لماذا فشلت النخب النيلية في بناء دولة المواطنة والعقد الإجتماعي ؟ (٢ – ٤)

الجاك محمود أحمد الجاك
أثار الجزء الأول مقالي (لماذا فشلت النخب النيلية في بناء دولة المواطنة والعقد الإجتماعي) ردود أفعال واسعة كانت متوقعة إبتداءا في بعض المنصات الإعلامية. وطغت على ردود الأفعال مهاترات من منسوبي النادي السياسي القديم وبعض البلابسة والجداد الإلكتروني، لكنها في تقديري مهاترات لا تستحق الرد. ولأن الجاك لا يقبل بهدم البيت الذي بناه الجاك، كان من الطبيعي أن يرفض الحرس الأيديولوجي وسدنة السودان القديم المساس ببنية الدولة القديمة، ،خاصة عندما تكون القضايا محل الكتابة والتي تناولتها في المقال كالرق في السودان من التابوهات السياسية، أي من القضايا المسكوت عنها، وهي ذات القضايا التي شكلت جذور المشكلة وطبيعة الصراع الحاصل في السودان. بالطبع ليس كل الجلابة تجار رقيق، وصحيح أن الحقائق المتعلقة بممارسة الرق في السودان صادمة، لكن لا مفر من تناولها بوضوح بإعتبارها جزءا من حقائق تاريخنا.
إذ لم يكن القصد من تناول الرق في السودان إثارة خطاب الكراهية، أو محاكمة أحفاد النخاسة (تجار الرقيق)، بقدرما يكمن الهدف في تسليط الضوء على جزء من الحقائق التي شكلت تاريخ السودان الحديث، وساهمت في تشكيل بنية دولة مابعد الإستعمار، خاصة وأن الآثار الإجتماعية والثقافية والإقتصادية للرق ما زالت باقية في كثير من المجتمعات السودانية، وتداعياته السياسية ما زالت مستمرة في دولة ما بعد الإستعمار. فالكلام المحظور والحقائق التي لا تقال في السودان هي التي ظلت تقسم السودانيين وتدمر البلاد. والحقيقة لن تكتمل الثورة السودانية أخلاقيا إلا عندما تتحرر المجتمعات السودانية من آثار الرق الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. فهناك ضرورة حقيقية لمشروع تنوير ومشروع لتحرير العقل السوداني من نموذج التفكير القديم الذي أقعد السودانيين من التوصل لعقد إجتماعي، ومن إنجاز مهام البناء الوطني. فلا توجد دولة وطنية في السودان حاليا، لأن عقلية النخاس لا يمكن أن تبنى دولة أصلا ما لم يحدث توازن قوة على الأرض يجبر هذه العقلية الخربة على التخلي عن العنصرية والإستعلاء والمكابرة، والتعاطي بواقعية مع حقائق التنوع التاريخي والتنوع المعاصر في السودان.
تداعيات التأسيس الخديوي:
بعد إنهيار آخر ممالك النوبة في سوبا عام (١٥٠٤) لم تكن هناك دولة سودانية موجودة بالحدود التي نعرفها اليوم. فالمنطقة التي تشكل السودان حاليا كانت عبارة عن مجموعة من الشعوب والممالك والسلطنات والإمارات والمشيخات والإتحادات السياسية المستقلة، أو شبه المستقلة، أهمها: سلطنة الفونج (مملكة سنار) – سلطنة دارفور (الكيرا) – مملكة تقلي في جبال النوبة – مملكة المسبعات في كردفان – مملكة الشلك – ممالك الزاندي – كيانات البجا – إتحاد أو مشيخة الشايقية. الإستعمار التركي المصري هو من أنشأ الدولة المركزية الموجودة في السودان بحدودها قبل إنفصال جنوب السودان. فقد جمع المستعمر التركي المصري الشعوب السودانية المختلفة ثقافيا، والمتفاوتة تاريخيا داخل الخريطة والشكل المركزي للدولة السودانية، فأعاق بذلك مسارات تطورها الطبيعي، وهذا ما قاد إلى تكوين البنية والتركيبة الإجتماعية والثقافية المشوهة في السودان وفقا لمنفستو الحركة الشعبية لتحريرالسودان – شمال.
التواطؤ الأيديولوجي في أسلمة وتعريب السودان:
للأسف لم تقرأ النخبة السياسية والثقافية المهيمنة حركة التاريخ جيدا لتتعلم أن الأيديولوجية لا يمكن أن تبني دولة قابلة للحياة، وأن معاهدة ويستفاليا (١٦٤٨) هي التي شكلت الأساس التاريخي لنشأة وبناء الدولة الوطنية الحديثة والتي برزت بفضلها فكرة السيادة الوطنية وعلمانية الدولة، ثم تطورت بعد نجاح الثورة الفرنسية مفاهيم المواطنة والدستور وحقوق الإنسان. وتعد ويستفاليا من أهم التسويات السياسية والدينية في تاريخ أوربا الحديث، وذلك لأنها أنهت حرب الثلاثين عاما داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة والتي تحولت إلى صراع أوربي واسع تداخلت فيه الإعتبارات الدينية والأيديولوجية والأسرية والإقليمية وتوازن القوى. راح ضحية حرب الثلاثين عاما أكثر من ثمانية مليون مواطن أوربي، وكانت الأراضي الألمانية التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة الأكثر تضررا. تؤكد كثير من الأدلة والشواهد وجود علاقة تاريخية لإصرار النخب النيلية على التوجه الإسلامي والعروبي في السودان بالرق. فقد نشأ مع إزدهار تجارة الرقيق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تصورات إجتماعية تربط بين إمتلاك العبيد والعروبة والإسلام والمكانة الإجتماعية الأعلى. ونشأ بموجب ذلك مفهوم جعل الإنتماء إلى الثقافة العربية والإسلام رأسمالا رمزيا، ومعيارا للمكانة الإجتماعية وحيازة السلطة. وتبعا لذلك صار الدين أحد عناصر التراتبية الإجتماعية في السودان، ثم تحولت التراتبية الإجتماعية فيما بعد إلى مشروع الدولة، ومن ثم تم فرض العروبة والإسلام كمكونين للهوية الوطنية الرسمية للدولة، وتم تعميم هذه الهوية قسرا على كل الشعوب السودانية، مع محاولة توحيد الدولة على أساس هذه الهوية الأحادية الإقصائية. وعلى هذا الأساس تمت أيضا صياغة المناهج التربوية والتعليمية والخطاب الإعلامي الرسمي للدولة اللذان شكلا أخطر ماكنيزمات تنفيذ نظرية بؤتقة الإنصهار Melting pot. هذه النظرية التي ترفض مبدأ الوحدة في التنوع وتعمل على صهر ودمج جميع الهويات الثقافية السودانية في هوية عربية إسلامية مركزية. ولعل هذا التوجه يفسر قرار النخبة السياسية والثقافية المهيمنة بضم السودان لجامعة الدول العربية، وعلى هذا الأساس تم رسم السياسة الخارجية للدولة، فصارت مهمة الدبلوماسية السودانية تعريف السودان وتقديمه للعالم بإعتباره دولة عربية إسلامية. تكمن خطورة التوجه العروبي والإسلامي الرسمي للدولة في تحويل تصورات جماعة لا تعدو كونها الأقلية إلى أيديولوجية تبنتها الدولة رسميا وقامت بفرضها، فأصبحت بذلك الأقلية هي الدولة وصاحبة الحقيقة السياسية والدينية المطلقة. قاد ذلك كما ذكرت في الجزء الأول من المقال إلى إنكار التنوع وإقصاء الآخر العرقي والثقافي والديني، وبالتالي إضعاف مبدأ المواطنة المتساوية وإحتكار السلطة.
تسييس الدين في السودان، وإصرار النخب على فرض الشريعة كمصدر للتشريع:
لم يبدأ تسييس الدين في السودان مع نظام الأخوان المسلمين وإنقلاب الجبهة الإسلامية القومية في الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، ولا حتى مع تطبيق المشير جعفر محمد نميري لقوانين سبتمبر في العام ١٩٨٣، بل تم إقحام الدين في السياسة لتحديد طبيعة الدولة وفرض الهوية الوطنية للدولة بواسطة النخبة المهيمنة التي إحتكرت تعريف الدولة بعد إعلان إستقلال السودان، فشكلت تلك الخطوة أول أساس خاطئ لبناء الدولة وإدارة التنوع. لأنه في الدولة الوطنية الحديثة يجب أن يقوم الرابط الأساسي بين المواطنين على أساس المواطنة والدستور والقانون والمؤسسات المشتركة، وليس على إلزام المواطنين بإعتناق أيديولوجية محددة. هناك أدلة تثبت أن الدين تم تسييسه في السودان منذ أربعينيات القرن العشرين، فقد تم تحويل الإنتماء الديني إلى إنتماء سياسي عندما أصبحت الولاءات الطائفية قاعدة أساسية لتكوين الأحزاب الحديثة، وخصوصا حزب الأمة والحزب الإتحادي الديمقراطي فصارت الولاءات الطائفية مصدرا أساسيا للدعم السياسي للأحزاب. ومنذ ذلك الوقت لم يعد الدين علاقة بين الإنسان وربه أو مؤسسة إجتماعية دعوية، بل صار وسيلة لبناء الأحزاب السياسية وحيازة السلطة وبناء القانون والدولة نفسها. في خمسينيات القرن العشرين ظهرت جماعة الأخوان المسلمين في السودان والتي تطورت فيما بعد إلى جبهة الميثاق الإسلامي في الستينيات، ثم إلى الجبهة الإسلامية القومية في الثمانينات بقيادة حسن عبدالله الترابي. وكان المشروع الذي يطرحه الإسلام



