مقالات وآراء

كِبار الصُنّاع يحاكمون صِغار “المتعاونين”!

رشاد عثمان

في مدينة الأبيّض، وتحت أفقٍ قاتم من هذا الزمان الرثّ، حُكم مؤخراً على الصيدلي ورجل الصناعة الدكتور أحمد الوقيع بالسجن ست سنوات ومصادرة أمواله بزعم تعاونه مع المليشيا!. والمفارقة في الحكم أن القاضي، وفق الرواية المنشورة، قال إنه خفف العقوبة بعدما ثبت أن الرجل دعم «قوات الشعب المسلحة» نقداً وعيناً!.

 

بدأت القضية بنقاش حول ضرائب سنوات الحرب، وانتهت بتفتيش هاتف الوقيع والعثور على دردشة خاصة مع أصدقائه قال فيها ما بات يُعدّ رأياً بالغ الخطورة تحت سماء دولة البرهان: “إن الحرب مدمرة، وينبغي أن تتوقف”.

 

وفي ظل هذا الطغيان الكاسح لمتلازمة الخبل الجمعي، والتعهير الفاضح لدور المؤسسات العدلية التي تفرغت لمهامها «الدستورية» في تلفيق التهم لبائعات الشاي وبعض الصبية من السابلة بزعم «التعاون مع المليشيا»، ينسى البعض، عمداً أو جهلاً أو تجاهلاً، الحقيقة الشاخصة عن كبار الصُنّاع – وليس فقط المتعاونين – الذين دشّنوا بلا وجل ولا خجل حقبة سيادة المليشيا، وتسابقوا لاهثين في بناء إمبراطورية «الماهريّة» وكارتيل آل دقلو العابر للقارات، مُدماكاً بعد مُدماك وطابقاً فوق طابق!!.

 

أولئك الذين زيّنوا للطاغية فكرة تجييش وتسليح قُطّاع الطرق على أساس عنصري بالغ القُبح والدمامة، ليقوموا بدور «جيش البلاد» الذي تُحتلب من أجله ميزانية السودان المنهكة على حساب حليب الأطفال وعلاجهم وتعليمهم، بينما يتفرغ كبار الجنرالات للتجارة وتهريب المواد الخام، لتُعاد إلى العالم “منتجات ذات قيمة مضافة” بديباجات دول لا تعترف لهم حتى بأجر المناولة!.

 

أولئك الجنرالات الذين خرجت المليشيا من رحمهم، ونشأت وترعرعت تحت كنفهم تدريباً وتسليحاً لمجابهة حركات «الكفاح» المسلح من «الزُرقة»، حتى تحولت دارفور على أيديهم إلى مستودع كبير للسلاح، وارتوت سهولها واختلطت مياهها الجوفية بدماء الأبرياء. ثم شاركوا في تعميد المليشيا رسمياً عبر البرلمان، بصفتها سيفاً إنكشارياً وذراعاً باطشة للطاغية وإخوته في الله من طغمة الحركة الإسلامية!.

 

أولئك الجنرالات الذين «تعاونوا» وباركوا فظائع المليشيا وهي تقمع بوحشية مفرطة شباباً وصبية في عمر أبنائهم، في قلب الخرطوم أثناء هبّتهم ضد الطاغية في سبتمبر 2013، ثم ناموا ليلتها هانئين مع بناتهم وأبنائهم دون أن يطرف لهم جفن!!.

 

وهم ذاتهم الجنرالات الذين «تعاونوا» مع كارتيل آل دقلو، وسهّلوا له «المنهبة التاريخية» لذهب السودان وثروات أجيال المستقبل عبر الصالات الرئاسية لمطارات البلاد السائبة!

 

وهم، ليس غيرهم، الجنرالات الذين «تعاونوا» ونسّقوا مع المليشيا، وعملوا كمقاولي أنفار لحشد وتفويج المرتزقة إلى حرب ليس للسودان فيها ناقة ولا جمل، مقابل حفنة من الريالات والدراهم لا تكفي لشراء شيءٍ أكثر قيمة من ذمة البشير وجنرالاته. هناك قاتل الجيش والمليشيا كتفاً بكتف، قبل أن يصير مطلوباً منا اليوم تصديق أنهما كانا على الدوام خصمين لا يجمعهما تاريخ من التوحش والارتزاق العابر للحدود!.

 

أولئك الجنرالات الذين «تعاونوا» مع المليشيا في تنفيذ مذبحة العصر، مجزرة فضّ الاعتصام، وسحلوا الشباب المدنيين المعتصمين أمام أسوار مبنى القيادة العامة لـ«قوات الشعب المسلحة»، قبل أن تُلقى جثث بعضهم، مثقلةً بالحجارة، إلى قاع النهر القديم!!.

 

واليوم، بعدما فُتِّش هاتف أحمد الوقيع بحثاً عن جريمة في دعوته إلى وقف الحرب، وبينما يُلاحَق صغار «المتعاونين»، يبقى كبار الصُنّاع خارج قفص المساءلة، وكأن تاريخ المليشيا بدأ يوم انقلب سلاحها على شركائها.

 

أيُّ عهرٍ، وأيُّ سفالٍ ذلك الذي يحاول إجبارنا على قراءة التاريخ من قفاه!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..