مقالات وآراء

للمرة الثانية؛ غارات دامية على معدّنين سودانيين قرب الحدود المصرية، وسط اتهامات للجيش المصري

■ وليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها مناجم الذهب في تلك المنطقة إلى ساحات للموت والدمار؛ فشهادات الناجين ترسم مشهداً مأساوياً يتجاوز الأرقام المجردة إلى تفاصيل الرعب الذي عاشه المعدنون السودانيون. ففي أحدث الهجمات، روى المعدّن ميرغني مالك لصحيفة “سودان تربيون” أن طائرات حربية شنت أكثر من خمس غارات على مواقع التعدين في منجم العقيدات القريب من سوق الأنصاري، مؤكداً نقل ما لا يقل عن عشرين مصاباً لتلقي العلاج، وفرار أعداد كبيرة من المعدنين إلى الجبال، حيث واجهوا العطش والخوف والمجهول. ولم تكن هذه المشاهد جديدة على المنطقة؛ ففي السادس عشر من يونيو الماضي، شهد جبل العقيدات هجمات مماثلة، وصف أحد الناجين تفاصيلها في شهادة نشرها “راديو دبنقا” في اليوم التالي، موضحاً أن الغارات بدأت قرابة السادسة صباحاً، واستهدفت منطقة “رأس الجبل” التي كان يعمل فيها، بحسب تقديراته، ما بين خمسة وسبعة آلاف معدن سوداني، وأن الطائرات ألقت أربع قنابل أو براميل متفجرة على تجمعات المعدنين. وأضاف أنهم أحصوا نحو خمسين قتيلاً، وتحدث عن جثث متفحمة وأشلاء لم تُحصر، وعن تقديرات أولية لاحتمال تجاوز الضحايا المائة قتيل، فضلاً عن خمسين إلى ستين جريحاً؛ وهي أرقام تستند إلى شهادة الناجي ولم تخضع للتحقق المستقل. والأخطر أن الناجي تحدث عن طائرات اعتقد أنها مصرية، قال إنها ظلت تحلق فوق المنطقة خلال الأيام السابقة للهجوم، فيما نسبت شهادات أخرى الغارات إلى القوات المصرية. وفي الخامس والعشرين من يونيو، نشر موقع “مدى مصر” تحقيقاً صحفياً تضمن شهادة معدن سوداني شاب عاصر إحدى الغارات ووثق جانباً مما شاهده بهاتفه. ورغم أن هذه الإفادات لا تشكل دليلاً قاطعاً على هوية الطائرات، فإنها تقدم شهادات محددة تستوجب الفحص والتحقيق، وتكشف عن مأساة إنسانية لا يجوز اختزالها في مجرد حادث حدودي عابر، خصوصاً مع تجدد أنباء القصف بعد أقل من أربعة أشهر من الهجمات السابقة.

■ والأشد إثارة للاستغراب، بل وللاستياء والسخط والاستهجان، هو موقف عبد الفتاح البرهان نفسه من هذه الوقائع. ففي الثاني والعشرين من يونيو الماضي، وبعد أيام من الغارات الدامية، خرج البرهان عن صمته خلال زيارته لمنطقة الرتج الحدودية مع مصر، لكنه لم يبدأ حديثه بإدانة القصف أو إعلان إجراءات دبلوماسية لحماية المواطنين، وإنما قال، بحسب ما نقله “راديو دبنقا”؛ “نسمع أن هنالك أشخاصاً عبروا الحدود إلى مصر وتعرضوا لاعتداء”، ثم دعا السودانيين إلى عدم تجاوز الحدود حتى لا يجلبوا المشكلات لأنفسهم وللدولة، مؤكداً أن السلطات تتحرى وتحقق في ما حدث. وهنا تكمن المفارقة السياسية والأخلاقية؛ فالبرهان، الذي لم يسمِّ الجهة المسؤولة عن الاعتداء، اختار أن يقدم الحادثة للرأي العام من زاوية عبور المواطنين إلى الأراضي المصرية، بينما كان ناجون يؤكدون أن القصف استهدف مواقع للتعدين داخل الأراضي السودانية. وقد أثارت تصريحاته انتقادات واسعة، من بينها انتقادات الصحفية رشا عوض، التي اعتبرتها تبنياً للرواية المصرية وتحميلاً للضحايا مسؤولية ما أصابهم. ونقل “راديو دبنقا” في الثالث والعشرين من يونيو عن ناجين أن موقع القصف يقع بنحو عشرين كيلومتراً داخل الأراضي السودانية؛ وهو تحديد يحتاج إلى تحقق جغرافي مستقل، لكنه كان كافياً ليفرض على البرهان الحذر من تقديم تفسير يستبق نتائج التحقيق. والأكثر دلالة أن الدكتور أمجد فريد، مستشار البرهان للشؤون السياسية والخارجية، كان قد تحدث في الثامن عشر من يونيو عن أحداث وقعت بين القوات المصرية والمعدنين السودانيين، وعن عنف شديد وسقوط ضحايا، داعياً إلى معالجتها على أعلى المستويات بين البلدين. وفي اليوم نفسه، نقل موقع “الترا سودان” عن مسؤول حكومي رفيع أن الخرطوم والقاهرة تعتزمان معالجة الأزمة عبر القنوات الرسمية، دون الاتجاه إلى استدعاء السفير المصري أو التصعيد الدبلوماسي. وها نحن اليوم أمام أنباء جديدة عن سقوط ضحايا في المنطقة ذاتها؛ دون أن تتضح للرأي العام نتائج التحقيق الذي تحدث عنه البرهان، أو طبيعة المعالجات التي وعدت بها حكومته، أو الضمانات التي حصلت عليها لمنع تكرار الاعتداءات. فأين انتهت تلك الوعود؟ وهل حصلت الخرطوم على تفسير رسمي من القاهرة؟ وهل جرى إنصاف أسر الضحايا؟ أم أن المحافظة على العلاقة السياسية مع النظام المصري فرضت على السلطة السودانية سقفاً من الصمت لا تستطيع تجاوزه، حتى عندما يتعلق الأمر بأرواح مواطنيها؟

■ أما الحجة التي تتردد بشأن عبور المعدنين السودانيين إلى الأراضي المصرية بصورة غير قانونية، أو اقترابهم من مواقع تعدين تديرها شركات مصرية، فلا تصلح، حتى إن ثبتت، تبريراً لاستخدام القوة العسكرية المميتة ضد مدنيين لا يشكلون تهديداً يبرر استخدامها. فعبور الحدود دون تصريح مخالفة تعالجها أجهزة إنفاذ القانون وفق الضوابط القانونية، وليس حكماً بالإعدام تنفذه المقاتلات. وفي يونيو الماضي، أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ حملة أمنية واسعة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية ضد التهريب والتنقيب غير القانوني عن الذهب والهجرة غير الشرعية، وأعلنت توقيف ٨٧ مواطناً مصرياً و١٣٦ أجنبياً، أي ما مجموعه ٢٢٣ شخصاً، ومصادرة مركبات ومعدات وأسلحة وذخائر غير مرخصة. غير أن ذلك الإعلان لم يتضمن إقراراً بتنفيذ الغارات الجوية التي تحدث عنها الناجون، أو تفسيراً لما أُبلغ عنه من سقوط قتلى وجرحى سودانيين. وتزداد القضية تعقيداً مع وجود تباينات بين المصادر حول الموقع الجغرافي الدقيق للهجمات؛ فبينما تنسب تقارير سودانية منجم العقيدات إلى ولاية نهر النيل، وتؤكد شهادات لناجين وقوع بعض الغارات داخل الأراضي السودانية، يضع تحقيق “مدى مصر” موقع هجمات يونيو شمال مثلث حلايب، داخل الأراضي التي تعدها مصر جزءاً من إقليمها. ولذلك فإن تحديد الإحداثيات الفعلية للقصف مسألة جوهرية لحسم المسؤوليات القانونية والسياسية، والتحقق مما إذا كانت العمليات قد تضمنت انتهاكاً للسيادة السودانية. وإذا ثبت أن القوات المصرية استهدفت مدنيين دون مسوغ قانوني، فإن المسؤولية لا تسقط بحجة مكافحة التهريب أو حماية الموارد المعدنية؛ كما أن وقوع الاعتداء داخل الأراضي المصرية، إن ثبت، لا يعفي السلطات من التزاماتها القانونية تجاه المدنيين. أما إذا ثبت أن طائرات مصرية نفذت الهجمات داخل الأراضي السودانية دون سند قانوني، فإن القضية تكتسب بعداً إضافياً يتعلق بانتهاك السيادة الوطنية. وفي الحالتين، لا يمكن أن تصبح حياة الإنسان السوداني رهينة للخلافات الحدودية أو المصالح الاقتصادية أو التحالفات السياسية. والسؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى القاهرة هو؛ هل كانت هناك عمليات عسكرية استهدفت تجمعات المعدنين، وما طبيعتها وأهدافها، ومن أصدر أوامر تنفيذها؟ أما السؤال الموجَّه إلى الخرطوم فهو؛ لماذا لم تعلن للرأي العام حتى الآن نتائج تحقيقاتها في واحدة من أخطر الحوادث التي طالت مواطنين سودانيين قرب الحدود المصرية؟

■ إن ما جرى في يونيو، وما ورد عن تكراره في أكتوبر، ينبغي ألا يمر كما مرت مآسٍ سودانية كثيرة دفنتها الحرب تحت ركام الأخبار. والمطلوب اليوم ليس المزيد من عبارات الأسف والقلق، وإنما موقف رسمي سوداني واضح يبدأ بنشر نتائج التحقيقات السابقة، وتحديد مواقع الهجمات وأعداد الضحايا، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تملك الوسائل الفنية اللازمة لتحديد هوية الطائرات والجهات التي أصدرت أوامر القصف، ومطالبة القاهرة بتقديم إيضاحات رسمية والتعاون في كشف الحقيقة، فضلاً عن إنصاف أسر الضحايا وتعويضهم متى ثبتت المسؤولية. وليس مقبولاً أن تتحول العلاقات بين الخرطوم والقاهرة إلى حصانة سياسية تحول دون المساءلة، أو أن يصبح الحديث المتكرر عن الروابط التاريخية والمصير المشترك بديلاً عن احترام حياة السودانيين وكرامتهم. فالعلاقات بين الشعوب لا تُصان بالتغاضي عن الانتهاكات أو تجنب الأسئلة المحرجة، وإنما بالوضوح والعدالة واحترام الحقوق. ومن حق الشعب السوداني أن يسأل البرهان، الذي لا يكف عن الحديث عن السيادة الوطنية؛ لماذا بدت له مسألة تجاوز المعدنين للحدود أكثر إلحاحاً في تصريحاته من مسألة سقوطهم قتلى وجرحى؟ ولماذا لم تُعلن نتائج التحقيق الذي وعد به؟ وماذا سيكون موقفه إذا أثبتت الأدلة مسؤولية طائرات دولة حليفة له عن قتل مواطنين سودانيين؟ إن أخطر ما تكشفه هذه القضية، إلى جانب فداحة الخسائر البشرية، هو احتمال أن تتحول دماء الضحايا إلى ملف يجري احتواؤه سياسياً حفاظاً على العلاقات بين الحاكمين. فالسيادة ليست خطابات تُلقى أمام الحشود، ولا أعلاماً تُرفع في المناسبات، ولا تصريحات نارية تُطلق عندما يكون الخصم سودانياً؛ وإنما مسؤولية تبدأ بحماية الإنسان، وتستوجب كشف الحقيقة ومحاسبة المعتدين. وإذا كانت السلطة عاجزة عن حماية مواطنيها، فإن أقل واجباتها ألا تجعل من صمتها غطاءً لمن اعتدى عليهم، وألا يتحول حرصها على علاقاتها السياسية إلى سبب إضافي لضياع حقوقهم. فالدولة التي لا تنتصر لدماء مواطنيها لا يكفيها أن تتحدث عن السيادة؛ عليها أولاً أن تثبت أنها تمارسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..