المجاعة تهدد السودان… كارثة إنسانية تفاقمها الحرب والأسعار

محمد عبد الباقي
ارتفعت مخاطر تفشّي الجوع في السودان إلى مستويات حادّة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف إبريل/ نيسان 2023. وبحسب تقرير الأمم المتحدة في 14 مايو/ أيار الماضي، حدّدت هيئة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في ولايات شمال دارفور، وجنوب دارفور، وجنوب كردفان، باعتبارها مناطق معرّضة لخطر المجاعة في ظلّ “سيناريو معقول لأسوأ الاحتمالات، وهو سيناريو يتّسم بتصاعد حدّة الصراع وفرض مزيد من القيود على وصول المساعدات الإنسانية وحركة تنقل السلع والأفراد”.
وفي 14 سبتمبر/ أيلول الماضي، قال المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو إنّ “السودان لا يحظى إطلاقاً بالاهتمام الذي يستحقه”، مؤكّداً أنّ “البلاد ما زالت تواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم، إذ هناك 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحادّ، و14 مليون شخص نازح، ونحو خمسة ملايين شخص في المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ، وما يقارب 200 ألف شخص ما زالوا في المرحلة الخامسة التي تنطوي على خطر الموت جوعاً”.
ومع شحّ الأمطار في بعض المناطق السودانية وتدهور الموسم الزراعي، ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى مستويات جعلت آلاف الأسر عاجزة عن شرائها، في وقت يواجه فيه آلاف النازحين داخل المخيمات ظروفاً معيشية متأزمة، فضلاً عن خلو بعض المتاجر من السلع الغذائية في مناطق عدّة، ما جعل النساء والأطفال وكبار السن من أكثر الشرائح المعرّضة لخطر الجوع. ففي الولايات الثماني عشرة للبلاد، باتت الأسر تواجه صعوبات في توفير الحد الأدنى من المواد الغذائية، فيما صارت الأزمة عاملاً مشتركاً بين السكان والنازحين. وقد فاقم انهيار سعر صرف العملة الوطنية وتراجع قيمة الأجور من حدّة المأساة، إلى جانب فقدان معظم السكان وظائفهم ومداخيلهم، ما أدّى إلى حالة من الهشاشة الاقتصادية وتردّي الأوضاع المعيشية.
وفي مناطق متعدّدة من السودان انعدمت السلع تماماً، كما حدث في منطقة المالحة بولاية شمال دارفور، حيث يواجه أكثر من 200 ألف مواطن أوضاعاً معيشية قاسية، بسبب إغلاق الأسواق وتوقف سلاسل الإمداد وانعدام الطرق، وتعطل نقل البضائع والسلع إلى أسواق المنطقة التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع منذ مارس/ آذار من العام الماضي. ويتحدث أحمد عبد الكريم، وهو أحد سكان المالحة (شمال دارفور)، عن حجم التدهور المعيشي، ويقول لـ”العربي الجديد”: “وجد السكان أنفسهم تحت حصار خانق حرمهم من النزوح، في وقت تعذّر فيه إدخال السلع والبضائع والمواد الغذائية إلى أسواق المنطقة بسبب انتشار العصابات الإجرامية التي باتت تسطو على المركبات المحملة بالبضائع وتستولي على ممتلكات المواطنين”. ويضيف: “منذ انهيار السلطة المركزية في المالحة التي تُعدّ من أكبر محليات ولاية شمال دارفور، توقفت عمليات إدخال السلع والمواد الغذائية، وصار السكان يعتمدون على المواد المتوفرة إلى أن نفدت”.
ويتابع عبد الكريم: “يعيش أكثر من 200 ألف مواطن، بعضهم من النازحين، في المدينة والقرى المجاورة، ويواجهون أوضاعاً صعبة، خصوصاً في ظلّ انعدام السلع والأدوية والوقود ووسائل النقل، حتى صار الأهالي يعتمدون على الدواب في تنقلاتهم، بعدما استولت المجموعات المسلحة على مركبات عدّة في المنطقة، وبات من الصعب نزوح السكان إلى أيّ منطقة أخرى، حتى أنّ الطرق لم تعد آمنة، وقد يتعرّض أيّ مواطن يحاول الخروج لأبشع أنواع الانتهاكات، وحتى إلى خطفه رهينة، والمطالبة بفدية مالية مقابل إطلاق سراحه”.
من جهته، يصف التاجر ساري حماد الأوضاع في المالحة بأنّها تُنذر بانهيار تامّ في أيّ وقت، ويقول لـ”العربي الجديد”: “هناك شحّ حادّ في المواد الغذائية، وقد بلغ سعر جوال الذرة، التي تُعدّ الغذاء الرئيسي لسكان المنطقة، ما يعادل 400 دولار أميركي تقريباً، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية للسكان الذين لا يملكون أي مصادر دخل، ويعتمدون كلياً على الزراعة التي تراجعت إنتاجيتها هذا العام بسبب شحّ الأمطار”.
أما في ولاية النيل الأبيض، وسط السودان، حيث توجد أكثر من عشرة مخيمات، بعضها للمواطنين النازحين وأخرى للاجئين من دولة جنوب السودان، فقد صارت أسر كثيرة بالكاد تتناول وجبة واحدة يومياً، بسبب ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية. ويقول الجيلاني، وهو معلم متقاعد طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة: “لا نستطيع شراء المواد الغذائية، ليس لأنها غير متوفرة، بل لأنّنا لا نملك ثمنها بعد ثلاثة أعوام من حربٍ أفقدتنا كلّ مدخراتنا”. ويضيف متحدثاً لـ”العربي الجديد”: “كنا نعتمد على الذرة والقمح، ولكن بعد شحّ الأمطار ارتفعت الأسعار بصورة جنونية، ولم نعد قادرين حتى على شراء هذه الحبوب البسيطة”، لافتاً إلى أنّ ظروف النازحين واللاجئين أشدّ قسوة لكونهم يعيشون في مخيماتٍ تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة”.
بدورها، تقول فاطمة عبد الله، النازحة من مدينة بارا بولاية شمال كردفان إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض: “هناك صعوبات كبيرة في توفير المواد الغذائية، وصارت الأسر في أغلب الأوقات تكتفي بوجبة واحدة في اليوم”. وتضيف الأم لأربعة أطفال متحدثة لـ”العربي الجديد”: “بات سعر قطعتَي (رغيفَي) خبز ألف جنيه سوداني (أكثر من دولار ونصف الدولار)، ويحتاج الفرد الواحد إلى أكثر من أربعة قطع في الوجبة الواحدة. إنّها كلفة مرتفعة لا تستطيع أغلب الأسر تحمّلها”. وتؤكّد فاطمة أنّ “الجوع صار السمة البارزة بين الأهالي، إذ لم يعد أحد قادراً على توفير قوت يومه، في ظلّ انعدام مصادر الدخل ونفاد المدّخرات القليلة وغياب فرص العمل”.
وبحسب مسؤول في حكومة النيل الأزرق، فإنّ معظم النازحين الذين يتجاوز عددهم 370 ألفاً في الولاية (جنوب شرق)، يقيمون في أكواخ بسيطة ولا تتوفر لديهم المواد الغذائية الكافية. ويقول المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته لـ”العربي الجديد”: “يواجه النازحون أوضاعاً معيشية صعبة بسبب قلة المواد الغذائية التي تُوزّع عليهم إلى جانب عدم وجود أعمال أو أنشطة يمكنهم ممارستها، في وقت ترتفع فيه أسعار المواد الغذائية بصورة غير مسبوقة في الولاية التي تحوّلت إلى مسرح للمعارك بين الجيش السوداني وتحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، المكوّن من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال وفصائل مسلحة أخرى”، منبّهاً إلى أنّ الأهالي يشارفون على الوصول إلى مرحلة يتوقفون فيها نهائياً عن تناول الطعام”.
وفي إقليم كردفان الذي يضمّ ثلاث ولايات، يواجه السكان نقصاً حادّاً في الغذاء بالتزامن مع شحّ الأمطار وتراجع الإنتاج الزراعي الذي كان يُفترض أن يبدأ المواطنون بحصاده في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. ويقول الطيب علي، من مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، لـ”العربي الجديد”، إنّ “شحّ الأمطار واستمرار المعارك جعلا المواطنين عاجزين عن تأمين حاجاتهم اليومية من الغذاء، وهو ما يهدّد عائلات كثيرة بالجوع، وسط انعدام المحاصيل في منطقة يعتمد سكانها في معيشتهم على الزراعة والرعي”.
ويعيش في مدينة الأبيض أكثر من مليون نازح، بحسب إحصائية مفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان، فيما يحصل عدد قليل منهم على مساعداتٍ إنسانية، وفقاً لمصادر محلية، في الوقت الذي يعيش فيه الباقون أوضاعاً معيشية قاسية. وتتطابق حال النازحين مع أوضاع السكان، إذ يعجز الجميع عن توفير ما يسدّ الرمق، وفقاً لسعد علي، وهو أحد سكان الأبيض؛ ويقول لـ”العربي الجديد”: “الأسعار مرتفعة، وكثيرون لا يستطيع تناول أكثر من وجبة في اليوم، والأمور تسير نحو الأسوأ مع تدهور الموسم الزراعي واستمرار القتال وانعدام أيّ مؤشرات توحي بتحسّن الأوضاع”.
وكانت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب قد حذّرت في 14 سبتمبر الماضي من أنّ النظام الإنساني في السودان قد ينهار برمّته في غضون أسابيع إذا لم تُتّخذ إجراءات عاجلة، وقالت: “بدون تمويل جديد، لن نتمكن من إيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر حاجة”. وفي التاريخ ذاته، كشفت المنظمة الأممية عن وجود 8.6 ملايين نازح داخلياً، يعيش نحو 70% منهم لدى أسر مضيفة أو في مخيمات غير رسمية، وأن نظام “خط الإمداد الإنساني المشترك” الذي تديره المنظمة يتضاءل نطاق تغطيته في وقت ما زالت فيه الحاجات عند مستويات قياسية. وقد قدّمت المنظمة هذا العام خدمات الإيواء ومستلزمات الدعم الطارئ إلى 330 ألف شخص فقط حتى منتصف سبتمبر الماضي.
العربي الجديد



