قبل أفولهم الأخير… لا تزال جُرَب الكيزان تنضح إرهاباً!!

■ والأخطر أن رشا عوض ليست أمام سابقة أولى؛ فهناك توثيق منشور يعود إلى أبريل ٢٠٢٣ عن تعرضها لتهديدات بالتصفية، كما كتبت هي لاحقاً عن صفحات قالت إنها محسوبة على أنصار النظام السابق وحرضت على قتلها أو اعتقالها، ما يجعل تهديد أكتوبر ٢٠٢٦ جزءاً من سياق أوسع من الاستهداف المتكرر، لا حادثة منفصلة بلا جذور. لكن الذي يجعل قضية “أميرة كرار” أكثر إثارة للقلق هو أن رشا ليست الهدف الأول. ففي مارس الماضي ظهر نص منسوب إلى الاسم نفسه يستهدف خالد عمر يوسف، وقد تناول الكاتب نزار عثمان السمندل ذلك المنشور في مقال بعنوان “إرث الكيزان البندقية في وجه الجميع”، ووصفه بأنه دعوة إلى التصفية الجسدية لخالد عمر، ولاحظ أن لغته تستعير قاموس الحركة الإسلامية السودانية في سنوات سطوتها. وهذا توصيف وتحليل للكاتب، وليس دليلاً على أن صاحبة الحساب عضو في الحركة الإسلامية أو تعمل لحسابها؛ لكن أهميته أنه يثبت أن التشابه بين هذا الخطاب وبين قاموس الإسلاميين لم يُكتشف بعد واقعة رشا عوض، وإنما لوحظ منذ بدايات نشاط الحساب نفسه. ثم جاء الدور على الدكتور النور حمد. ففي منشور مؤرخ في ٨ مايو ٢٠٢٦ ومحفوظ نصه في أرشيف سودانيز أونلاين، لم تكتف “أميرة كرار” باتهام الرجل بالعمالة والخيانة؛ بل سألت عن “المخابرات” و”القناصة” وهاجمت الأجهزة والكتائب لأنها تركته حياً، ثم قالت صراحة إنه لا يحتاج إلى رد فكري أو مناظرة سياسية وإنما إلى “رصاصة حق”. والبنية نفسها كانت حاضرة في النص المنسوب إلى الحساب ضد خالد عمر يوسف؛ تخوين، ثم تحميل للهدف مسؤولية الخراب، ثم استدعاء للمخابرات والكتائب، ثم انتقال إلى لغة “القصاص” و”التصفية الجسدية”. وفي ٢٥ مارس أعادت صفحة تحمل اسم “شبكة الميثاق الإخبارية” نشر تعليق منسوب إلى “د. أميرة كرار” يدافع صراحة عن الحركة الإسلامية في مواجهة قرار أمريكي ويقول إن واشنطن لن تستطيع إطفاء “جذوة الحركة الإسلامية”. وهذه الواقعة تثبت موقفاً سياسياً معلناً في النص المنسوب إلى الحساب؛ لكنها لا تثبت وحدها علاقة تنظيمية بين صاحبه والحركة أو أي جهاز تابع لها.
■ وهنا بالضبط يبدأ السؤال؛ من هي “د. أميرة كرار”؟ المعلومات التي وثقها ياسر الشريف من صفحة فيسبوك في مايو الماضي كانت تقول إن الحساب يقدم نفسه بصفة “دكتورة”، ويربط نفسه بجامعة الخرطوم وإسطنبول، ويصف نفسه بأنه “ديجيتال كريتور” (Digital Creator)، لكن بيانات فيسبوك الظاهرة آنذاك قالت إن الحساب انضم إلى المنصة في ٦ يوليو ٢٠٢٥ فقط. وحتى الآن لم يظهر من المصادر المفتوحة التي أمكن فحصها سجل أكاديمي أو مهني مستقل يسمح بربط صاحبة هذه الكتابات بشخصية عامة موثقة تحمل الاسم والسيرة نفسيهما. وغياب ذلك السجل لا يثبت أن الشخصية مزيفة؛ لكنه، مقترناً بحداثة الحساب وخطورة ما ينشره، يجعل سؤال الهوية مشروعاً ومُلِحاً. بل إن صورة المرأة المستخدمة مع الحساب لا تحل اللغز. لدينا صورة متداولة لامرأة في بورتريه احترافي بالأبيض والأسود، تبدو في منتصف الثلاثينات من العمر، ولدينا توثيق بأن الحساب كان يستخدم صورة بروفايل؛ لكننا لا نملك حتى الآن مصدراً مستقلاً يثبت أن المرأة الظاهرة في الصورة هي صاحبة الكتابات فعلاً، كما لم نجد دليلاً موثقاً على أن الصورة مسروقة من امرأة أخرى. ولذلك فإن التحقيق المسؤول لا يقول إن الصورة مزيفة ولا يقول إنها حقيقية؛ بل يقول إن الهوية الرقمية المعروضة لم تتحول بعد إلى هوية شخصية موثقة يمكن مساءلتها ومراجعة سيرتها. وحتى الشك في حقيقة هذه الشخصية لم يبدأ اليوم. فعندما نُشر نص التحريض ضد النور حمد في مايو، دار نقاش علني في سودانيز أونلاين حول ما إذا كانت “أميرة كرار” شخصية حقيقية أصلاً، وذهب مشاركون إلى احتمال أن يكون الاسم مستعاراً أو الهوية غير حقيقية. وهذه أيضاً آراء وليست أدلة؛ لكن أهميتها أنها تكشف أن طبيعة الحساب وطريقته أثارت الشك قبل أشهر من التهديد الأخير ضد رشا عوض. ولا يجوز هنا أن نرتكب الخطأ نفسه الذي ننتقده؛ فلا دليل متاح حتى الآن يثبت أن “أميرة كرار” ضابطة في جهاز المخابرات، أو أن الحساب يُدار من غرفة أمنية، أو أن الحركة الإسلامية أصدرت تعليمات بإنشائه. القول بذلك كحقيقة سيكون قفزة تتجاوز الأدلة. ولكننا نملك شيئاً آخر لا يقل أهمية؛ نمطاً يمكن فحصه. أهداف متكررة من المدنيين والصحفيين والمفكرين؛ قاموساً ثابتاً من “العمالة” و”الخيانة” و”القصاص”؛ استدعاءً متكرراً للمخابرات والكتائب والقناصة؛ ودعوات صريحة إلى التصفية عندما يعجز الخطاب السياسي عن الرد على الخصم. وهذه ليست استنتاجات عن نوايا مخفية؛ إنها موجودة في الكلمات المنشورة نفسها.
■ العنف في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية لم يكن يوماً طارئاً عليها عند حرمانها من السلطة؛ فالجامعات نفسها كانت، منذ عقود، أحد ميادينه المبكرة. ففي جامعة الخرطوم وغيرها، وثقت تقارير حقوقية منذ سبعينيات القرن الماضي اشتباكات شارك فيها طلاب موالون للجبهة الإسلامية القومية وهم يحملون السيخ والعصي والقضبان الحديدية والسلاسل والأسلحة البيضاء، بل والأسلحة النارية في بعض الوقائع. وتورد هيومن رايتس ووتش أن مجموعات من طلاب الجبهة الإسلامية كانت تتحرك أحياناً في تشكيلات شبه عسكرية داخل الحرم الجامعي، مسلحة بالقضبان الحديدية وأقفال الدراجات والعصي، وأن العنف كان يندلع خصوصاً حول النشاط السياسي وانتخابات الاتحادات والصراع مع الطلاب المعارضين. وفي واقعة موثقة بجامعة الخرطوم بعد انقلاب ١٩٨٩، احتل طلاب الاتجاه الإسلامي مبنى الاتحاد وهم يحملون العصي والسيخ قبل أن تطردهم مجموعات طلابية أخرى؛ كما وثقت المنظمة لاحقاً مواجهات شارك فيها أنصار النظام بأسلحة بيضاء ونارية. ولم تكن تلك ظاهرة عابرة من سنوات الإنقاذ الأولى. ففي ٢٠٠٥، مثلاً، أفادت تقارير بأن طلاباً موالين للحكومة في الجامعة الأهلية بأم درمان حملوا السيخ والسلاسل والعصي الثقيلة والأسلحة النارية في سياق نزاع حول انتخابات الاتحاد؛ بينما وثق المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام في ٢٠١٥ و٢٠١٦ اعتداءات نفذتها مجموعات طلابية مرتبطة بالمؤتمر الوطني مستخدمة القضبان المعدنية والعصي والسياط والمسدسات، وفي بعض الحالات ارتبطت تلك الاعتداءات بإصابات خطيرة ووفيات. كما وثقت منظمة العفو الدولية أعمال عنف ضد طلاب في جامعات سودانية شاركت فيها، بحسب شهادات جمعتها المنظمة، مجموعات طلابية موالية للحكومة إلى جانب أجهزة الأمن. ولهذا فإن السودانيين الذين عاشوا الجامعات في تلك العقود يعرفون نمطاً تكرر حتى أصبح جزءاً من الذاكرة السياسية؛ إذا خسر الإسلاميون انتخابات اتحاد، أو شعروا بأن منبراً سياسياً أفلت من قبضتهم، أو واجهوا خصماً لم يستطيعوا هزيمته بالحجة، كثيراً ما كانت الساحة تنتقل من النقاش إلى السيخ والعصي والمطاردات. وأتذكر هنا المعنى الذي عبّر عنه المفكر الحاج وراق في إحدى ليالي الثورة؛ أن السودان لم يكن قد رأى بعد الوجه الكامل للعنف الذي يمكن أن يظهر عندما يخسر الإسلاميون السلطة فعلاً، وأن الاختبار الحقيقي سيأتي لحظة الخسارة. وما أعقب الثورة من صراع على السلطة، ثم انقلاب ٢٥ أكتوبر، ثم الانفجار الكارثي في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، انتهى إلى أكبر حرب وخراب وتشريد عرفه السودان في تاريخه الحديث. ولذلك، عندما أقول إن الكيزان لن يذهبوا بهدوء في سكون الليل، فأنا لا أبني ذلك على نبوءة غيبية؛ بل على تاريخ طويل يبدأ من ساحات الجامعات، حيث كان السيخ والعصا كثيراً ما يحضران عندما تفشل السياسة، ويمتد إلى تجربة دولة استخدمت القمع والأمن في مواجهة الخصوم. والخوف اليوم ليس من مجرد خسارتهم لنفوذهم؛ بل من أن تعود القاعدة القديمة نفسها بصورة أكبر؛ إذا عجزوا عن الاحتفاظ بالمشهد، فليختلط المشهد كله، وإذا خسروا السياسة، فليدخل العنف إلى مكانها. وهنا تكمن خطورة المرحلة الأخيرة؛ لأن من اعتاد استخدام الفوضى أداة للصراع قد يرى في انهيار الساحة كلها بديلاً عن الخروج منها خاسراً.
■ المشكلة إذن ليست امرأة مجهولة خلف صورة جميلة واسم أكاديمي؛ المشكلة هي ثقافة سياسية لا تزال الرصاصة تسكن داخل قاموسها. يمكن أن يختلف السودانيون حول رشا عوض حتى نهاية العمر، وأن يرفض بعضهم مواقف النور حمد أو خالد عمر يوسف، وأن يكتبوا ضدهم أقسى المقالات؛ ذلك كله يدخل في السياسة وفي حرية التعبير. أما الانتقال من “أنت مخطئ” إلى “يجب أن تموت”، ومن “أنا أعارضك” إلى “أين القناصة؟”، فليس اختلافاً سياسياً؛ إنه انتقال من المجال المدني إلى منطق العنف. ولهذا أقول إن المعركة مع إرث الحركة الإسلامية ليست فقط مع أسماء قديمة أو مؤسسات أو أموال أو مواقع داخل الدولة؛ إنها أيضاً مع الفكرة التي زرعت طوال عقود أن الوطن ملك للتنظيم، وأن من يختلف معه خائن، وأن الخائن يجوز أن ينال منه السجن أو السلاح أو الرصاص. وقد يكون صاحب حساب “أميرة كرار” فرداً متطرفاً لا علاقة تنظيمية له بأحد؛ وقد يكون اسماً مستعاراً؛ وقد تكشف التحقيقات مستقبلاً شيئاً آخر. هذه الاحتمالات يجب أن تظل مفتوحة إلى أن يظهر الدليل. لكن ما لا يحتاج إلى انتظار أي تحقيق هو إدانة التحريض نفسه. فحين تتكرر الدعوة إلى تصفية خالد عمر يوسف، ثم النور حمد، ثم رشا عوض؛ وحين يُستدعى في كل مرة تقريباً الجهاز والكتائب والرصاصة والقصاص؛ فإن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى المجتمع السياسي السوداني كله هو؛ هل نريد سوداناً تُهزم فيه الفكرة بفكرة، أم سوداناً يظل فيه صاحب الرأي ينتظر أن يعرف أي “رصاصة حق” قرر مجهول أن يخصصها له؟ قد تتراجع التنظيمات، وقد تفقد السلطة، وقد تتبدل موازين الحرب والسياسة؛ لكن التنظيم لا ينتهي حقيقةً ما دام منهجه في تحويل الخصم إلى خائن، والخائن إلى هدف، والهدف إلى جثة محتملة يجد من يعيد إنتاجه. ولهذا، وقبل أي حديث عن أفول أخير، علينا أن نفتش جيداً في جُرَب الكيزان القديمة؛ فما يزال يخرج منها حتى اليوم أحد أخطر موروثات السودان الحديث؛ إرهاب الكلمة تمهيداً لإرهاب الرصاصة.
■ إذاً كيف نمنع هذه التهديدات من أن تنتقل من شاشة هاتف إلى جريمة حقيقية، خصوصاً إذا كان بعض المستهدفين بها هم في الأصل من أبرز خصوم السلطة القائمة أو الخطاب الداعم لها؟ هنا لا يكفي أن نقول؛ “على الدولة أن تحميهم” وكأن الدولة دائماً طرف محايد؛ فالسؤال نفسه يجب أن يظل مفتوحاً حول موقع بعض أجهزة السلطة وخطاباتها من بيئة التخوين والتحريض، من دون القفز إلى اتهام غير مثبت. ولهذا فإن الحماية الحقيقية تبدأ من خارج دائرة الثقة العمياء في المؤسسات؛ بالتوثيق العلني لكل تهديد، وبناء ملفات قانونية مستقلة، وإشراك النقابات ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات الدولية المعنية بحرية الصحافة، والضغط من أجل تحقيقات شفافة يمكن مراقبتها، وكشف الحسابات والشبكات التي تضخم خطاب الكراهية، وعدم ترك المستهدفين فرادى في مواجهة التهديد. وقد طالبت نقابة الصحفيين السودانيين ومرصد الجزيرة لحقوق الإنسان بالفعل بالتحقيق والحماية والمحاسبة في واقعة رشا عوض؛ وهو ما يجعل القضية قضية رأي عام لا شأناً شخصياً بينها وبين حساب مجهول. والانتصار هنا لا يكون فقط بمنع رصاصة واحدة؛ بل بكسر البيئة السياسية التي تجعل التهديد ممكناً ومقبولاً. فعندما يصبح الصحفي أو المفكر أو السياسي المعارض مصنفاً في خطاب أنصار السلطة بوصفه خائناً أو عميلاً أو عدواً للوطن، تصبح المسافة بين التشهير والاستهداف أقصر مما ينبغي. ولهذا يجب أن تكون المواجهة أشمل؛ إعلام يكشف ولا يطبع مع التحريض، نقابات تحمي أعضاءها، منظمات حقوقية تراقب، محامون يلاحقون قانونياً، منصات تُجبر على إزالة الدعوات الصريحة إلى القتل، وجمهور يرفض أن تتحول الخصومة السياسية إلى ترخيص مفتوح للدم. فإذا كان المحرِّض يراهن على الخوف والعزلة، فإن هزيمته تبدأ بتحويل كل تهديد إلى ملف معلن، وكل مستهدف إلى قضية عامة، وكل دعوة إلى القتل إلى عبء سياسي وقانوني على من يطلقها ومن يروّج لها.



