مقالات وآراء

عندما حاولت «بل بس» أن تتأنق في أروقة الأمم المتحدة

الريح عبد القادر محمد عثمان

لم يجد خطاب الحرب في السودان، وهو يعبر من سوح الوغى إلى أروقة الأمم المتحدة، ما يستبدل به عبارة «بل بس» سوى أن يُلبسها ثوباً من فصيح العربية. وهكذا خرجت من لسان مندوب السودان، الحارث إدريس، عبارة المهلهل:

«بُؤْ بشِسْعِ نعلِ كليب».

والعبارة، لمن لا يعرف قصتها، ليست مجرد شتيمة عربية بليغة.

في الرواية المشهورة من أخبار حرب البسوس، أنّ الحارث بن عباد كان قد اعتزل الحرب، ثم بعث ببجير إلى المهلهل في محاولة لإنهاء الثأر، عارضاً أن يكون ابنه ــ أو ابن أخيه، على اختلاف الروايات ــ فداءً لكليب. لكن المهلهل قتله وقال: «بُؤْ بشِسْعِ نعلِ كليب»؛ أي إن هذا القتيل لا يساوي عنده أكثر من شِسْع نعل كليب، والشِّسْع هو رباط النعل. وكانت العبارة نفسها سبباً في اشتعال غضب الحارث ودخوله الحرب.

وهنا تكمن المفارقة.

فالمهلهل لم يكن يطلق عبارة أنيقة فحسب؛ كان يتكلم بلسان الثأر: الحرب لا تكتفي بالقتلى بل تستمد وقودها من دم الأحياء.
فإذا كان المهلهل هو صوت الحرب، صوت “بل بس” في الجاهلية، فإنّ العرب عرفوا، حتى في الجاهلية، لساناً آخر.

تحول الشاعر زهير بن أبي سلمى إلى داعية سلام بعد أن عركته الحرب وخبر ويلاتها، لذلك كان في شعره من أشد الناس تحذيراً منها:

وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
وتَضرَ إذا ضَرَّيتموها فتَضْرَمِ

لم يقل زهير، الجاهلي، إن الحرب وسيلة لتحقيق الكرامة، بل كان يقول لمن أشعلوها: أنتم تعرفونها، وقد ذقتموها، فلا تجعلوا نارها تشتعل على أيديكم.

وتمثل العنصر الثاني من “إستراتيجية زهير بن أبي لوقف الحرب” في مدح صانعي السلام. لم يكن الحارث بن عوف وهرم بن سنان مقاتلين فحسب؛ بل اشتهرا بتدارك الحرب بين عبس وذبيان، وبذل المال في سبيل الصلح، ولذلك خلّد زهير فعلهما:

يميناً لنِعْمَ السيدانِ وُجِدْتُما
على كلِّ حالٍ من سَحيلٍ ومُبْرَمِ

تداركتما عبساً وذبيانَ بعدما
تفانوا ودقّوا بينهم عطرَ منشمِ

وهذه مفارقة تستحق التأمل: العرب الذين عرفوا الثأر عرفوا أيضاً أن يجعلوا من صانع السلام بطلاً في الشعر.

ولهذا كان بوسع الحارث، رجل الدبلوماسية السودانية في الأمم المتحدة، أن يستعير، بالأحرى، لسان زهير بدلاً من لسان المهلهل، وأن يقول ــ على سبيل مضاهاة زهير:

يميناً لنِعْمَ السيدانِ محمدٌ
وصاحبهُ البرهانُ من غيرِ مَثْلَمِ

هما جنَّبا السودانَ كلَّ كريهةٍ
ففازا بأسبابِ الخلودِ المنعَّمِ

لكن الحارث كره أن يستحضر صوت زهير الشعري، ذلك الصوت الذي يرى في إطفاء الحرب مجداً، وفي إنقاذ الناس بطولة، وفي صنع السلام ما يستحق المدح والتخليد.

كان يمكن، إذن، أن تتأنق «بل بس» في أروقة الأمم المتحدة بلغة زهير، لا بلغة المهلهل.

فبين «بُؤْ بشِسْعِ نعلِ كليب» و «وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم» مسافة ليست لغوية فقط. إنها مسافة بين عقليتين في النظر إلى الحرب: واحدة تستدعي الثأر وتستصغر دم الحي، وأخرى تستحضر تجربة الحرب لتقول: لقد عرفناها، فلا تعيدوها.

ولعل أجمل ما في شعر زهير أنه لم يجعل البطولة كلها في من يربح الحرب، بل خلّد في ذاكرة العرب أسماء الرجال الذين أوقفوها.

وهذه، في النهاية، هي قوة اللغة: ليست المشكلة دائماً في أن تكون العبارة فصيحة أو بليغة؛ فقد تكون العبارة أفصح ما يكون، ولكنها تحمل المعنى الخطأ.

وما أفصح اللسان حين يتأنق بكلمة السلام؛

وما أبلغ التاريخ حين يذكّرنا بما يمكن أن يُقال، فنختار ما لا ينبغي أن يُقال.

قد تستطيع البلاغة أن تزيّن الفكرة الخطأ، لكنها لا تستطيع أن تجعل محصلة لسان المهلهل تقارن بمحصلة لسان زهير.

لقد رأينا كيف استبدلت «بل بس»، في المحفل الأممي السنوي، ثوبها القبيح بثوب عربي فصيح. لكنه، للأسف، ثوب جديد على دمٍ ناشف وقيح.

أما زهير فقد كان يعرف أيضًا أن الكلمة القشيبة قد لا تزين بالضرورة فم قائلها، بل تكشف كثيراً مما يخفيه. ولعل حكمته الباهرة تصلح، بعد كل هذا، خاتمةً لا تحتاج إلى تعليق:

لسانُ الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤادُهُ
فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..