البرهان في الزاوية، هل هي الـ Game Over؟ واشنطن أغلقت المخارج، هدسون؛ “لا منفذ للبرهان يحفظ به ماء وجهه”

■ أزمة التأشيرة جسدت هذا المأزق بأوضح صورة. هدسون قال إن فهمه لما جرى هو أن واشنطن كانت قد طلبت من السودانيين إرسال وفد إلى الأمم المتحدة وإلى واشنطن لإجراء محادثات بشأن وقف إطلاق النار، وإن الجانب السوداني كان يستعد لذلك، قبل أن تصبح، بحسب روايته، تأشيرة البرهان مرتبطة بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل السفر. وإذا صحت هذه الرواية، فإن ما كان يمكن أن يبقى في دائرة التفاوض تحول إلى اختبار علني للإرادة؛ إما أن يوقّع البرهان أولاً، أو يرفض ويتحمل كلفة الرفض. وهنا لم تعد المسألة مجرد اختلاف على تفاصيل هدنة، بل صارت اختباراً سياسياً لمن يفرض شروطه على من.
■ والسؤال الأهم هو؛ لماذا اختارت واشنطن هذا المسار الآن؟ في رائي وكما ذكرت في مقالتين سابقتين؛ لأن السودان لم يعد في نظرها مجرد حرب داخلية يمكن تركها لمسار تفاوضي مفتوح، بل أصبح عقدة في صراع إقليمي أشمل يمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر وباب المندب، ويتقاطع مباشرة مع حسابات مصر والسعودية والإمارات. فمصر تنظر إلى السودان بوصفه عمقاً أمنياً مباشراً متصلاً بأمن النيل والحدود واستقرار الدولة المركزية، ولا تريد انهيار الجيش أو قيام واقع سوداني مفكك على حدودها الجنوبية؛ والسعودية تنظر إلى الساحل السوداني من زاوية أمن البحر الأحمر والملاحة وموانئها الغربية ومسارات الطاقة، خصوصاً مع تصاعد هشاشة المنطقة من هرمز إلى باب المندب؛ أما الإمارات، فلها مصالح ممتدة في الموانئ والتجارة والذهب وشبكات النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي طرف لا يمكن فصل حساباته عن التنافس الإقليمي على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. ومع تصاعد تهديد الحوثيين للملاحة، وعودة البحر الأحمر ليصبح شرياناً استراتيجياً للطاقة والتجارة لا مجرد ممر بحري، باتت واشنطن أقل استعداداً لترك السودان يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو إلى فراغ جيوسياسي تستثمر فيه قوى أخرى. لذلك يمكن قراءة الضغط على البرهان الآن باعتباره جزءاً من محاولة أمريكية أوسع لإعادة ترتيب الملف السوداني داخل معادلة أمن البحر الأحمر؛ وقف الحرب أولاً، تقليص قدرة الأطراف الإقليمية على إدارتها بالوكالة، ومنع نشوء سودان مجزأ أو ساحل مضطرب يضيف جبهة جديدة إلى أزمات اليمن وباب المندب والخليج.
■ أما خيارات البرهان، فهي تزداد تعقيداً وتضيق بقدر ما ترتفع كلفة كل واحد منها؛ إما أن يقبل بتسوية ويحاول تغليفها بما يحفظ ما تبقى من صورته أمام معسكره، أو يواصل التحدي ويختبر إلى أي مدى تستطيع واشنطن رفع الثمن، أو يحاول شراء الوقت بالمناورة انتظاراً لتبدل الموازين. لكن أخطر ما في الأمر أن الزمن نفسه لم يعد محايداً؛ فكل يوم يمر بلا مخرج سياسي يجعل التراجع أصعب، والضغط أشد، ومساحة الحركة أضيق. وإذا كان هدسون يرى أن واشنطن لم تترك للبرهان منفذاً يحفظ به ماء وجهه، فإن السؤال الآن لم يعد فقط كيف دخل هذه الزاوية، بل هل بقي أمامه طريق يخرج منها دون أن يدفع ثمناً سياسياً أكبر بكثير مما كان يظن.



