من سيرة مثقف سوداني شجاع

معن البياري
إنه أستاذ علم الاجتماع، النشط في العمل المدني والدرْس والتأليف، والمهموم في مسائل بلده، السودان، حيدر إبراهيم علي، الذي ودّع الفانية الأسبوع الماضي عن 83 عاماً، بعد حياةٍ في المستطاع أن يقال إنه عاشها شجاعاً. وللشجاعة وجوهٌ كثيرة، على ما لا يُنسى، فالرجل لم يكن فدائياً في حروب مغاوير، ولا أمضى عقوداً في السجون جزاء النضال السياسي والحزبي، ولا كابد العوز والفقر فجاهد في مغالبتهما.
إنما كان شجاعاً في وضوحه، وزهده، وصراحته، وفي مواجهته اليأس والإحباط، ومقاومته غوايات حياةٍ كان في وُسعه أن يعيشها مترفاً أو أكثر يُسراً. … لا أزعم هنا صداقةً خاصةً معه، ولا أدّعي قراءتي كثيراً مما أنجز من كتب وبحوث ومقالات. لم ألتق به منذ لقاءاتنا (إحداها في منزله) في الرباط، قبل أزيد من 33 عاماً، طالعتُ قبل سنواتٍ بعيدة كتابَين له، أحدهما عن لاهوت التحرير (1992)، وربما كان الأول بالعربية في هذا الشأن، ولم أتابع جيداً نشاط مركز الدراسات السودانية الذي انقطع له في القاهرة (وبعض الوقت في الخرطوم) ومؤتمراته وإصداراته.
وقد يرى من يرى أن كل هذا الجهل لديّ بالأستاذ بالغ التهذيب لا يؤهلني للتنطح للكتابة عنه، ولا لتصنيفي له شجاعاً. ولكن زعمي عنه هنا يقوم على درايتي بفاعليّته، وبما كانت عليه مواقفه وآراؤه، عدا عن أن إجماع النخب السودانية على احترام هذا المثقف نادر القماشة يعزّز ما أنا عليه من تقديرٍ لمكانته ودوره وثقافته.
أما كتابه “أزمنة الريح والقلق والحرية” (دار الحضارة، القاهرة، 2015)، فكنتُ أنوي أن أصفه هنا بالرائع، لولا نصائحنا، نحن العتاقى بعض الشيء، لزملائنا المبتدئين في الصحافة التخفّف من أوصافٍ كهذا، ومن مبالغاتٍ متزيّدة. وأكتفي هنا بالقول إنه من أجمل كتب السيرة الذاتية التي دوّنها أكاديميون وباحثون عرب.
وأفتح هنا قوساً، وأُفصح أنني وجدت الدكتور حيدر ينطق عنّي في نعته مثقفين عرباً معروفين، كان شجاعاً في جرأته في رميهم بما يليق بهم. صحيحٌ أنه كتابٌ في السيرة، يسردُ فيه صاحبه عن شخصه، منذ طفولته وصباه الأول، ولكنه أيضاً كتابٌ عن السودان، من منظورٍ اجتماعي وفكري وثقافي. ليست القضية أنك قد تتفّق معه أو تختلف في هذه المسألة أو تلك، بل في أنّ حيدر إبراهيم علي حافظ على سمْته النقدي المعرفي، عندما كتب مؤلّفه هذا، بشجاعةٍ فيما أعتقد، فلم يسجّل مدونة خطابية، إنما طرح تصوّراته التي في وسع أهل الاختصاص السودانيين (أو غيرهم؟) أن ينقضوها وينقدوها. ولا أشك في أن مقادير الرحابة الديمقراطية في شخص أستاذنا الراحل ستستقبل هذا بمناقبيّة عالية، فليس نزوعُه الاشتراكي (غير الشيوعي على ما يلح)، وكذا ليست مرجعياته الماركسية في بعض التحليل الثقافي، يمنعانه من المجادلة في أي أمرٍ يراه. والرجل عاش حياته، أستاذاً في جامعات عربية (يتحدّث عن تجربة مؤسفةٍ في ليبيا غاية في الطرافة والغرابة)، وباحثاً وناشراً، ومشاركاً في مؤتمراتٍ ومنتدياتٍ عديدة، وساجل وأخذ وأعطى، وردّ وعقّب، من دون دوغمائية أو خندقة شخصية. وعندما يشير إلى نشره في مجلةٍ أشرف عليها ودعمها مالياً مركز دراسات الوحدة العربية مقالة لسعد الدين إبراهيم الذي اختلف معه في غير شأن، فيغضب من هذا خير الدين حسيب، فيكون جواب صاحب كتاب “الأمنوقراطية وتجدّد الاستبداد في السودان” بأنّ جودة المقال (تُرجم عن الإنكليزية) حسمت نشره.
فائضٌ من الحميميّة الخاصة، ومن التنويع بين الشخصي والعام، عن الأسرة وبدايات التكوين والقراءات الأولى، ثم الولع بالوجودية وسارتر، والشغف بهربرت ماركوز، والدراسة في فرانكفورت والإقامة فيها، وعن مدنٍ بلا عدد، وعن السودان منذ الأربعينيّات وفي زمن حكم الإسلاميين الذين عارضهم، من منظور ديمقراطي وانفتاحي ووطني، وإطلالاتٍ على آدابٍ وفنونٍ وأشعار، وعن صداقاتٍ في بلدانٍ عديدة، وكثير أيضاً عن المرأة والنساء، حضر هذا كله وغيره في كتابٍ يؤكّد لقارئه المؤكّدَ عن صاحبه، مثقفاً له خياراتُه العلمانية المضادّة لتسييس الدين، ولتغليب الأيديولوجيا والاصطفاف السياسي في العمل النقابي والمهني، وله رؤيته إلى المثقف، في العموم، صاحب دور وفاعليّة، لا صاحب موقفٍ وحسب. ومنشغلاً بالفكر والتفكير مدفوعاً بوجوب حرّية العقل، وبلزوم أن تكون المعرفة في المجتمعات التي تتطلّع إلى الحداثة مهنةً وشغلاً. يقول حيدر إبراهيم علي إنّ إحساساً باللذّة يشعر به في علاقته بالكتب، وعندما تُعجبه ألوان زي أنثى، يقول بلا تردّد إنه ينفع غلاف كتاب. والمختتم هنا إنّ متعة عالية يُحرزها قارئ كتاب سيرته، من غلافه إلى مختتمه، وفيه ما فيه من مُلحٍ ودعاباتٍ وحكايات، وأيضاً نظرات فكرية وتأملية، فضلاً عن شجاعةٍ في القول نادرة حقّاً. رحمه الله. العربي الجديد



