دروس وأسباب فشل تجربة الديمقراطية الثانية بعد ثورة اكتوبر ١٩٦٤ (1/2)
دروس وأسباب فشل الديمقراطية الثانية بعد ثورة اكتوبر 1964

بقلم : تاج السر عثمان
1
نتابع بمناسبة الذكرى ٦٢ لثورة أكتوبر 1964 في هذه الدراسة تجربة فشل الفترة الانتقالية والديمقراطية الثانية بعد ثورة أكتوبر والتي جرت فيها مذبحة الديمقراطية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ، وانتهاك استقلال القضاء، ومحكمة الردة للأستاذ محمود محمد طه ، وتعميق حرب الجنوب بالاستغلال الفاضح للدين في السياسة بالدعوة للجمهورية الرئاسية الإسلاموية، والفشل في عمل دستور دائم للبلادـ مما أدي لتقويض الديمقراطية الثانية بانقلاب 25 مايو 1969 الذي كان الأثر الكبير في تدمير البلاد كما هو الحال الآن ، وكنا قد تابعنا في دراستين سابقتين فشل تجربة الفترتين الانتقاليتين بعد انتفاضة أبريل 1985 ، ونيفاشا 2005 ، وسنري أن سمات الفشل متقاربة إن لم تكن متطابقة، حيث لم يتم الاستفادة من التجارب الماضية في قيام نظام ديمقراطي مستقر ، بسبب السياسات والمصالح الطبقية لقادة الأحزاب التقليدية والاسلامويين والدوائر الخارجية التي تدخلت في الشؤون الداخلية لخدمة مصالحها لنهب موارد البلاد الاقتصادية، والسير في طريق التنمية الرأسمالية الذي كرّس التبعية والتبادل غير المتكافئ ، مما كرّس الفقر والتخلف، ساعدت في ذلك الانقلابات العسكرية التي قوضت التجارب الديمقراطية الثلاث. والآن نخوض تجربة ديمقراطية رابعة بعد ثورة ديسمبر 2018، تتطلب اليقظة وتشديد النضال والصراع من أجل نجاحها ، ومن المهم الا تتكرر مآسي فشل التجارب الثلاثة، ونبقي مثل أل بروبون الذين عادوا بعد انتكاسة الثورة الفرنسية للسياسات السابقة نفسها التي أدت للأزمة ” لم ينسوا شيئا ، ولم يتعلموا شيئا”، فلا خير في تجربة لا تُورث حكمة.
٢
* بعد ثورة أكتوبر، ونجاح الاضراب السياسي والعصيان المدني الذي قادته جبهة الهيئات، تمّ تكوين الحكومة الانتقالية الأولي بعد مفاوضات بدأت في البداية بين جبهة الأحزاب وقيادات من القوات المسلحة ، وفي وقت لاحق انضم اليها مندوبو جبهة الهيئات، وحزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي.
كان برنامج الفترة الانتقالية للحكومة الجديدة : حل مشكلة الجنوب ووقف الحرب الأهلية، ومكافحة الفساد ، وحل مشاكل الجماهير المعيشية والاقتصادية، واعداد قانون انتخابات لانتخاب جمعية تأسيسية في نهاية الفترة الانتقالية لاعداد دستور دائم للبلاد.
جاء تكوين الحكومة من جبهة الهيئات وتمثيل للعمال والمزارعين والأحزاب ، والقيادات العليا في القوات المسلحة، برئاسة سرالختم الخليفة. كانت المطالب : إقالة عبود ومحاكمة أعضاء المجلس العسكري ، وإعادة تنظيم الإدارة الأهلية، دعم جبهة الهيئات، تصفية الخدمة المدنية من قيادات النظام السابق الفاسدة، وقانون انتخابات ديمقراطي يتم فيه تمثيل المرأة و العمال والمزارعين والخريجين ، وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات وتوسيع الحقوق الديمقراطية، وإلغاء قانون 1960 للنقابات واستبداله بقانون ديمقراطي يؤكد ديمقراطية واستقلالية الحركة النقابية، وتطبيق شروط الخدمة للعمال في القطاع العام في القطاع الخاص وزيادة أجورهم ، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ووقف الحرب والحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب..الخ.
٣
رغم الضعف الذي لازم قوى الثورة مثل : أن الاضراب العام لم تسنده فصائل مسلحة ، والتآمر في المفاوضات التي كانت ترمى لتسليم السلطة للقوي التقليدية ، وعزل الحزب الشيوعي من المفاوضات في بداية الأمر ، الا أنه قامت حكومة انتقالية ذات طبيعة وطنية الغالب فيها أنها معادية للاستعمار،وكان من أهم الانجازات علي سبيل المثال لا الحصر:-
– إلغاء الأوامر الدستورية التي اصدرها الحكم العسكري ( 1958- 1964)، والعودة لدستور 1956 الانتقالي المعدل 1964 الذي كفل في الفصل الثاني الحقوق والحريات الأساسية ، حق الحرية والمساواة، حرية الدين والرأي وحق تأليف الجمعيات، وحظر القبض علي الأشخاص ومصادرة ممتلكاتهم، التمتع بالحقوق الدستورية، واستقلال القضاء، وأكد في الفصل الثالث: أن السلطة القضائية هي حارسة الدستور ، ولها اختصاص النظر والحكم في أي مسألة تشمل تفسيره أو تطبيق الحقوق والحريات الممنوحة بموجبه.
– إلغاء قانون الجامعة لسنة 1960 ، واطلاق سراح المعتقلين ، وإعادة جميع الضباط الذين فُصلو من الخدمة في ظل الحكم العسكري.
– الغاء قانون النقابات للعام 1960 والعودة لقانون 1948 المعدل 1966 الذي كفل حرية العمل النقابي و تكوين الاتحادات النقابية، وتمّ الاعتراف باتحاد العمال.
– وضعت حكومة سرالختم الخليفة مشكلة الجنوب علي رأس أولوياتها ، وضمت حكومته وزراء من الجنوب، لأول مرة تولي كلمنت امبور وزارة سيادية ( وزارة الداخلية)، وسعت لعقد مؤتمر المائدة المستديرة حتى انعقد في 1965 حول مشكلة الجنوب ، رغم أن المؤتمر لم يتمكن من الوصول لقرار جماعي حول المسائل الادارية والدستورية ، لكنه استطاع تكوين لجنة الاثني عشر التي أُسند اليها مهمة البحث عن حل في ذلك الخصوص ، كما نجح المؤتمر في التعرف علي وجهات نظر القادة الجنوبيين وطبيعة تلك المشاكل ، وضرورة اتخاذ خطوات عملية لحلها.
– اتساع التضامن مع حركات التحرر الوطني في المنطقة كما حدث مع ثورات وحركات : الكونغو ، والمؤتمر الوطني بجنوب أفريقيا ، والشعب الاريتري، والجزائر وفلسطين، والجمهورية العربية المتحدة، الخ .
– صدر قانون الانتخابات للعام 1965 الذي أعطي النساء حق التصويت والترشح للمرة الأولي في تاريخ البلاد، وتخفيض سن الناخب من 21 سنة كما في قانون الانتخابات 1953 الي 18 سنة، وأعطي للخريجين 15 دائرة، لكن من عيوبه: لم يمثل العمال والمزارعين ، وتراجع عن تمثيل مناطق الإنتاج والوعي كما حدث في قانون 1953 ، وقسّم الدوائر عدديا محضا.
نواصل



