الخرطوم.. أمل العودة وغصة الذكريات (الجزء الثالث)

إسماعيل الباهي
حي “الخرطوم 2” أو (نمرة 2) كما يطلق عليه محليا، ذلكم الحي العاصمي العريق الذي أنشأه البريطانيون في خمسينيات القرن الماضي، وحاز على موقعه الاستراتيجي الذي يتوسط منطقة السوق العربي، والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، وحيي العمارات والخرطوم 3.

اشتهر الحي بالرقي والهدوء والحدائق التي تزينه بالخضرة والجمال مثل حديقة إشراقة، بينما تبدو شوارعه دائرية ومنازله فسيحة ذات طراز بنائي يعانق الفلل والأبراج الحديثة في صورة تعكس عراقة المكان وتطوره.
كل شيء في الخرطوم 2 كانت له قيمته وحكايته وذكرياته، قبل أن تعصف به حرب 15 أبريل 2023 وتضعه في رحم المأساة.

آثار الحرائق وتهدم المباني والشوارع الخالية تعكس صور الدمار القاتمة للحي، بينما تصارع الحياة أزهار شتول الجهنمية التي تنمو بكثافة متجددة وسط الركام.
من العبير إلى البارود
قبيل سيطرة الجيش على الخرطوم في 20 مايو 2025، بدأت أولى جولاتي بحي نمرة (2) منتصف شهر أبريل وبداية مايو من العام نفسه؛ وحينها لم ينطفئ بعد لهب الحرب الذي تمدد في الحي.
ذهبت سائرا على الأقدام في شارع احمد مكي حمزة، ومررت بمنتصف سوق نمرة (2)، لكنني لم أشعر كأنني في سوق حقيقي؛ فلم يكن يتحرك بالمكان سواي، وسط غياب تام للناس، وانتشار السيارات المنهوبة، والمحلات التجارية المشرعة أبوابها.

ومن أشهر المتاجر هي بقالة “عمك سعيد” والمطاعم الفاخرة مثل “كاك”، و”كويك”، و”المونليزا”، لكنها أبدلت روائح الطعام برائحة البارود، فصارت عبارة عن جدران خاوية وألواح زجاجية محطمة تعلوها لافتات مهترئة.
أدت مشاهد حريق الكابلات النحاسية وتساقط العرائش الزنكية امام المباني التجارية والأكشاك، إلى تحويل السوق إلى لوحة سوداء صدئة، تتخللها اشجار “العشر” والعشاشيب التي تسلقت على الجدران، وغطت معظم المحلات والمنازل المهجورة.
أطلال البيوت
في مبنى سكني مقاوم لثقب الرصاص الذي أصاب اطرافه، تحتفظ البيوت برائحتها القديمة وبعض من الذكريات المنقوصة، رغم تحولها إلى توابيت مظلمة جراء تعرضها للنهب الواسع وتركها كهيكل خرساني غير مأهول.
يتكون المبنى من 8 طوابق بمساحة تضم نحو 70 شقة سكنية ومكاتبا تجاريا، تفتحت منافذه الفولاذية والخشبية الحديثة؛ سواء كانت مغلقة ببصمة أو مراقبة بعين سحرية اقتلعتها معاول النهب.
لن تجد أرجلنا موطئ قدم إلى العمل بالداخل إلا واعترضتنا ألواح جبسية ديكورية ملقاة من أسقف الغرف، خراطيم واسلاك كهربائية مسحوبة بعد خلع الطبلونات وتكسير مكيفات اسبلت لانتزاع قطع النحاس.
تحت هذا الركام ترزح شقة احدى السيدات تختلط فيها مستحضرات التجميل بالمستندات، والثياب، الكتب، الصور، وشظايا الأواني الزجاجية.
غرفة الأطفال تروي ذات الأوجاع بعد أن حرموا من الأمان، تاركين علب الألوان المتناثرة، دفتر الرسوم بلوحاته الجميلة، ولعب المكعبات غير المكتملة.
بقايا الأثاث كألكرسي أو المفرش أو الكوب الملون تنعش القليل من الذاكرة المفقودة وسط الركام.

إرادة وسط الخراب
ولم تكن تلك الذكريات وحدها ما يكسر وحشة المكان، إذ لم ينقطع أمل العودة إلى “الخرطوم 2” فما إن خلا الحي من المعارك، حتى بادرت الأسر بتفقد البيوت ونفض غبارها رغم غصة فقد الممتلكات.
كذلك نفذت مجموعة شبابية حملات نظافة للشوارع حتى صارت خالية من الأنقاض العسكرية.
بجوار برجي عابدين ودانيا السكنيين، وتحت ظلال أشجار نيم وارفة، ينشط عدد من الأفراد في العمل بورشة حدادة بقيادة هشام محمد حسن.
تحدى هشام بتر رجله، ومثل وجوده لبنة بناء للحي؛ لا لكونه ينتج الأبواب والشبابيك ويصين المنازل فحسب، بل لأنه يبعث الاطمئنان في نفوس الزائرين ويشجعهم على العودة.

بدأ هشام العمل في بيئة جففتها الحرب، فقام أولا بتنظيف المكان، واستجلب أدواته ومولده الكهربائي، ووضع براميل مخصصة لمياه الشرب.
صار كل من يأتي إليه يحظى بكرمه وتقديم الطعام والشاي له، حتى تحول موقعه إلى ملتقى للزوار والمستفسرين عن حال الحي.




جنجويد حزام البقارة عندما غزو أحياء العاصمة الراقية، والمقاهي،والمطاعم والكافتريات في شارع المطار، نمرة2،الامتداد، عملوا فيها نهبا وتدميرا،وحرقا بكل حقد وغل، وكانوا يصورون انفسهم وهم يرددون ( زي دا ما عندنا في دارفور، شيف الناس دي مرتاحة كيف، ندمرو كل شيء عشان يبقوا زي حالتنا في دارفور، كسكسوا ورا. ) !!! ….
…. هولاء الاوباش مكانهم دارفور وغرب إفريقيا،يرعون مع بهائمهم ،ينهبوا ويغتصبوا،ويقتلوا ،فهم كالانعام ولكنهم اشد تخلفا، وقسوة منها،..
مثلما جلب الدجال المتمهدي جهادية حزام البقارة الي بلادنا، وعاثوا فيها فسادا،سار علي نهجه اشباه الرجال من قادة الجيش ، والكيزان الملاعين جلبوا لنا هولاء اللصوص القتلة، سلحوهم بافتك الأسلحة، ومكنوهم في بلادنا،وكانت حرب طي الخرطوم الاولي،
قريبا ستبدأ حرب طي الخرطوم الثانية،بعد ان سمح قادة الجيش المهلهل بدخول الجنجويد مجددا الي بلادنا.ومكنوا حركات الارتزاق الدارفورية المسلحة فيها…
ويبقي خيار تقسيم السودان هو الخيار الذي لا بديل له ،
واخر دعوانا للدارفوريين،اذهبوا فأنتم الطلقاء.
……. التقسيم سمح …….