
كليلة ودمنة وأنيمال فارم: عندما تجري الحكمة على السنة الحيوان
ادب مقارن
عادل الأمين
من العبث أن نعتقد أن جورج أورويل اخترع فكرة أن تتكلم الحيوانات في السياسة. قبل 1200 سنة، كان هناك فارسي آخر عبقري اسمه عبد الله بن المقفع، نقل عن الفيلسوف الهندي بيدبا كتابا اسمه كليلة ودمنة، جعل فيه ابن آوى الفيلسوف يتكلم عن فساد الملوك.
الاثنان أيقونتان، لكنهما يمثلان حضارتين متناقضتين في استخدام نفس الأداة.
1- ابن المقفع: الحكمة للنجاة من السلطان
كليلة ودمنة ليس كتاب أطفال. هو كتاب تقية سياسية.
في زمن المنصور العباسي، حيث يقطع اللسان، لم يستطع ابن المقفع أن يقول: الملك ظالم. فقال: الأسد ظالم، والثعلب محتال، والغراب وزير فاسد.
الحيلة الشرقية: اجعل الحيوان يقول ما لا يستطيع الإنسان قوله. لذلك أثرت مخيلة المسلمين بالعظات، لأنها علمتهم كيف ينجون من السلطان بالحكمة، لا بالمواجهة.
والنهاية؟ مأساوية. اتهمه سفيان بن معاوية والي البصرة بالزندقة وقطع أطرافه وحرقه وهو حي في تنور. قال له قبل قتله: “والله ما شيء أعز علي منك، ولكني لا أجد إلى غيرك سبيلا”. مات ابن المقفع لأنه كان أذكى من عصره.
2- جورج أورويل: الحكمة لفضح الثورة
بعد 1200 سنة، جاء إنجليزي مريض بالسل، اسمه إريك بلير (جورج أورويل)، كتب نفس الفكرة: Animal Farm.
لكن الفرق الجوهري: ابن المقفع كان ينصح الملك ليكون عادلا. أورويل كان يفضح الثورة نفسها عندما تصبح ملكا جديدا.
في مزرعة أورويل، الحيوانات تطرد المزارع جونز (القيصر / الملك) وترفع شعار: كل الحيوانات متساوية. ثم يصبح الخنزير نابليون (ستالين) أكثر مساواة من الآخرين، ويكتب الشعار الجديد:
كل الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها.
هذا هو أفضل تحليل كتب عن الثورات المزيفة. وهذا ما حدث في ثورات الربيع العربي.
3- الربيع العربي: من كليلة ودمنة إلى أنيمال فارم
ثورات 2011 بدأت كـ كليلة ودمنة: شباب يريد حكمة وعدلا من الأسد (مبارك، بن علي، البشير).
وانتهت كـ أنيمال فارم:
طردنا المزارع جونز.
جاء الخنزير نابليون بلحية: الإسلام السياسي المصنوع، فتح العالم العربي على الفوضى ونهب الموارد لصالح الشركة القابضة المصرية والخليجية والأمريكية.
بقيت الخيول (الشعب) تعمل أكثر، وتأكل أقل، وتشاهد الخنازير تنام في سرير المزارع القديم وتشرب الويسكي مع البشر.
هذا هو الفجر الكاذب الذي كتبت عنه. لم تأت الثورات بالوعد الحق، بل جاءت بإسلام الذباب – ذباب يسرق الثورات ولا ينتج عسلا.
ولهذا في قصتي “العنكبوت الحكيم” 2017، رفض العنكبوت الذباب الميت من موظف الأمم المتحدة. هذا هو رفض معونة الثورات المزيفة.
4- المفارقة المأساوية: الفارسي والإنجليزي
عبقرية ابن المقفع الفارسي لم تنفع إيران المعاصرة. إيران اليوم، التي تمثل حكمة الشرق القديم، أصبحت هي نفسها أسد كليلة ودمنة: تلبس عمامة الحكمة لكنها تمارس بطش المنصور.
وعبقرية أورويل لم تنفع أمريكا المعاصرة. أمريكا التي تمثل أنيمال فارم، التي كتبت لتنتقد ستالين، أصبحت هي نفسها مزرعة الخنازير: ترفع شعار الديمقراطية وكل الحيوانات متساوية، لكن البنتاغون أكثر مساواة.
ولهذا نرى اليوم صدام الحضارات المدمر بين إيران (حكمة الشرق التي فسدت) وأمريكا (عجرفة الغرب التي فسدت). وكلاهما ينسى الدرس الأول من كتب الحيوانات:
ابن المقفع قُتل في التنور. أورويل مات بالسل فقيرا منبوذا في جزيرة جورا الاسكتلندية بعد أن رفضته كل دور النشر. لم تنشر أنيمال فارم إلا بعد 4 سنوات من الرفض لأنها تنتقد حليف بريطانيا ستالين.
العاقبة للمتقين، لا للخنازير ولا للأسود.
5- الخلاصة: نحتاج كليلة ودمنة جديدة
نحن في السودان، في اليمن، في سوريا، لا نحتاج ثورة حيوانات جديدة. نحتاج إسلام النحل الذي كتبت عنه:
يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.
النحلة تأكل من كل الثمرات: ماركسية، ليبرالية، إسلام، تصوف، كوشية بعانخي، ولا تسرق.
الذبابة، والخنزير، والأسد، كلهم في كليلة ودمنة وأنيمال فارم وجه واحد: من يأكل ولا ينتج.
ولهذا قذفت بعلبة المبيد ثلاثي القوة في نهاية قصة العنكبوت. المبيد هو الحزب، هو الخنزير، هو الأسد.
دع الطبيعة تأخذ مجراها في كليلة ودمنة …. والحمير تعيش طويلا كما هو الكوجيتو في رواية انيمال فارم الغربية والمجد للامم الحرة ….وكل من يسير في طريقها الان ….
ملحوظة راجع قصة العنكبوت الحكيم في صحيفة القدس العربي ٢٠١٧



