الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْبِنْيَةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَدَوْرُ الْوَعْيِ الطَّبَقِيِّ فِي إِنْجَازِ الثَّوْرَةِ

آدم أبوبكر مهدى
الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْبِنْيَةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ هِيَ عَلَاقَةٌ جَدَلِيَّةٌ لَا خِلَافَ حَوْلَهَا، فَهِيَ مِمَّا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَحْزَابِ الشُّيُوعِيَّةِ فِي الْعَالَمِ.
وَلَكِنْ يَجِبُ أَلَّا يَغِيبَ عَنْ بَالِنَا أَنَّهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْبِنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ هِيَ فِي الْأَصْلِ الَّتِي تُنْتِجُ الْبِنْيَةَ الْفَوْقِيَّةَ، وَالَّتِي يَتِمُّ صِيَاغَتُهَا بِمَا يَخْدِمُ أَهْدَافَ الطَّبَقَةِ الْمُسَيْطِرَةِ عَلَى وَسَائِلِ الْإِنْتَاجِ، وَيَعْمَلُ عَلَى تَرْسِيخِ اسْتِدَامَةِ سَيْطَرَتِهَا، فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ عَلَاقَةً مِيكَانِيكِيَّةً، بَلْ هِيَ عَلَاقَةٌ مُتَبَادَلَةٌ، أَيْ ذَاتُ اتِّجَاهَيْنِ، أَيْ عَلَاقَةٌ جَدَلِيَّةٌ.
وَتَكْمُنُ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ الْجَدَلِيَّةُ فِي حَقِيقَةِ أَنَّ الْبِنْيَةَ الْفَوْقِيَّةَ لَنْ تَظَلَّ مُجَرَّدَ مُنْتَجٍ، أَوْ مُجَرَّدَ تَابِعٍ لِلْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ، بَلْ تُؤَثِّرُ فِيهَا أَيْضًا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى لِمِيلَادِهَا.
وَيَتَّفِقُ الشُّيُوعِيُّونَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الطَّابِعَ الطَّبَقِيَّ لِلصِّرَاعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَمْ مُسْتَتِرًا، هُوَ الْحَقِيقَةُ التَّارِيخِيَّةُ الْبَارِزَةُ الَّتِي شَكَّلَتْ بِنْيَةَ الْحِقَبِ التَّارِيخِيَّةِ الْمُتَعَاقِبَةِ الَّتِي مَرَّ بِهَا تَارِيخُ الشُّعُوبِ.
فَالصِّرَاعُ السِّيَاسِيُّ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ صِرَاعُ مَصَالِحَ، أَيْ صِرَاعٌ طَبَقِيٌّ، بِبَسَاطَةٍ؛ لِأَنَّهُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الشِّعَارَاتِ الَّتِي يُرَوِّجُ لَهَا أَطْرَافُ الصِّرَاعِ، سَيَنْتَهِي إِمَّا إِلَى تَحْقِيقِ مَصَالِحِ الطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ وَعُمُومِ الْكَادِحِينَ، أَوْ إِلَى تَحْقِيقِ مَصَالِحِ أَعْدَائِهِمُ الطَّبَقِيِّينَ.
لَكِنَّ مَا يَغْفُلُ عَنْهُ، أَوْ يَتَجَاهَلُهُ، كَثِيرٌ مِنَ الثُّوَّارِ فِي مَرْحَلَةِ الْإِعْدَادِ لِلثَّوْرَةِ، هُوَ أَنَّ الثَّوْرَةَ نَفْسَهَا، بِوَصْفِهَا الْأَدَاةَ الْوَحِيدَةَ لِلتَّغْيِيرِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْبِنْيَةِ الطَّبَقِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ، بِمَا يَخْدِمُ مَصَالِحَ الْكَادِحِينَ، لَا يُمْكِنُ إِنْجَازُهَا إِلَّا إِذَا بَلَغَ الْوَعْيُ الطَّبَقِيُّ مَرْحَلَةً مُتَقَدِّمَةً وَسَطَ الطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ وَعُمُومِ الْكَادِحِينَ؛ مَرْحَلَةً تُؤَهِّلُهُمْ لِلتَّمْيِيزِ بِوُضُوحٍ تَامٍّ بَيْنَ حُلَفَائِهِمْ وَمُنَاصِرِيهِمْ مِنْ جِهَةٍ، وَبَيْنَ أَعْدَائِهِمُ الطَّبَقِيِّينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ الْأَزْمَةِ الَّتِي أَقْعَدَتْ قُوَى الثَّوْرَةِ فِي السُّودَانِ، وَحَالَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بُلُوغِ أَهْدَافِ الثَّوْرَةِ وَالتَّغْيِيرِ فِي الْمَعَارِكِ السَّابِقَةِ كَافَّةً، فِي أُكْتُوبَرَ وَأَبْرِيلَ وَدِيسَمْبَرَ الْمَجِيدَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْهَبَّاتِ الْجَمَاهِيرِيَّةِ.
وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ هَذِهِ الْأَزْمَةِ فِي الْآَتِي:
أَوَّلًا: قُصُورُ الْوَعْيِ الطَّبَقِيِّ
إِنَّ الْوَعْيَ الطَّبَقِيَّ وَسَطَ الطَّبَقَةِ الْعَامِلَةِ وَعُمُومِ الْكَادِحِينَ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا لِلتَّعَرُّفِ بِشَكْلٍ دَقِيقٍ عَلَى أَعْدَائِهِمُ الطَّبَقِيِّينَ.
ثَانِيًا: إِغْفَالُ تَأْثِيرِ عَوَامِلِ الْبِنْيَةِ الْفَوْقِيَّةِ
إِغْفَالُ قَادَةِ الثَّوْرَةِ حَقِيقَةَ التَّأْثِيرِ الْكَبِيرِ لِعَوَامِلِ الْبِنْيَةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَبِصِفَةٍ خَاصَّةٍ الْقَبَلِيَّةِ وَالْجِهَوِيَّةِ وَالدِّينِ، عَلَى الصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ، وَدَوْرِهَا لَيْسَ فَقَطْ فِي الْحَشْدِ لِإِنْجَازِ مَهَامِّ الْإِطَاحَةِ بِالدِّيكْتَاتُورِيَّةِ، بَلْ أَيْضًا فِي التَّأْثِيرِ عَلَى مَسَارِ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ، أَيْ مَا بَعْدَ إِسْقَاطِ النِّظَامِ الدِّيكْتَاتُورِيِّ.
وَيَحْدُثُ هَذَا الْإِغْفَالُ أَحْيَانًا بِذَرِيعَةِ عَدَمِ إِغْرَاقِ الصِّرَاعِ فِي قَضِيَّةٍ غَيْرِ أَسَاسِيَّةٍ، عِنْدَمَا يَكُونُ الْحَدِيثُ عَنْ تَأْثِيرَاتِ الدِّينِ فِي الصِّرَاعِ، أَوْ بِحُجَّةٍ أُخْرَى تَسْتَنِدُ إِلَى أَوْهَامِ النَّقَاءِ الثَّوْرِيِّ، وَذَلِكَ بِإِلْغَاءِ أَثَرِ الْقَبَلِيَّةِ وَالْجِهَوِيَّةِ فِي الصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ أَوْ تَهْمِيشِهِ.
ثَالِثًا: ثَبَاتُ الْأَهْدَافِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ وَتَجَدُّدُ الْخَطِّ السِّيَاسِيِّ
إِنَّ الْأَهْدَافَ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةَ لِلْحِزْبِ الثَّوْرِيِّ لَا تَتَغَيَّرُ، وَلَكِنَّ الْخَطَّ السِّيَاسِيَّ لِلْحِزْبِ يَجِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، بِقَدْرِ الْمُتَغَيِّرَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْوَاقِعِ، وَالتَّقَلُّبَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي مِيزَانِ الْقُوَى.
فَالْحِزْبُ الثَّوْرِيُّ يَكُونُ فِي حَالَةِ قِرَاءَةٍ دَائِمَةٍ لِمُعْطَيَاتِ الْوَاقِعِ الْمَحَلِّيِّ وَالْإِقْلِيمِيِّ وَالدَّوْلِيِّ، وَيُعِيدُ ضَبْطَ خَطِّهِ السِّيَاسِيِّ وَفْقًا لِتِلْكَ الْمُعْطَيَاتِ.
أَمَّا الْحِزْبُ الثَّوْرِيُّ الَّذِي يَتَجَمَّدُ خَطُّهُ السِّيَاسِيُّ عِنْدَ نُقْطَةٍ مَا فِي مَسَارِ حَرَكَةِ الْمُجْتَمَعِ، وَلَا يَنْتَبِهُ إِلَى الْمُتَغَيِّرَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِيهِ، أَوْ يَتَجَاهَلُهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْأَصْلِ مُفَارِقًا لِأَحَدِ أَهَمِّ مُعْطَيَاتِ دِيَالِكْتِيكِ الثَّوْرَةِ، وَسَيَكُونُ عُرْضَةً لِأَنْ يَتَجَاوَزَهُ التَّارِيخُ.



