مقالات وآراء

الدولار يقفز… وكل شيء يقفز معه إلا أقدار الناس

يقفز الدولار، ويقفز معه كل شيء في بلادنا، إلا أقدار الناس (في هبوط كما قال الحكيم الطيب صالح ذات يوم) أحوال الناس تزداد بؤسًا وانكسارًا. غلاءٌ غريب يضغط على حياة المواطنين، وأسعار السلع ترتفع بوتيرة متسارعة، بينما تتآكل القدرة الشرائية ويصبح تدبير أبسط الاحتياجات اليومية معركةً شاقة.

وفي الجانب الآخر من المشهد، يسقط الأبرياء كل يوم ضحايا لهجمات المسيّرات والقصف العشوائي. حربٌ لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تمتد آثارها إلى كل تفاصيل الحياة، فتضرب الاقتصاد والزراعة والتعليم والصحة وتدفع الملايين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها.

حتى مواسمنا الزراعية لم تعد بمنأى عن تداعيات الحرب. انقطاع الكهرباء وتدهور البنية التحتية، إلى جانب التغيرات المناخية واضطراب مواسم الأمطار، تهدد إنتاج محاصيل أساسية تعتمد عليها البلاد، مثل الذرة والسمسم والفول السوداني. وإذا فشلت الزراعة، فإن الأزمة لن تتوقف عند المزارع، بل ستصل إلى موائد الناس وأسواقهم وأمنهم الغذائي.

أما النازحون واللاجئون في دول الجوار، فحكايتهم فصل آخر من المعاناة. موارد شحيحة، وغلاء متزايد، وإجراءات ورسوم حكومية تثقل كاهلهم، فضلًا عن تعرض بعضهم للكراهية والعنصرية نتيجة طول أمد الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلدان المضيفة. الإنسان الذي فرّ من الموت بحثًا عن الأمان يجد نفسه أحيانًا في مواجهة أشكال أخرى من القسوة.

وحتى الذين عادوا إلى مدنهم بعد أن ظنوا أن العودة تعني بداية حياة جديدة، اصطدموا بواقع الخدمات المتردي. في العاصمة الخرطوم، على سبيل المثال، يعاني المواطنون من انقطاع الكهرباء والمياه، ومن آثار دمار طال البنية الأساسية التي تقوم عليها الحياة اليومية.

وليس التجار أفضل حالًا. فهم يواجهون الجبايات المتعددة، فضلًا عن عدم استقرار سعر صرف الجنيه، الأمر الذي يجعل حسابات التجارة شديدة الصعوبة ويعرضهم لخسائر متواصلة. وبين ارتفاع تكلفة الاستيراد وتراجع القوة الشرائية للمواطن، يصبح الاقتصاد دائرة مغلقة من الخسائر.

لكن الأزمة الاقتصادية ليست وحدها ما يهدد البلاد. هناك أيضًا اقتصاد الحرب، ذلك الواقع الذي ينشأ عندما تتحول الحرب من كارثة وطنية إلى مصدر مصالح لفئات بعينها. المستفيدون من استمرار الحرب قد لا يرغبون في توقفها؛ بعضهم يخشى خسارة مصالح اقتصادية نشأت في ظلها، وبعضهم يخشى أن تعيده التسوية السلمية إلى مربع التهميش الذي عاشه قبل الحرب. وهنا تصبح الحرب، بدل أن تكون استثناءً مؤقتًا، مصلحةً يسعى أصحابها إلى إطالة أمدها.

غير أن السؤال الأهم هو: إلى متى؟

إلى متى يبقى السودان يدفع ثمن حرب لا تنتهي؟ وإلى متى تستمر أرواح الأبرياء في دفع الفاتورة، بينما تتآكل الدولة ويزداد الفقر وتتسع دائرة النزوح ويتعمق الشرخ الاجتماعي؟

لا حل سوى وقف الحرب.

وقفها حقنًا للدماء، وحفاظًا على وحدة البلاد ومنعًا لتقسيمها مرة أخرى، وإنقاذًا لما تبقى من مؤسساتها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي. ثم يأتي بعد ذلك العمل الأصعب: معالجة آثار الحرب، وإعادة إعمار ما دمرته، وإعادة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، وتعويض المتضررين، ورتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات العنف، وبناء مسار حقيقي للعدالة والمصالحة.

والسلام لا يعني الإفلات من العقاب. فلا بد من محاسبة كل من ارتكب جريمة، أو انتهك حقوق الإنسان، أو اعتدى على المدنيين، وفق القانون والعدالة، بعيدًا عن الانتقام والتشفي.

لقد خسر السودان كثيرًا بسبب الحرب، ولا ينبغي أن يخسر ما تبقى منه. فالبلاد لا تُنقذ بانتصار طرف على طرف، وإنما بإنقاذ الإنسان والدولة والوطن من هذه الحرب.

#لا_للحرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..