غير مصنف

من يحرر عبيد الخديوية ومن يحرر عبيدهم

اسماعيل عبد الله

عندما كانت العبودية شائعة في أمريكا، كونت “هاريت تبمن” مجموعة سرية لإنقاذ العبيد من العبودية، وهي مناضلة أمريكية من اصل افريقي وناشطة مكافحة ضد الرق، ولدت بداية القرن السابع عشر وتوفيت أوائل القرن الثامن عشر، استطاعت تحرير اكثر من 700 عبد، فيما بعد سألوها: ما هي اصعب خطوة واجهتك؟، قالت: أن أقنع شخصاً بأنه ليس عبداً، هكذا حال العبيد في كل العصور والأزمنة، وعلى رأي “هاريت” من يقنع لنا عبيد الخديوية بأنهم ليسوا عبيداً؟، لقد ضربت مصر الخديوية عمق موطن عبيدها فقتلت وسحلت بينما يؤيد العبيد العدوان عليهم بحجج خائبة، والأدهى والأمر ميوعة موقف عبيد عبيد الخيديوية (المشتركة)، التي ينتمي غالب ضحايا غارات التعدين اليها، لم يفكوا ارتباطهم بعبيد الخديوية، هذه كارثة، أن تكون عبداً لعبد، منتهى الوضاعة والانحطاط والذل، رأينا وسمعنا قادة رأيهم من أعلى مستوى لهم، ردة فعلهم لم تكن بقدر الجريمة، انبطاح وقبول بالدناءة، ماذا فعلت الخديوية بهم؟، والأدهى والأمر أن بعض ابواقهم اتخذوا من تبرير الجريمة المرتكبة بحقهم خطاً إعلامياً ينافحون من أجل ترسيخه ودماء المعدنيين لم تجف، وأشلاءهم لم تلم ولم تدفن، هذا غير اجتماع زعيمهم (مناوي) برموز الخديوية وتطمينهم أن الأمور على ما يرام وأن العلاقات الأزلية (المذلة) باقية، أي امتهان للكرامة هذا الذي يحدث؟، لو أن ” هاريت” حضرت زمان عبيد العبيد هذا لعجزت عن وصف هذه الظاهرة الأعجوبة، إذ أنه كيف للعبد أن يكون له عبدا مملوكاً له يخضع كل هذا الخضوع المذل والمهين للكرامة الإنسانية.
في الحقيقة، لولا مصر لما اندلعت حرب 15 ابريل، فمصر هي صاحبة الامتياز الأول في نشوب هذه الحرب التي تدفقت فيها دماء السودانيين بمختلف اتجاهاتهم الجغرافية والسياسية، وذراعها العميق في الدولة السودانية هي الآلية التي نفذت بها الحرب، ومصر تعلم علم اليقين أن لها عبيداً لا يعصون لها أمراً، وتدرك أن الوجود العميق لها في السودان، صنع لها طبقة سياسية واجتماعية تأتي لها بلبن العصفور لو طلبت ذلك، هذه الطبقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي ما كرّس للسيطرة المصرية على مصير السودان، فهذه الطبقة تعمل كعمل عبيد المنازل الأمريكيين أيام العبودية، تعمل وترضى بفتات العائد المصري وتحسب أنها محققة لرفاهية عليها الحفاظ عليها، لذلك أدخلت البلاد في هذه الحرب اللعينة، فحتى لحظة دفق هذا الحبر يحرص رموز هذه الطبقة على أمن مصر أكثر من حرصهم على أمن بلادهم، فهي الطبقة السودانية الوحيدة التي لا تحتج على احتلال مصر لحلايب وشلاتين وأبي رماد، وتتضجر لو أن المدنيين ورئيسهم الدكتور عبد الله حمدوك فتحوا هذا الملف، فهي تتحسر على خلو الشريط الممتد من شمال الجيلي حتى حلفا من عدد السكان الكافي لشغله بل ترى وجوب توطين مصريين على امتداد هذا الشريط النيلي الخصب الوافر المياه، وتستكثر على سكان السودان القادمين من كردفان ودارفور وجنوب النيل الأزرق مجرد الإفادة والاستفادة منه زراعياً ومعدنياً.
تحرير عبيد الخديوية مهمة شاقة تقوم بها قوات تأسيس المسلحة، والعبيد يعلمون علم أجدادهم عملاء الخديوي الأكبر دنو أجلهم، ويوقنون أن المد القادم من أطراف السودان لا يعير بالاً لمصالح مصر الخديوية وأذيالها، هذا المد هو الترياق الوحيد الشافي لغليل أهالي ضحايا الغارات المصرية في حقول التعدين، فالسودانيون الأحرار والشرفاء قد أسدلوا ستار مسرحية الزعيم الخديوي، وخرجوا من غيبوبة الوعي الزائف الذي صنعته الخديوية في عقولهم، والخديوية تسابق الزمن دون جدوى بعد أن ذهب ثلاثة ارباع البلاد الى سلطات سياسية وإدارية وطنية لا يد للخديوية عليها، وهذا هو المجنن (بوبي) كما يقول السودانيون في امثالهم الشعبية، فمصر لا تتمالك اعصابها وهي ترى جزء من المزرعة الخلفية والجزء الأغنى والأوفر مورداً اقتصادياً يخرج من بين أصابع يديها، لذلك يزداد الحمق لديها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين السودانيين، وتتمادى في التوغل داخل الأرض السودانية في مخالفة جريئة للقانون الدولي، ومجافاة واضحة للأعراف والمواثيق الدولية والإقليمية، وهذا الجانب من التجاوزات الموثقة يدعو حكومة السلام التي عاصمتها نيالا للتحرك العاجل الدبلوماسي والفوري القانوني، الذي أقله تقديم شكاوى للنيابات والمحاكم الدولية التي من بينها محكمة العدل الدولية، فحكومة السلام وبحسب دستورها هي حكومة لكل السودان وليست فقط حكومة للسكان بالمناطق التي تحكم سيطرتها عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..