
عاطف عبد الله
جاء حديث الأستاذ قرشي عوض، في بثه على صفحته بالفيسبوك يوم 5 أكتوبر 2026، بعنوان “خصومة قلبي… أو ترتيب الأولويات”، ليحرّك ساكناً في علاقة ظلت خلال الفترة الماضية محكومة بدرجة عالية من التوتر والقطيعة بين الحزب الشيوعي السوداني والتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صمود.
وأحسب أن أهمية حديث قرشي لا تأتي فقط من صراحته في الدفاع عن موقف حزبه، وإنما أيضاً من طريقته في تناول الخلاف مع القوى المدنية الأخرى. فقد رفض أن تتحول “المكاواة” السياسية إلى بديل عن الحوار، أو أن تصبح الاتهامات الجاهزة وسيلة للهروب من مناقشة جوهر الاختلاف، ودعا إلى إدارة الخلاف بصورة عقلانية وحضارية.
وهذه خطوة تستحق الإشادة.
فقد أصاب قرشي حين حذّر من الخطاب الذي يتقمص شخصية الحزب الشيوعي ويتحدث باسمه، ثم يستثمر خلافاته مع القوى المدنية الأخرى ليصنع له صورة لا تعبّر عن مواقفه المعلنة، أو يدفعه، من حيث يدري أو لا يدري، إلى مربع يخدم أجندة خصومه. وقد وجدت مثل هذه المحاولات طريقها إلى بعض المنصات والغرف الإعلامية والحسابات الإلكترونية التي تستثمر في الخلافات داخل الصف المدني، وتسعى إلى توسيع الفجوة بين الحزب الشيوعي و”صمود” وسائر القوى المدنية المناهضة للحرب.
ولا مشكلة، بالطبع، في نقد الحزب الشيوعي أو مناقشة مواقفه السياسية والاقتصادية والفكرية؛ فهذا حق لا خلاف عليه. لكن المشكلة تبدأ حين يتجاوز النقد حدوده الطبيعية، فيتحول إلى اختلاق صورة عن الطرف الآخر، أو التحدث باسمه، أو تفسير مواقفه بغير ما يقول هو عن نفسه، ثم بناء الخصومة على هذه الصورة المصطنعة.
وقد أسهم هذا الخطاب، إلى حد بعيد، في تعميق المسافة بين الحزب الشيوعي و«صمود»، كما ساهمت في ذلك مواقف بعض الشيوعيين أو المحسوبين على الحزب ممن سايروا خطاب القطيعة، ومنحوه، من حيث لا يقصدون، مساحة أوسع مما يستحق.
الخلاف ليس المشكلة… بل طريقة إدارته
الأهم في حديث قرشي أنه لم يكتفِ برفض الاتهام القائل إن الحزب الشيوعي متحالف سراً مع الإسلاميين، وإنما ذهب إلى ما هو أبعد: الخلاف ليس هو المشكلة، وإنما طريقة إدارة الخلاف.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
فحين يربط قرشي بعض الخلافات مع صمود بقضايا اقتصادية، مثل اقتصاد السوق ورفع الدعم عن السلع والوقود، فإنه يعيد النقاش إلى موضعه الطبيعي: الفكرة تُناقش بالفكرة، والسياسة بالسياسة، والبرنامج بالبرنامج.
ومن حق الحزب الشيوعي أن يرى في بعض التوجهات الاقتصادية المطروحة داخل القوى المدنية توجهاً لا ينسجم مع رؤيته، وأن يدافع عن تصوراته في قضايا الدعم والخدمات والعدالة الاجتماعية وحق المواطن في الغذاء والعلاج والتعليم. لكن وجود خلافات من هذا النوع لا يجعل من صمود خصماً وجودياً للحزب، ولا يحول الاختلاف الاقتصادي إلى مبرر للقطيعة السياسية.
بل إن حديث قرشي نفسه يقود إلى السؤال الأهم:
إذا كان الخلاف حقيقياً، فلماذا لا يكون الحوار حوله حقيقياً أيضاً؟
صمود تحالف واسع وليست حزباً منافساً
أحسب أن من الضروري، في هذا السياق، تصحيح صورة “صمود” نفسها.
صمود ليست حزباً سياسياً منافساً للحزب الشيوعي، وليست تنظيماً أيديولوجياً موحداً له برنامج فكري واقتصادي واحد. إنها تحالف سياسي ومدني واسع أعلن عن نفسه في فبراير 2025، بعد فك الارتباط داخل “تقدم” بين القوى الرافضة لتشكيل حكومة موازية والقوى المؤيدة لها.
وضمت الصيغة الجديدة قوى سياسية ومهنية ونقابية ولجان مقاومة ومكونات من المجتمع المدني، من بينها حزب الأمة القومي، والمؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي، والتحالف الوطني السوداني، وحزب البعث القومي، والحزب القومي السوداني، والوطني الاتحادي الموحد، وحزب التواصل، والحزب الناصري، وحركة حق، والحزب الوطني الاتحادي، والحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي، والجبهة الشعبية المتحدة، إلى جانب مكونات مهنية ونقابية ومدنية أخرى.
وهذا التنوع ليس تفصيلاً عابراً، بل هو جوهر طبيعة “صمود”
ليس من المعقول أن يُطلب من هذا الطيف الواسع أن يتطابق فكرياً أو اقتصادياً في كل شيء. لكل مكوّن تاريخه السياسي ورؤيته الاجتماعية والاقتصادية وموروثه الفكري. وما يجمع هذه المكونات هو حد أدنى من الاتفاق حول قضايا وطنية كبرى، في مقدمتها وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، وبناء دولة المواطنة، وتحقيق العدالة والمحاسبة، ورفض عودة النظام السابق وإعادة إنتاج الشمولية.
وهذا ما أكدته صمود منذ إعلانها، كما أكدته وثيقتها السياسية التي أُجيزت في يونيو 2025، والتي طرحتها للرأي العام ودعت إلى مناقشتها وإبداء الملاحظات النقدية حولها، إلى جانب الدعوة إلى تكوين أوسع تيار مدني لإنهاء الحرب والتوافق على مشروع وطني مشترك يقوم على هذه الثوابت والأهداف الرئيسية:
· الإيقاف الفوري للحرب: تعتبر الرؤية أن وقف الحرب المدمرة والكارثة الإنسانية هو الأولوية القصوى والمدخل الحقيقي لأي عملية سياسية مستدامة.
· هيكلة الفترة الانتقالية والتأسيسية: اقترح التحالف في وثائقه هيكلة إدارية وفترات انتقالية وتأسيسية تمتد لترسيخ أسس الحكم الديمقراطي ومعالجة جذور الأزمة السودانية.
· بناء جيش مهني واحد: التأكيد على قيام جيش مهني قومي واحد ينهي تعدد الجيوش ويحمي حدود البلاد وسيادتها وينأى تماماً عن العمل السياسي.
· دولة المواطنة المدنية: إرساء قواعد نظام حكم ديمقراطي فيدرالي يقوم على أساس المواطنة المتساوية، وفصل الدين عن الدولة أو الحياد التام تجاه الهويات والثقافات المتعددة في السودان.
· العدالة الانتقالية: التشديد على محاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم وضمان عدم الإفلات من العقاب كجزء لا يتجزأ من العدالة والإنصاف للضحايا.
· رفض الإقصاء وعودة الشمولية: يرفض التحالف في أدبياته ومواثيقه أي محاولات لعودة النظام القديم أو واجهاته (الإسلاميين) أو الدخول في تسويات شكلية تعيد إنتاج الأزمات السابقة.
ومن هنا، فإن مناقشة صمود ينبغي أن تبدأ من فهم طبيعتها كتحالف واسع، ومن خلال أهدافه وبرامجه لا من افتراض أنها حزب واحد ذو عقيدة سياسية واقتصادية موحدة.
هل أغلقت صمود باب الحوار؟
وهنا أختلف مع إحدى المقدمات التي يمكن أن تُفهم من حديث قرشي.
ليس دقيقاً، في تقديري، تصوير الأمر كما لو أن صمود أغلقت بابها أمام الحزب الشيوعي ورفضت الاستماع إلى اعتراضاته.
فالوقائع المنشورة تقول إن الحزب الشيوعي تلقى دعوة للمشاركة في المؤتمر التأسيسي لـ”تقدم”، لكنه أبلغ بأنه لن يشارك بسبب التباين في الرؤى، وهو ما أكده القيادي بالحزب كمال كرار لاحقاً. وبعد قيام صمود، أشار الناطق باسم التحالف آنذاك، بكري الجاك، إلى أن الحزب الشيوعي أصبح خارج دائرة تحركات التحالف للتواصل مع القوى السياسية والمدنية، وربط ذلك بموقف الحزب من التعامل مع التحالفات والكتل السياسية.
وفي المقابل، لم تغلق صمود بعد إعلانها عن نفسها باب النقاش، بل طرحت رؤيتها السياسية على قوى وتنظيمات مختلفة، وأرسلتها إلى عدد منها مرفقة بدعوات لمناقشتها، كما أعلنت ترحيبها بالملاحظات النقدية عليها.
وهذه واقعة لا ينبغي تجاوزها في أي نقاش منصف.
يمكن للحزب الشيوعي أن يملك أسباباً عديدة للاعتراض على صمود، ويمكنه أن يرفض التحالف معها، وأن يحتفظ باستقلاله التنظيمي والسياسي، وأن يطرح تحفظاته على مواقفها أو مواقف بعض مكوناتها. كل ذلك مشروع.
لكن ينبغي التمييز بوضوح بين رفض التحالف ورفض الحوار.
فالاستقلال السياسي حق مشروع، أما القطيعة فليست قدراً.
وإذا كان الخلاف عميقاً، فإن ذلك يجعل الحوار أكثر ضرورة، لا أقل؛ لأن الخلاف الذي لا يجد طريقه إلى طاولة النقاش يتحول بمرور الوقت إلى سوء فهم، ثم إلى أحكام مسبقة، ثم إلى خصومة تستفيد منها الأطراف التي لا تريد لهذا الصف المدني أن يتماسك.
صمود ليست مشروعاً لتصفية الحزب الشيوعي
هناك أيضاً مبالغة لا تساعد على فهم العلاقة حين تُصوَّر صمود وكأنها جسم نشأ لمنافسة الحزب الشيوعي على جماهيره، أو لمزاحمته على موقعه التاريخي، أو لوراثة دوره داخل الحركة الجماهيرية.
صمود ليست حزباً بديلاً عن الحزب الشيوعي، ولا تنظيماً أيديولوجياً ينافسه على تمثيل الطبقة العاملة أو الجماهير الشعبية، ولا مركزاً فكرياً يسعى إلى إزاحته من موقعه التاريخي.
إنها كتلة سياسية ومدنية واسعة تضم مكونات متباينة الاتجاهات، يجمعها حد أدنى من الأهداف المشتركة، بينما تحتفظ كل منها ببرنامجها وهويتها واستقلالها السياسي.
ولهذا فإن صمود لا تحتاج إلى تصفية الحزب الشيوعي، ولا إلى وراثته، ولا تملك أصلاً القدرة أو المهمة للقيام بذلك.
والتاريخ السوداني نفسه شاهد على استحالة مثل هذا التصور. فإذا كانت الأنظمة الديكتاتورية وأجهزتها الأمنية، بما امتلكته من سجون وقمع وملاحقة وأدوات دولة، قد عجزت عن اقتلاع الحزب الشيوعي من الحياة السياسية السودانية، فمن غير المنطقي افتراض أن تحالفاً مدنياً متعدد المكونات هو الذي سيقوم بهذه المهمة.
والسؤال الأجدر ربما ليس: ماذا تريد صمود أن تفعل بالحزب الشيوعي؟ وإنما: كيف يدير الحزب الشيوعي علاقته بالقوى المدنية الأخرى بما يحفظ استقلاله ويمنع استنزافه في معارك جانبية؟
فالحزب الذي صمد أمام القمع الخارجي لعقود ينبغي ألا يسمح للخلافات السياسية وسوء إدارة العلاقات مع الآخرين بأن تستنزفه أكثر مما فعلت به أدوات القمع القديمة.
الاختلاف مشروع… والقطيعة ليست كذلك
من حق الحزب الشيوعي أن يعارض أي تقارب مع قوى يرى أنها أخطأت في الماضي، وأن يبدي تحفظاته على علاقات بعض مكونات صمود الإقليمية والدولية، وأن يختلف معها حول الاقتصاد والسياسات الاجتماعية وشكل الدولة وطبيعة المرحلة الانتقالية والعلاقات الدولية وغيرها.
وجود هذه الاختلافات أمر طبيعي في أي فضاء سياسي ديمقراطي.
لكن المطلوب أن يكون ذلك نقداً للسياسات والبرامج والمواقف، لا حكماً مسبقاً على التحالف كله، ولا سبباً لتصويره باعتباره عدواً ينبغي عزله أو محاصرته.
وفي المقابل، فإن على صمود أن تستمع فعلاً إلى هذه الانتقادات، وأن ترد عليها بالحجة، وأن تراجع ما يستحق المراجعة. فالتحالف الذي يرفع راية الديمقراطية لا ينبغي أن يخشى النقد، بل ينبغي أن يعتبره أحد شروط حيويته.
وهنا تتضح قيمة ما طرحه قرشي عوض: الخلاف مفيد، أما الضرر ففي طريقة إدارته.
فلنبدأ الحوار
لهذا، فأنا ألتقط ما طرحه الأستاذ قرشي وأقول: فلنبدأ الحوار من النقطة التي اقترحتها أنت نفسك.
ليس حواراً بروتوكولياً، ولا اجتماع مجاملات، ولا محاولة لصناعة اتفاق مصطنع، بل حواراً ديمقراطياً عقلانياً وصريحاً يناقش على سبيل المثال لا الحصر:
· لماذا رفض الحزب الشيوعي صمود؟
· ما هي أسبابه السياسية والفكرية والتنظيمية؟
· ما اعتراضاته على وثائق التحالف؟
· ما تحفظاته على مواقف بعض مكوناته؟
· وأين أصاب الحزب، وأين يمكن أن يكون قد أخطأ؟
· وأين أصابت صمود، وأين تحتاج إلى مراجعة وتصحيح؟
· هذه الأسئلة كلها مشروعة.
· وليست هناك حاجة لأن يدخل أي طرف إلى الحوار بشرط أن يتنازل الآخر عن موقفه قبل أن يبدأ النقاش.
· فليس مطلوباً من الحزب الشيوعي أن ينضم إلى صمود، كما أنه ليس مطلوباً من صمود أن تتبنى برنامج الحزب الشيوعي.
المطلوب أن يجلس الطرفان.
أن يسمع كل طرف الآخر، وأن يطرح الحزب اعتراضاته كاملة، وأن تستمع صمود إليها وتجيب عنها كاملة، ثم يقرر كل طرف بعد ذلك ما الذي يبقي عليه من موقفه وما الذي يحتاج إلى مراجعة.
فهذه هي الديمقراطية التي ندافع عنها.
ووحدة الهدف والعمل السياسي لا تستلزم بالضرورة وحدة التفكير والاجتهاد. بل إن الاختلاف، متى أُدير بصورة صحيحة، يمكن أن يكون وسيلة لتصحيح المسار لا لتدمير العلاقة.
وهنا يحق لنا أن نستعيد مقولة الامام الشافعي:
“رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب”.
فليس لأحد أن يدّعي احتكار الحقيقة، أو احتكار الوطنية، أو احتكار صفة القوى الثورية.
الحزب أكبر من لحظته الراهنة
الحزب الشيوعي ليس ملكاً لقياداته الحالية، ولا لتقديرات لحظته السياسية الراهنة. إنه تاريخ طويل من النضال والتضحيات والتجارب والاجتهادات، وهو أوسع من أي مجموعة داخله.
ولهذا فإن للشيوعيين ومناضلي الحزب ومثقفيه وكوادره حقهم في التفكير والاجتهاد، والاختلاف، والنقد، والمراجعة.
فاحترام التاريخ لا يعني تحويله إلى حصانة من النقد، كما أن احترام القيادة لا يعني تعطيل حق القواعد والكوادر والمثقفين في السؤال والمراجعة.
والحزب الذي يريد أن يبقى حياً ومتجدداً لا يخشى مراجعة مواقفه، ولا يعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة، ولا يرى في الحوار مع المختلفين تنازلاً عن استقلاله.
ترتيب الأولويات
لقد أصاب قرشي عوض في عنوان حديثه: “خصومة قلبي… أو ترتيب الأولويات”.
فالسودان اليوم يحتاج بالفعل إلى ترتيب الأولويات.
ليس من المعقول أن يستمر استنزاف القوى المدنية في معاركها الداخلية، بينما تتواصل الحرب، ويتسع النزوح، وتتفاقم الأزمة الإنسانية، ويضعف المجال المدني، وتبحث القوى التي صنعت الاستبداد أو استفادت منه عن طريق للعودة.
الأولوية الآن هي إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، ومنع إعادة إنتاج الشمولية، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، وبناء دولة المواطنة، وتحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وهذه القضايا أكبر من أي حزب، وأكبر من أي تحالف.
وإذا كان هناك اتفاق على هذه المبادئ الأساسية، فإن الخلاف فيما عداها ينبغي ألا يتحول إلى حرب داخل الحرب.
السودان لا يحتاج اليوم إلى انتصار حزب على حزب، ولا إلى انتصار تحالف على تحالف، وإنما يحتاج إلى انتصار المشروع المدني الديمقراطي على مشروع الحرب والاستبداد والشمولية.
ومن هنا، فإن حديث الأستاذ قرشي عوض يستحق أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لفتح باب ظل مغلقاً أكثر مما ينبغي.
وأنا ألتقط هذه الدعوة وأقول:
فلنفتح الباب.
فلنتحاور بلا شروط مسبقة، ولنختلف بلا تخوين، وليناقش بعضنا بعضاً في العلن كما يليق بمن يريد بناء دولة ديمقراطية.
فالخلاف لا يخيفني، وإنما تخيفني القطيعة.
والاختلاف لا يهدد صمود، كما لا يهدد الحزب الشيوعي، لكن استمرار القطيعة بين قوى مدنية ديمقراطية في لحظة تاريخية بالغة الخطورة قد يهدد الجميع.
قوة صمود في قوة الحزب الشيوعي، وقوة الحزب الشيوعي في قوة صمود، وقوة الاثنين معاً في قوة الحركة المدنية الديمقراطية. وليس من مصلحة أي منهما أن يعمل على إضعاف الآخر أو التشكيك في دوره أو الانتقاص من رصيده السياسي والجماهيري.
فليتوقف الطرفان عن تكسير مجاديف بعضهما البعض، وعن إطلاق السهام المتبادلة، وليركزا جهدهما على ما يجمعهما، حتى يفوتا على المتربصين الفرصة التي ينتظرونها لإضعاف الصف المدني وتوسيع شقوقه.
فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الصف المدني، وإنما ضد الحرب والفلول وتجار الحرب وكل مشروع يريد إعادة السودان إلى الاستبداد أو إبقاءه أسيراً للعنف والدمار.
ومن هنا، فإن التنسيق بين الحزب الشيوعي وصمود لا يعني ذوبان أحدهما في الآخر، ولا التخلي عن الاستقلال التنظيمي والسياسي والفكري، وإنما يعني أن يعرف كل طرف أين يمكن أن يعمل مع الآخر لخدمة هدف مشترك، وأين يحتفظ باختلافه وموقفه المستقل.
التنسيق لا يلغي الاختلاف، والاختلاف لا يبرر القطيعة.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الطرفين: أن يثبتا أن الديمقراطية ليست فقط شعاراً نطالب به خصومنا، وإنما سلوك نمارسه أيضاً مع حلفائنا ومختلفينا داخل المعسكر المدني.
فلنختلف كما نشاء، ولكن فلنختلف ونحن جالسون إلى مائدة واحدة، لا ونحن نتبادل الضرب من الخنادق.
الحوار أولاً، والتنسيق حيثما أمكن، وتوحيد الجهد في مواجهة العدو الحقيقي، حتى نفوّت الفرصة على المتربصين، ونحفظ للسودان طريقه إلى السلام والدولة المدنية الديمقراطية.
ذلك هو ترتيب الأولويات.
وذلك هو الحوار الذي يستحق أن يبدأ الآن، لا غداً.




“صمود ليست مشروعاً لتصفية الحزب الشيوعي”
من اين جاء اتهام الشيوعى بالتحالف مع الكيزان؟ّّّ!!!ّ!