها بسيطة ولكن في جوهرها عميقة كانت كافية لعدم احساس أهل الميناء ومجتمعها بهذا المؤتمر دعك من الآخرين- انه لأمر مؤسف – غياب مجتمع الميناء بهذا الشكل الواضح أحزننا، وجعلنا في ريبة من أمر المؤتمر جملة وتفصيلة، كيف حدث هذا ؟ هل هو مقصود؟ أم انه نتيجة لجهل القائمين بمهام اللجنة العليا بالميناء ومجتمعها؟
■ لكي لا نتهم بأننا نلغى الاتهامات جزافا تواصلنا مع عدد من قيادات سابقة بهيئة الموانيء البحرية من أبناء هذه المدينة ، كما تواصلنا مع أعضاء في مجلس ادارتها السابق وسالناهم بشكل مباشر هل سمعتم بهذا المؤتمر ؟ وهل تم دعوتكم في أقل تقدير لحضور الجلسة الافتتاحية كانت الإجابة مؤسفة، لم يذكرهم أحد !!
■ ثم لم نتوقف عند هذا الأمر وتواصلنا مرة اخري مع نقابات عمالية لها اسهامها ودورها التاريخي والمستقبلي في هذا الميناء فكان الغياب أيضا سبيلها!!
■ عادة المؤتمرات لن تنعقد بطريقة طربة معلم كما حدث في مؤتمر الموانئ ، وإنما يتم الإعلان أولا عن اللجنة العليا والتي تباشر عملها الفني بتكوين لجان المؤتمر وكل لجنة تتواصل مع أصحاب الخبرات من أبناء الميناء خاصة في لجنة اعداد الأوراق العلمية التي تحتاج إلى خبرات حقيقة واستشارات عديدة ..لكن ما حدث هو اشبه بالتظاهره الاستعراضية لامكانيان الميناء المادية..
■ صرنا نخشى أكثر من قبل على الميناء ليس من الخصخصة وإنما من غياب الرؤية نتيجة لضعف في القدرات، مما يفتح الباب للمتربصين لابتلاعها بدواعي حمايتها كواحدة من المكتسبات القومية !!!


ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الدولي الأول للموانئ السودانية ICSP 2026 عن طريق مكتب المدير العام يوم 24/9 اي قبل بدايه المؤتمر.
محور المشاركة. دور الموانئ السودانية في تعزيز الاستثمار والاقتصاد الوطني
عنوان الورقة. من الاختناق إلى الانطلاق – مقترح مشروع الحظائر الجمركية الجافة (ICD) بمنطقة داما داما كنموذج عملي لتطوير الموانئ وجذب الاستثمار.
إعداد الأستاذ / طارق محمد علي إبراهيم
مستشار ملاحي وخبير عمليات ملاحية – 42 عاماً خبرة ميدانية بميناء بورتسودان.
للتواصل: 0912332517 – بورتسودان.
المقدمة.
بورتسودان اليوم ليست مجرد ميناء بل هي رئة السودان الاقتصادية والمنفذ الوحيد. بعد التحديات الكبيرة التي واجهت سلاسل الإمداد وبعد عودة ثقة الخطوط الملاحية العالمية والتي كان آخرها تشغيل خط شرف بطاقة 1500 حاوية أصبح تطوير المنظومة اللوجستية حول الميناء ضرورة وطنية ملحة وليس خيارا.
أولا: تشخيص واقعي من أرض الميناء الجنوبي
من خلال عملي ومتابعتي اليومية في عمليات تفريغ البواخر واستنادا إلى تقارير الأداء السنوية يمكن تلخيص جوهر المشكلة في ثلاث نقاط:
1. الميناء الجنوبي يعمل بأكثر من طاقته التخزينية. وحاليا وللظروف الاستثنائية والوضع العام لمنطقة البحر الأحمر وربما كان ذلك سببا في عدم ظهور المشكل بشكل جلي ولا أظن أن هنالك حاجة للإسهاب في الأمر.
2. 60%تقريبا من زمن بقاء الحاوية داخل أسوار الميناء هو زمن إجراءات وتخليص وليس زمن مناولة فعلية.
3. عدم وجود حظائر جافة (ICD) منظمة ومعتمدة خارج الميناء يجعل مئات الشاحنات تتكدس داخل الميناء مما يخنق الإنتاجية ويرفع تكلفة الاستيراد على المواطن.
ثانيا: الحل المقترح.
نقترح إنشاء منطقة حظائر جمركية جافة متكاملة خارج الميناء تعمل بنظام.
– تفريغ مباشر من الباخرة إلى شاحنات مكوكية تنقل الحاويات فورا إلى الـ ICD.
– إجراء كافة عمليات التخليص الجمركي داخل الـ ICD بنظام ASYCUDA ووجود طاقم جمارك مقيم.
– التسليم النهائي للبضائع للتجار والمستوردين من الـ ICD وليس من داخل الميناء المزدحم.
ثالثا: الأثر الاقتصادي والاستثماري المتوقع.
– تقليل زمن بقاء الحاوية في المنظومة المينائية من 21 يوم إلى 4-5 أيام فقط.
– توفير أكثر من 400 دولار تكلفة أرضيات وتأخير وغرامات لكل حاوية أي ما يعادل أكثر من 100 مليون دولار سنويا توفير مباشر للاقتصاد الوطني.
– تحويل بورتسودان إلى مركز ترانزيت إقليمي حقيقي يخدم أسواق تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا (سوق يزيد عن 120 مليون نسمة).
– تشجيع الخطوط الملاحية العالمية على زيادة عدد البواخر والرحلات لضمان سرعة دوران الحاويات الفارغة.
رابعا: التوصيات العملية ونموذج الشراكة المقترح.
1. إصدار قرار فوري باعتماد الحظائر الجافة كامتداد قانوني وجمركي للميناء البحري (ولا نغفل أن الأمر ربما يحتاج تدخل وزاره النقل والمالية والسلطات المختصه في الامر لوضعه موضع التنفيذ بعد دراسته من قبل اللجان الفنيه).
2. توحيد التسعيرة للمستورد في حزمة واحدة شفافة (مناولة و نقل إلى ICD وتخزين).
3. نموذج الشراكة – نظام الامتياز طويل الأجل (Concession Agreement).
نظرا لأن مشاريع الـ ICD هي مشاريع بنية تحتية لوجستية تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة (أعمال ردم وتسوية بمواصفات عالميةو أرضيات خرسانية مسلحة لتحمل الرافعات الشوكية الثقيلةو شبكات إنارة وحريق ومراقبةو معدات مناولة وأنظمة ربط إلكتروني مع الجمارك والموانئ) فإن نظام الإيجار قصير الأجل لا يوفر الأمان الاستثماري المطلوب لضخ هذه الاستثمارات.
لذلك نقترح أن يكون المشروع بنظام الامتياز التعاقدي.
أ. تمنح هيئة الموانئ البحرية حق امتياز إنشاء وتشغيل وإدارة منطقة حظائر جافة بمنطقة داما داما لمستثمر وطني مؤهل.
ب. تكون مدة الامتياز (25 إلى 30 سنة) قابلة للتجديد لضمان استرداد رأس المال وتحقيق عائد مجز وهذا هو الشرط اللازم لنجاح المشروع وضمان استمراريته.
ج. تلتزم هيئة الموانئ بتوفير الأرض كحصة عينية وتحتفظ بكامل حقوق السيادة والإشراف والرقابة.
د. يلتزم صاحب الامتياز بكامل التمويل والتجهيز والتشغيل والصيانة دون أي عبء مالي على الهيئة مع دفع نسبة عائد سنوي مجزية للهيئة يتم الاتفاق عليها (Revenue Sharing).
إن الأمان وضمان الاستمرارية لمدة 25/30 سنة هو الأساس المتبع عالمياً في مومباسا وجيبوتي وجبل علي وهو الضامن الوحيد لنجاح المشروع.
4. التخطيط المستقبلي لربط الـ ICD بشبكة السكة حديد.
الخلاصة.
العالم اليوم لا يبني موانئ جديدة كل يوم بل يبني منظومات ذكية وفعالة حول الموانئ القائمة. مشروع ICD داما داما بنظام الامتياز لا يكلف خزينة هيئة الموانئ أي مبالغ بل يدر عليها عائدا ثابتا لـ 30 عاما ويمكنه أن يحل 60% من اختناق الميناء الجنوبي خلال 60 يوما فقط من بداية المرحلة الأولى. وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي ننشده.
مع خالص الشكر والتقدير،
طارق محمد علي إبراهيم