الخرطوم.. أمل العودة وغصة الذكريات (الجزء الثاني)

إسماعيل الباهي
نافدة
في صبيحة الرابع من أبريل 2025، ومع أول زيارة عمل إلى العاصمة بعد سيطرة الجيش على منطقة الرياض أواخر مارس، كان الوصول إلى قلب المدينة بالغ الخطورة. ولا يمكن عبوره إلا بتصريح مرور أمني يضمن السلامة.
حتمت علينا جغرافيا الحرب خط سير محددا لدخول الخرطوم من نواحي بحري. حين مضينا قبالة شارع البلدية وتقاطع الزوادة، لم يكن ينبض بالمنطقة سوى حطام المركبات، وأغصان الأشجار المعمرة التي تعاند الدمار، وأنفاس النيل التي تبدلت برائحة البارود.
أدى إغلاق جسر النيل الأزرق إلى تغيير المسار المعتاد؛ فاتجهنا شرقاً بمحطة السكة حديد، لنشاهد موقف شندي القديم، وسلاح الإشارة، وأبراج الشرطة، وسجن كوبر، وكأننا نسير بمحاذاة جدارية متهدمة تمتد حتى الجسر.
عبرنا منفذاً صغيراً بالمسار الشرقي لجسر القوات المسلحة (كوبر) لندخل الخرطوم. كانت لحظة عبور النيل الأزرق وصفائه كفيلة بإطفاء وميض قليل من حريق المدينة على ضفتيه.

كان التوجه مباشرة إلى منطقة الرياض يستوجب المرور بالقيادة العامة لأخذ التصريح؛ فتوقفنا في الانتظار جنوب مستشفى جامعة الخرطوم (الكلنك) قرب نفق السكة حديد الذي يأوي بجانبه الشرقي عددا من القبور.
تحول المكان
لا سبيل للإقامة في بيئة الرياض وحراسة منزل بمربع 17 دون إبلاغ أقرب نقطة ارتكاز فتعجب، الضابط المسؤول من عودتنا في ظل منطقة ملغومة مليئة بمخلفات الحرب.
بعد محاولات لإقناعه بهويتنا ومنحه التصديق الممهور؛ لم يملك إلا أن يبادلنا ابتسامته وترحيبه قائلا:” مصائب قوم عند قوم فوائد”.
خرجنا بتحذيرات مشددة مفادها: التزام المكان المحدد، وعدم التحرك بعد مغيب الشمس، وخفض الأضواء والأصوات؛ لأن المجازفة بذلك قد تودي بالحياة.
أمضيت ورفيقي الطيب محمد، أحلك الليالي في مدينة الرياض. كان المبيت فيها في ظلام دامس، تمتزج فيه وحشة المباني العالية مع حرارة الجو الخانقة، وأسراب البعوض التي لا تتركنا ليلا ولا نهارا.
في تلك الليلة، غابت الحركة المعتادة وحل محلها جحيم الحرب. لم نسمع سوى قعقعة السلاح وتلقيم أجزائه، وأصوات “التفحيط” الجنوني للعربات العسكرية والدراجات النارية. كانت أصوات المكابح تعلو، تليها صرخات الجنود عند نقاط التفتيش (الارتكازات) لتأدية مهام التأكد من هويات المارين.

أما بيوت الرياض بمساحاتها الواسعة وأشجارها الكثيفة، فقد تحولت إلى مواقع للخدمة العسكرية. لم تعد الأشجار للزينة؛ فكل شجرة أمام بوابة منزل تحولت إلى مأوى للمتضررين، حيث تتراكم تحتها الأسرة، والمفارش، والأواني المنزلية، والأدوات الكهربائية، وقطع الغيار.
لم تتوقع إحدى السيدات يوما مفارقة مكتب عملها ومنزل عائلتها بالرياض. وبعد رحلة لجوء امتدت لأكثر من عامين، ها هي من على البعد تتابع تضميد جراحها، ونفض غبار منزلها وتهيئته أملا في العودة.
لا شيء يعني لها الآن سوى لملمة ما تبقى من أرشيف وذكريات. لم تفلح محاولات الحفاظ عليها في شقتها الواقعة أعلى المنزل، والتي طالته يد النهب. وصلت الفوضى إلى غرفتها الخاصة، وأفرغت أدراجها رأسا على عقب.
يقف كتاب “أمتي” شاهدا على هذا العبث بالملفات، ونهش الأوراق والكتب وخلطها بالمقتنيات. يئن الكتاب من بين الركام، وكأنما تئن معه صرخة حاشيته التي تحكي عن الخرطوم الأولى. تلك العاصمة ذات الألوان، والعربات، والأضواء، والعمارات، والطول التياه..
أو الخرطوم الثانية، التي بلغ وعيها فسطرت: من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر؟ تلكم العاصمة التي يجسد صورتها، الشاعر الدبلوماسي الراحل، محمد المكي إبراهيم، في ديوانه الشهير (أمتي: الوعي، الحلم، الغضب).
بيد أننا نشاهد “خرطوما ثالثة” هنا في الرياض؛ هجرها ساكنوها، وانطفأت مصابيحها، وتيبست حدائقها، وجف نخلها الملكي.
بكاء الفن
بتجوالي بمربع 21 الفسيح يقودني المرور بشجيرة (لبخ) تحتضن ظلالها مقتنيات المواطنين من صور، وأشرطة، وحقائب بالية مزقتها الشمس والأتربة والأمطار.
تتوسط النفايات لوحة تكريمية للفنان، حسين شندي، الذي أهدى محبيه “يا جميل يا منتهى الإلفه.. ياذوق خالي من كلفه” بينما اللوحة ساقطة تترجم حال أغنيته “ادونا عين واصلو الزمن طالبنا دين.. بقى حالنا للخلا والشدر.. والشوفة في السنة ماندر”.

ليس شندي وحده، فالمشاهد تنقلنا إلى جوار منزل سفير الأغنية السودانية، الفنان الراحل سيد خليفة، الذي تغنى للخرطوم، والحب والجمال في رائعته: “ياوطني يا بلد أحبابى فى وجودى أحبك وغيابي، يا الخرطوم يا العندى جمالك، جنة رضوان، طول عمري ماشفت مثالك في أي مكان”.
يقع منزل سيد خليفة، بشارع 117، حيث تتريس الطريق أمام بيته بالسيارات المنهوبة، كما تنهمر شلالات المنافذ الزجاجية المحطمة بواجهة المحلات التجارية بالمنزل.
إلقاء نظرة من الخارج تبعث بالحيرة عن دواعي النهب لبيت عنوانه الفن، حيث الوقوف على بابه المشرعة وصمت المكان الذي يخيم ويأبى أن يتركنا صامتين فيطرق أسماعنا ويستقبلنا بصدى التحية التي يشدو بها:
“إزيكم كيفنكم..
أنا لي زمان ماشفتكم..
مشتاق كتير.. لي حيكم..
حرام ردوا علي..
أنا ما غريب..
أنا منكم”.

نودع منزل خليفة ومشاهد الخراب تعبر عنها أغنيته: “ثم ضاع الأمس منا وانطوى في القلب حسرة”، ولكن كيف الوداع لطالما يصعب عليه حينما يغني أمام جمهوره فيمازحهم:
“أودعكم..
أفارقكم..
لا لا مابقدر..
أودع كيف..
أفارق كيف..”
بالقرب من شارع المشتل تتكرر ذات المأساة في أحدى المنازل العريقة، وخلف حديقة داخلية احترقت جذورها، ترتص أصص ذابلة الأزهار. بجانبها تفرد نباتات السايكس أوراقها بشكل متيبس يعلوها أغصان الأشوكا التي تأبى الانكسار إلا أن تجف واقفة.
بهذا المدخل يفتح الهول أبوابه الخشبية الفاخرة التي تتربع عليها ألواح زجاجية مهشمة، بداخله غرف لازالت تحتفظ بروائح الأوراق والحقائب، مثلما تكتظ بالمستندات، والوثائق وأرشيف الجرائد؛ حيث لم يترك دولاب أو حقيبة إلا وأفرغت محتوياتها أرضا.
اما الغرف العلوية، فيحكي عن حالها سلم البيت الذي وظفت عتباته ليتحول من مجرد درج للصعود والنزول، إلى منفذ ومكب تدحرجت على إثره المقتنيات، والكتب، والملفات، واللوحات.

ألبوم مفقود
تقول الروائية العالمية، أحلام مستغانمي: “الذكريات لا تقيم، فينا بل هي تغلّف حياتنا. إنّها كلّ ما حولنا من أشياء نحيط أنفسنا بها، ما نلمسه، ما نلبسه، ما نحتفظ به، ما لا ينفع لشيء ونرفض أن نلقي به. إنّها فخّنا”.
في بيوت الخرطوم القديمة، كانت ألبومات الصور كنزا ثمينا. إنها تحفظ ملامح سودانية نادرة، وإرثا لا يتكرر. توثق هذه الصور للعائلات، والأطفال، والأصدقاء في المناسبات، والأعراس، والرحلات. إنها ببساطة توثق لمختلف محطات الحياة.
هنا في الرياض، الواقع قد يكون قاسيا حينما نشاهد ألبومات صور تحولت لأوراق تالفة. سحقتها أشعة الشمس الحارقة، وأذابت ألوانها مياه الأمطار. أصبحت الصور تلتصق ببعضها البعض، حتى صارت جزءا من يباس الشجر المهمل في البيوت.
عودة الرياض
تبدأ عودة الحياة إلى حي الرياض من مسجد الراشدين. هناك، ينشط شيخان توأمان؛ عبدالكريم وحمد النيل. عاشا في المسجد طوال سنوات الحرب. تحمل جسداهما أوزار الصراع، لكنهما استمرا في نشر المحبة. ظل المسجد محافظا على نظافته وأشجار ليمونه الخضراء. وتحول إلى قبلة للعمال والزائرين قبل الوصول إلى منازلهم.
يمثل عبدالكريم وحمد النيل بوصلة للتائهين. يساعدان الباحثين عن بيوت عائلاتهم وسط الرياض. في الركن الغربي للمسجد، توجد غرفة ومطبخ صغير. يعمل فيه الشيخان على إطعام الزائرين.
يستخدم الشيخان (الحطب) بدلا من الغاز. يعتمدان على (المنقد) الذي لاتنطفئ ناره، و ( الأثافي) التي تطهو الطعام بحب. يحرصان على تقديم وجبتي الإفطار والغداء للضيوف. يهيئان لهم المبيت في المسجد. في الصباح، يتناولون الشاي والزلابية والقهوة معا تحت مظلة المسجد.
لا يقتصر دور حمد النيل وعبد الكريم على الطعام. فهما يتابعان توفير المياه يوميا. ينقلان الماء من مسجد عمر بن عبدالعزيز إلى مسجد الراشدين. يملآن الخزانات والأزيار التي تحل محل الثلاجات رغم ملوحة الماء.
رغم شح الوقود، يحرص حمد النيل على تشغيل مولد مسجد الراشدين كل مساء. يقدم الزائرون المساهمات باستمرار، وكلما توفرت كمية من الجازولين، يبادر بالتشغيل ولو لفترة قصيرة.

سماع صوت المولد يبعث الفرح في النفوس لعدة أسباب؛ فهو يتيح للناس شحن هواتفهم، ويعيد للمسجد إضاءته و رونقه، و يسمح بإقامة صلاة المغرب و العشاء بمكبرات الصوت، إضافة إلى تشغيل مبردات الهواء.
عادت الإضاءة أخيراً لتبدد ظلمات الحرب بأجزاء من الرياض وفتحت المتاجر أبوابها من جديد في حي الراشدين وشارع 117. بفضل جهود الشيخين، عبدالكريم وحمد النيل لم يعد المسجد مكانا للصلاة فحسب، بل شريان حياة ينبض بالخير. وبدأت البهجة تدب في شوارع الرياض، معلنة فجر عهد جديد من الإعمار والأمل.



