مقالات وآراء

أزمات السودان الاثنتا عشرة…. التشخيص وطرق الخروج

من منظور مركز الروافد للفكر والدراسات السودانية المعاصرة، فإن الحديث عن الأزمة السودانية ينبغي ألا يبدأ بالحلول قبل أن يبدأ بالتشخيص. فالسودان لا يعاني أزمة واحدة يمكن اختزالها في الحرب أو السياسة أو الاقتصاد، وإنما يواجه مجموعة من الأزمات المتداخلة، ظل بعضها ينتج بعضًا، حتى أصبحت معالجة أزمة واحدة دون معالجة ما يرتبط بها من أزمات أمرًا محدود الأثر.
والتشخيص الصحيح لا يعني مجرد تعداد المشكلات، وإنما محاولة فهم جذورها، وكيف نشأت، وكيف تطورت، وكيف أصبحت مترابطة. ويمكن النظر إلى أزمات السودان الأساسية من خلال اثنتي عشرة أزمة رئيسية.
• أولًا: الأزمة السياسية وأزمة الحكم:
المشكلة السياسية في السودان لا تتمثل فقط في الصراع على السلطة، وإنما في عدم الاستقرار حول قواعد ممارسة السلطة نفسها. فمنذ الاستقلال ظل السودان ينتقل بين أنظمة عسكرية ومدنية وفترات انتقالية، دون أن ينجح بصورة مستدامة في تأسيس قواعد مستقرة لتداول السلطة وإدارة الاختلاف السياسي.
ولهذا فإن معالجة الأزمة السياسية لا تعني فقط تغيير حكومة أو استبدال قيادات، وإنما تحتاج إلى اتفاق وطني حول قواعد الحكم، وتداول السلطة، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية، وضمان المشاركة السياسية، واحترام التعدد، والاحتكام إلى المؤسسات بدل القوة.
• ثانيًا: أزمة بناء الدولة والمؤسسات:
السؤال لا يتعلق فقط بمن يحكم السودان، وإنما بنوعية الدولة التي نريد بناءها. فالدولة لا تقوم بالحكومة وحدها، وإنما بالمؤسسات والقوانين والإدارة والقضاء والأجهزة التي تعمل بصورة مستقرة ومهنية.
ضعف المؤسسات يجعل الدولة أكثر هشاشة، ويجعل الخلاف السياسي قابلًا للتحول إلى صراع على مؤسسات الدولة نفسها. ولذلك فإن إعادة بناء السودان تتطلب بناء مؤسسات قوية ومهنية ومستقلة في وظائفها، واضحة الاختصاصات، خاضعة للقانون والمساءلة، وقادرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات.
• ثالثًا: الأزمة الأمنية والحروب والنزاعات المسلحة:
الحرب ليست حدثًا منفصلًا عن بقية أزمات السودان، وإنما هي نتيجة لتراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية. وعندما تعجز المؤسسات السياسية عن إدارة الاختلاف، وتضعف الدولة، وتتراكم المظالم، تصبح القوة المسلحة وسيلة لحسم النزاعات.
لذلك فإن وقف الحرب يمثل ضرورة عاجلة، لكنه لا يكفي وحده. فالسلام المستدام يحتاج إلى معالجة أسباب النزاع، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، وترتيب العلاقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية، ومعالجة قضايا العدالة والمصالحة وإعادة الإعمار، حتى لا تعود البلاد إلى دورة جديدة من الحرب.
• رابعًا: الأزمة الاقتصادية:
الأزمة الاقتصادية هي أكثر الأزمات التي يشعر بها المواطن بصورة مباشرة، من خلال ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخول، والبطالة، وضعف قيمة العملة، وتدهور الخدمات.
لكن هذه المظاهر ليست سوى جزء من المشكلة. فالأزمة الاقتصادية ترتبط بضعف الإنتاج، والحرب، وتدمير البنية التحتية، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية، وضعف الاستثمار، واختلال إدارة الموارد.
والسودان لا يعاني من انعدام الموارد، وإنما من ضعف القدرة على تحويل موارده إلى اقتصاد منتج ومستدام. ولذلك فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي ينبغي أن يقوم على الإنتاج، والتصنيع، والاستثمار، وإصلاح المالية العامة، وتحسين بيئة الأعمال، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد.
• خامسًا: أزمة التنمية والتفاوت بين الأقاليم:
السودان ليس متشابهًا في موارده واحتياجاته وظروفه بين إقليم وآخر. ولذلك فإن تفاوت التنمية والخدمات والبنية التحتية بين المناطق يمثل مشكلة تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى الجانب السياسي والاجتماعي.
عندما يشعر مجتمع أو إقليم بأن فرصه في التنمية أو الخدمات أو المشاركة أقل من غيره، فإن ذلك يمكن أن يتحول إلى شعور بالتهميش، ثم إلى احتجاج سياسي أو اجتماعي.
ولهذا فإن التنمية المتوازنة ليست مجرد مسألة بناء طرق ومدارس ومستشفيات، وإنما هي جزء من بناء الاستقرار الوطني، وتحتاج إلى رؤية تعترف بخصوصية الأقاليم وإمكاناتها واحتياجاتها ضمن مشروع وطني متكامل.
• سادسًا: الأزمة الاجتماعية:
الحرب والفقر والنزوح والبطالة وتراجع الخدمات تركت آثارًا عميقة في المجتمع السوداني. لكن الأزمة الاجتماعية لا تقف عند هذه النتائج، وإنما تمتد إلى تراجع الثقة بين الناس، وتصاعد الاستقطاب، وضعف الروابط الاجتماعية، وتحول بعض الاختلافات الطبيعية إلى مصادر للصراع.
لذلك فإن إعادة بناء السودان تحتاج إلى إعادة بناء المجتمع نفسه، وإعادة الثقة بين مكوناته، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة دمج النازحين والمتضررين، ودعم المصالحات المحلية، وبناء ثقافة تقبل الاختلاف وتحترم التنوع.
• سابعًا: أزمة التعليم والصحة والخدمات الأساسية:
التعليم والصحة والخدمات الأساسية ليست قضايا خدمية هامشية، وإنما هي أساس بناء الدولة والمجتمع. فإذا انهار التعليم، تراجع إعداد الأجيال القادمة، وإذا تدهورت الصحة، تراجعت قدرة المجتمع على العمل والإنتاج، وإذا غابت الخدمات الأساسية، فقد المواطن ثقته في الدولة.
لذلك فإن إعادة بناء التعليم والصحة يجب ألا تقتصر على إعادة فتح المدارس والمستشفيات، وإنما ينبغي أن تشمل إصلاح المؤسسات، وتأهيل الكوادر، وتحسين جودة التعليم والخدمات، وتطوير البنية التحتية، وضمان وصولها بصورة عادلة إلى مختلف المناطق.
• ثامنًا: أزمة الإدارة العامة والحوكمة:
قد تكون لدى الدولة سياسات جيدة، لكنها لن تنجح إذا كانت الإدارة التي تنفذها ضعيفة. ولذلك فإن إصلاح الإدارة العامة يمثل أحد المفاتيح الأساسية لإصلاح السودان.
الدولة تحتاج إلى جهاز إداري مهني، يقوم على الكفاءة والاستقرار والشفافية والمساءلة، بعيدًا عن المحسوبية والتسييس المفرط. كما تحتاج إلى أن يكون اختيار المسؤولين قائمًا على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز.
فالإدارة هي التي تحول القرار السياسي إلى واقع، ولذلك فإن إصلاحها جزء أساسي من أي مشروع وطني للإصلاح.
• تاسعًا: أزمة الهوية والعلاقة بين مكونات المجتمع:
السودان بلد متنوع ثقافيًا ولغويًا واجتماعيًا وتاريخيًا، وهذا التنوع في حد ذاته ليس مشكلة. المشكلة تظهر عندما يتحول الاختلاف إلى شعور بالتفوق أو الإقصاء أو التمييز أو عدم المساواة.
ولهذا فإن المطلوب ليس البحث عن هوية تلغي بقية الهويات، وإنما بناء مفهوم وطني يستوعب التنوع السوداني، ويجعل المواطنة المتساوية أساسًا للحقوق والواجبات.
إن السودان يحتاج إلى هوية وطنية قادرة على الجمع لا الإقصاء، وعلى الاعتراف بالتعدد لا إنكاره.
• عاشرًا: أزمة العلاقة بين المركز والأقاليم:
هذه الأزمة ترتبط بتاريخ طويل من تركّز السلطة والموارد وصناعة القرار في المركز، مقابل ضعف قدرة الأقاليم على إدارة شؤونها والمشاركة الفاعلة في صناعة القرار الوطني.
ولا تعني معالجة هذه المشكلة إضعاف الدولة أو تفكيكها، وإنما تعني إعادة تنظيم العلاقة بين مستويات الحكم بصورة أكثر توازنًا، وتحديد الاختصاصات، وتوزيع الموارد، وتمكين الأقاليم من إدارة شؤونها في إطار دولة موحدة.
وهنا يصبح شكل الدولة ونظام الحكم ومستويات توزيع السلطة من القضايا التي تحتاج إلى نقاش وطني عميق بعيدًا عن التخويف والشعارات.
• الحادي عشر: أزمة الموارد والإنتاج:
السودان يمتلك إمكانات كبيرة في الزراعة والثروة الحيوانية والمياه والمعادن والطاقة والموارد البشرية، لكن امتلاك الموارد لا يعني تلقائيًا تحقيق التنمية.
المشكلة الأساسية تكمن في ضعف إدارة هذه الموارد، وضعف البنية التحتية، ومحدودية التصنيع، وغياب القيمة المضافة، وعدم كفاية الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
لذلك فإن المطلوب هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على استخراج الموارد أو تصدير المواد الخام إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويصدر منتجات ذات قيمة مضافة، ويوفر فرص العمل ويزيد الإيرادات العامة.
• الثاني عشر: الأزمة الفكرية والمعرفية:
في المستوى الأعمق توجد أزمة تتعلق بطريقة تفكيرنا في السودان ومشكلاته. فكثير من الأزمات ظلت تتكرر لأننا كثيرًا ما ننتقل إلى الحل قبل أن ننجز التشخيص، أو نتعامل مع النتائج بدل الأسباب، أو نستعير حلولًا جاهزة لا تتناسب بالضرورة مع الواقع السوداني.
السودان يحتاج إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي، والجامعات، ومراكز الدراسات، والخبراء والمفكرين، وإلى إقامة علاقة حقيقية بين المعرفة وصناعة القرار.
فالمجتمع الذي لا ينتج معرفة حول مشكلاته يظل أسيرًا لتفسيرات الآخرين وحلولهم. ولذلك فإن بناء العقل السوداني القادر على التشخيص والتحليل والابتكار يمثل جزءًا أساسيًا من مشروع إعادة بناء الدولة.
● من الأزمات الاثنتي عشرة إلى مشروع الخروج:
هذه الأزمات الاثنتا عشرة ليست جزرًا منفصلة. فالأزمة السياسية تؤثر في مؤسسات الدولة، وضعف المؤسسات يزيد احتمالات الصراع، والحرب تدمر الاقتصاد، وتدهور الاقتصاد يضغط على المجتمع، والتهميش التنموي يمكن أن يتحول إلى مشكلة سياسية، وضعف التعليم والخدمات يضعف قدرة الإنسان على التعافي والإنتاج، بينما يؤدي ضعف المعرفة إلى استمرار معالجة الأزمات بالأساليب القديمة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: أي أزمة نبدأ بها ونترك البقية، وإنما كيف نفهم شبكة العلاقات بينها، ونحدد جذور كل أزمة، ونميز بين الأسباب والنتائج، ثم نرتب أولويات المعالجة.
ومن هنا يرى مركز الروافد للفكر والدراسات السودانية المعاصرة أن السودان يحتاج إلى مشروع وطني يبدأ من التشخيص العلمي، ثم ينتقل إلى تحديد الأولويات، ثم بناء السياسات، ثم تحويل السياسات إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس.
فالخروج من الأزمة السودانية لا يبدأ بإعلان الحل، وإنما يبدأ بفهم الأزمة.
ولا يبدأ بإعادة إنتاج الدولة القديمة، وإنما بطرح السؤال حول الدولة التي نريد بناءها.
ولا يكفي أن ننهي الحرب، وإنما يجب أن نبني الظروف التي تجعل العودة إلى الحرب أقل احتمالًا.
ولا يكفي أن نعالج الاقتصاد، وإنما يجب أن نبني اقتصادًا منتجًا.
ولا يكفي أن نتحدث عن الوحدة، وإنما يجب أن نبني دولة يشعر فيها السودانيون بأن اختلافهم لا ينتقص من مواطنتهم.
وهذه هي النقطة التي يمكن أن يبدأ منها الحوار الفكري الجاد حول مستقبل السودان:
اولا: تشخيص الأزمات .
ثانيا: فهم جذورها.
ثالثا: ترتيب أولوياتها.
ثم بناء مشروع وطني للخروج منها.

تعليق واحد

  1. اقتباس :
    (ولا يكفي أن ننهي الحرب، وإنما يجب أن نبني الظروف التي تجعل العودة إلى الحرب أقل احتمالًا.).. نهاية الاقتباس.

    وهنا مربط الفرس، نعم اذا انتهت هذه الحرب ستبدأ حرب جديدة أشد حدة، وكما يقول المثل العامي (,دخلت نملة واخدت حبة وخرجت ..)..

    بعد نهاية الحرب ستظهر حركات جديدة خاصة في دارفور، ربما تحت مسميات مختلفة عن سابقاتها، وتتوالد تلك الحركات وتنتشر،وتحمل السلاح للدفاع عن المهمشبن (الجدد) الذين لم ينالوا من كعكة السلطة ،وتهدد وتتوعد، بهدم العمارات وقفل السدود علي النيل حتي لا تصل المياه والكهرباء لديار الجلابة العنصريين..

    وحجتهم ان دارفور ليس بها سدود، كل السدود في أرض( الجلابه), وربما يطالبون بأن يكون لهم انهار في دارفور اسوة ببلاد النيلين!!. وهكذا دواليك…

    ..استاذ زكريا كل هذه الافكار والحلول التي ذكرت ستكون حبرا علي ورق، يستحيل تطبيقها علي أرض الواقع ،في بلاد وصل فيها الانقسام المجتمعي ذروته بعد حرب طي الخرطوم.الكل يتربص بغيره، حتي تحين الفرصة لينفث مافي صدره من غل وحقد،ينهب،يغتصب،يقتل ويدمر..

    دارفور خالية تماما من مواطني بلاد النيلين من تسمونهم بالجلابة، بينما تعج بلاد النيلين بالدارفوريين، الذين سمح لهم اهلنا بالاقامة بين ظهرانيهم،رغما عن ذلك مازالوا في نهجهم الذي جبلوا عليه، عصابات النهب المسلح ،والقتل ،والتهديد بدم حدو الركب.واحتلال المدن والقري والنجوع..

    التعايش السلمي بين المجتمعات الدارفورية، وشعوب بلادالنيلين اصبح ضربا من المستحيل.

    ويبقي خيار تقسيم السودان هو الخيار الذي لا بديل له.

    واخر دعوانا للدارفوريين،اذهبوا فأنتم الطلقاء.

    … .. التقسيم سمح ……..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..