
هناك مدن نغادرها، وهناك مدن لا تغادرنا. الأولى تبقى في الذاكرة مثل صورة قديمة، نعود إليها كلما اشتد الحنين، أما الثانية فتفعل شيئاً أكثر تعقيداً؛ تدخل في تكويننا من غير أن نشعر، ثم تظهر بعد سنوات في طريقة نظرنا إلى الأشياء، في نبرة الكلام، في علاقتنا بالناس، وفي ذلك الميل الغامض إلى أن نرى العالم أوسع مما يبدو عليه. وربما كانت ود مدني، في تجربة محمد محيي الدين، من هذا النوع النادر من المدن؛ لم تكن خلفية لحياته، ولا مجرد مكان ولد فيه أو عاش بعض سنواته، وإنما كانت أحد الشروط الخفية التي جعلت تجربته مفتوحة على الشعر والمسرح والقصة والنقد والحوار، وعلى تلك الرغبة الدائمة في ألا يستقر الفن في مكان واحد.
كان يمكن لود مدني أن تكون مدينة أخرى في سيرة شاعر آخر، لكن محمد محيي الدين لم يتعامل معها كمدينة جاهزة، وإنما عاش فيها بوصفها احتمالاً ثقافياً. النيل قريب، والمدينة مفتوحة على الريف كل صباح ، والناس يعرف بعضهم بعضاً، والمنتدى يمكن أن يتحول إلى مسرح، والبيت يمكن أن يصبح مكاناً للشعر، والجماعة الصغيرة قادرة على أن تصنع حولها عالماً ثقافياً لا يحتاج إلى اعتراف المركز لكي يكون موجوداً. في مثل هذه البيئة لا يتعلم الشاعر الكتابة وحدها، بل يتعلم شيئاً أصعب: أن الثقافة ليست مؤسسة مغلقة، وأن الفن يمكن أن يولد من العلاقات اليومية، ومن الشارع، والأزقة والحواري ومن الذاكرة الشعبية، ومن الأسئلة التي يحملها الناس معهم إلى المساء.
ولعل هذا هو أحد المفاتيح المهمة التي تساعدنا على فهم ذلك التنوع الذي بدا لاحقاً في تجربة محمد محيي الدين. فقد لا يكون انتقاله بين الشعر والمسرح والقصة والنقد بحثاً عن أشكال جديدة بقدر ما كان امتداداً طبيعياً لبيئة لم تكن تفصل الحياة عن الفن بهذه الحدة. المدينة نفسها كانت تتحرك بين أكثر من صوت، وهو تحرك معها وعرف كلمة سرها . ولذلك حين ذهب إلى المسرح لم يترك الشعر وراءه، وحين اقترب من السرد لم يغادر الشاعر، وحين اشتغل على فضاء العرض لم يتخل عن ذلك الحس الذي يجعل اللغة أكثر من وسيلة للكلام. كان يحمل معه مدينة كاملة، لا في حقيبة الذاكرة، وإنما في طريقة بناء النص.
ومن هنا تبدو قصيدة (المناديل الوضيئة) واحدة من النصوص التي يمكن أن نقترب من خلالها أكثر من تلك العلاقة الخفية بين الشاعر ومكانه. القصيدة، التي عُرفت أيضاً باسم (المناديل ستأتي )، واكتسبت حياة أخرى حين غناها مصطفى سيد أحمد، لا تستمد قوتها من كونها قصيدة غنائية فحسب، وإنما من ذلك التوتر الداخلي الذي يجعل الحزن فيها عابراً، لا قدراً نهائياً. منذ مطلعها، حيث يقول الشاعر: (أيها المصلوب كالنجم على الموجة يكفيك ترجل )، نحن أمام صوت لا يكتفي بوصف الألم، بل يحاول أن يدفع صاحبه إلى النهوض منه. ثم تأتي تلك الحركة من الحزن إلى الرجاء، ومن الانكسار إلى انتظار شيء لم يصل بعد: المناديل الوضيئة.
ليس مهماً هنا أن نبحث عن ود مدني داخل القصيدة كما لو كانت اسماً ينبغي أن نعثر عليه. المدن العميقة لا تظهر دائماً بأسمائها. أحياناً تظهر في إيقاع النص، في قدرته على الجمع بين الحزن والضوء، بين المأساة وما يمكن أن يأتي بعدها، وفي تلك الرغبة التي تجعل الإنسان واقفاً على حافة شيء لا يعرف شكله، لكنه يعرف أنه آتٍ. وربما لهذا تبدو (المناديل ) أكثر من صورة شعرية؛ إنها وعد بالحركة بعد السكون، وبإمكانية أن يأتي الضوء حتى من قلب العتمة.
وهنا يمكن أن نفهم شيئاً من مدينة متنوعة ربما كان الأهم أن ود مدني لم تمنحه موضوعات يكتب عنها بقدر ما منحته طريقة مختلفة في النظر إلى العالم. ففي تلك المدينة التي تتجاور فيها ضفاف النيل مع الحياة اليومية، وتتقاطع فيها الثقافة مع الحركة الاجتماعية،والسياسية كان من الصعب أن تنشأ علاقة واحدة بين الكاتب وفنه. الشعر لم يكن معزولاً عن المسرح، والحكاية الشعبية لم تكن بعيدة عن الأدب، وما يحدث في الحياة يمكن أن يجد طريقه إلى الخشبة أو القصيدة أو الأغنية. ومن هذا التداخل المبكر ربما جاء ذلك الاتساع في تجربة محمد محيي الدين؛ فقد تعلم أن الحقيقة لا تسكن شكلاً واحداً، وأن النص الذي يريد أن يلامس الحياة لا بد أن يترك في داخله مساحة لأكثر من صوت وأكثر من احتمال
ولذلك فإن الحديث عن محمد محيي الدين بوصفه شاعراً ومسرحياً وقاصاً وناقداً لا يكفي. هذه العناوين، على صحتها، قد توحي بأننا أمام مواهب متجاورة، بينما الأعمق أن نرى بينها مجرى واحداً. كان يبحث دائماً عن اللغة المضيئة حين تتجاوز حدودها، وعن الصورة حين تتحول إلى حركة، وعن الحكاية حين تصبح صوتاً، وعن الشعر حين يخرج من الصفحة ليختبر وجوده في الجسد والمكان والجمهور. ولعل المسرح الذي مشى معه إلى الشارع في تجربته السابقة لم يكن بعيداً عن المدينة التي تعلم فيها أن الثقافة يمكن أن تكون فعلاً جماعياً، لا طقساً خاصاً بالنخبة.
لهذا أيضاً لا تبدو ود مدني في تجربته مجرد مدينة طفولة أو شباب ، إنها أقرب إلى طريقة في النظر. وهذا هو الفارق بين أن يكتب الشاعر عن مكانه وأن يكتب المكان من خلاله. في الحالة الأولى يكون المكان موضوعاً للنص، وفي الثانية يصبح جزءاً من تكوين اللغة نفسها. محمد محيي الدين لم يكن بحاجة إلى أن يذكر ود مدني في كل مرة حتى تكون حاضرة؛ يكفي أن نرى ذلك الانفتاح على الأصوات، ذلك العبور المستمر بين الأنواع، تلك الحساسية تجاه الناس العاديين وفقراء المدن ، وذلك الإيمان بأن الفن لا ينبغي أن يبقى محبوساً في قاعة أو كتاب، حتى نعرف أن وراء التجربة مدينة علمته أن الحياة لا تسير في خط واحد.
وربما لهذا تحمل بعض نصوصه ذلك الشعور بأن المدينة ليست مكاناً ثابتاً، وإنما كائن يتحرك داخل الذاكرة. في (عشر لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر )، مثلاً، لا تبدو المدينة ديكوراً شعرياً، وإنما جسداً يستيقظ ويخرج من الماء ويستعيد حقه في الحركة. وفي (الرحيل على صوت فاطمة) يصبح المكان أكثر التباساً؛ تختلط فيه المرأة بالذاكرة، والرحيل بالحب، والمدينة بما يتركه الإنسان خلفه حين يضطر إلى أن يمضي. هنا لا يعود المكان جغرافيا، بل يصبح سؤالاً عن الأشياء التي نحملها معنا حتى بعد أن نغادرها.
وهذا ما يجعل (المناديل الوضيئة ) تفتح باباً آخر في قراءة تجربته. فالمناديل لا تأتي من الماضي، وإنما تأتي من جهة المستقبل. إنها شيء ينتظر الوصول. وفي هذا الانتظار تكمن واحدة من أكثر خصائص شعر محمد محيي الدين وضوحاً: أنه لا يترك القارئ في المكان الذي بدأ منه النص. حتى حين يبدأ بالحزن، هناك دائماً حركة خفية تدفعه إلى الأمام. كأن القصيدة لا تريد أن تقول إن العالم جميل، وإنما تقول شيئاً أكثر صدقاً: إن العالم قاسٍ، ومع ذلك لا ينبغي أن نتوقف عن انتظار الضوء.
ولعل مصطفى سيد أحمد، حين أخذ القصيدة إلى صوته، منحها حياة أخرى وأكثر بريقا لكنه لم يغيّر جوهرها. صارت القصيدة التي ولدت في اللغة قادرة على أن تعبر إلى الغناء، وأن تدخل بيوتاً وأمكنة مختلفة وذاكرات لا يعرفها الشاعر بالضرورة. وهذا العبور نفسه ينسجم مع مشروع محمد محيي الدين؛ فالنص عنده لا يبدو مكتملاً لحظة خروجه من يد الكاتب، وإنما يبدأ اختباراً جديداً عندما يلتقي بالآخر. القصيدة يمكن أن تُقرأ، ويمكن أن تُغنى، والمسرحية يمكن أن تخرج من الصفحة إلى الخشبة، ثم من الخشبة إلى الشارع، وكأن العمل الفني الحقيقي عنده هو الذي يستطيع أن يواصل حياته بعد أن يتركه صاحبه وهذا ما فعله محمد محي الدين .
هنا بالضبط تبدو ود مدني حاضرة مرة أخرى، لا باعتبارها مكاناً للحنين، وإنما باعتبارها مختبراً مبكراً لهذا الإيمان. مدينة يستطيع فيها النص أن ينتقل من شخص إلى آخر، ومن بيت إلى منتدى، ومن شاعر إلى ممثل، ومن مسرح إلى جمهور، ومن قصيدة إلى أغنية. مدينة لا تسأل الفن دائماً عن بطاقته الرسمية ولا هويته الثقافية قبل أن تسمح له بالدخول. وربما لهذا خرج منها محمد محيي الدين وفي داخله هذا القدر من التعدد؛ لم يكن التعدد زينة أضافها إلى تجربته، بل كان جزءاً من تكوينه الأول.
لكن أجمل ما في علاقته بمدني أن المدينة، رغم كل هذا الحضور، لم تتحول عنده إلى أسطورة مغلقة. لم يكتبها كفردوس مفقود ينبغي أن نبكي عليه كلما ابتعدنا. كان يعرف أن المدينة التي أحبها ليست بلا تناقضات، وأن المكان الذي يمنحنا شيئاً يأخذ منا شيئاً آخر. لذلك بقيت ود مدني في تجربته أقرب إلى سؤال مفتوح منها إلى صورة مكتملة. النهر نفسه لا يكرر مياهه، والمدينة التي تقوم على ضفته لا يمكن أن تكون ثابتة، والشاعر الذي تربى في فضائها لم يكن قابلاً للاستقرار الطويل داخل شكل واحد.
وربما هنا يمكن أن نفهم تلك الجملة التي قالها محمد محيي الدين عن نفسه: (أنا قلق بطبعي، لا أحب السكون، أحب الحركة وكل ما هو متفجر ومُضاء ). لقد قرأنا القلق في المقال الأول بوصفه مفتاحاً لمشروعه الإبداعي، وقرأنا الحركة في المقال الثاني بوصفها طريق المسرح من الصفحة إلى الناس، لكن القلق والحركة يبدوان في هذا الجزء أيضاً كأنهما يحملان شيئاً من روح المدينة التي خرج منها. المدينة التي يجري فيها النهر لا يمكن أن تعلم أبناءها السكون الكامل، والمدينة التي تعرف أن الثقافة فعل جماعي لا يمكن أن تجعل شاعرها مكتفياً بصوته وحده.
لهذا، حين نعود إلى محمد محيي الدين بعد سنوات من رحيله، لا نجد أمامنا شاعراً انتهت تجربته بموته، وإنما نصاً ما زال قادراً على فتح أبواب جديدة للقراءة. وهذه ربما هي العلامة الأصدق على حياة الكاتب: ألا ينتهي حين تنتهي حياته، بل يبدأ بعد ذلك في الظهور بأشكال لم يكن قد توقعها. قصيدة تُغنى، مسرحية تُعاد قراءتها، مدينة تظهر في نص من غير أن تُذكر، وجيل يكتشف أن ما ظنه تجربة مكتملة لم يكن إلا بداية لسؤال أكبر.
وهكذا تبدو ود مدني، في النهاية، أقل شبهاً بالمكان وأكثر شبهاً بالسر. شيء منها اختبأ في اللغة، وشيء في المسرح، وشيء في الذاكرة، وشيء آخر ربما أخذه النهر معه ومضى. لكن ما بقي هو ذلك الأثر الذي لا يحتاج إلى اسم المدينة كي يدل عليها. محمد محيي الدين حمل مدني معه، لا كما يحمل المرء صورة في حقيبته، وإنما كما يحمل صوته الأول؛ لا يراه، لكنه يعرف أنه موجود في كل كلمة ينطق بها.
وحين نعود إلى (المناديل الوضيئة )، إلى ذلك النداء الذي يبدأ من الحزن ولا ينتهي عنده، ربما نفهم أن الشاعر لم يكن يكتب عن الضوء بوصفه شيئاً موجوداً، وإنما كان يكتبه بوصفه شيئاً ينبغي أن يأتي. (وتأتيك المناديل الوضيئة) ليست خاتمة للحزن، بقدر ما هي وعد بأن ما لم يصل بعد يمكن أن يصل. وربما كانت هذه هي خلاصة محمد محيي الدين كلها: أن يترك الباب مفتوحاً لما لم يأتِ، وأن يظل النص في انتظار قارئه، والمسرح في انتظار جمهوره، والمدينة في انتظار من يكتشفها من جديد من اجيال قادمة بفهم جديد .
وفي هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال عن محمد محيي الدين أكبر من سؤالنا عن شاعر أو مسرحي أو قاص. يصبح السؤال عن ذلك النوع من المبدعين الذين لا يتركون لنا أعمالهم فقط، وإنما يتركون طريقة أخرى للنظر إلى الحياة. وربما لهذا، كلما ظننا أننا اقتربنا من نهاية مشروعه ، ظهرت لنا نافذة أخرى؛ قصيدة، أو مسرح، أو مدينة، أو صوت بعيد يأتي من جهة النهر.وكأن المناديل لم تأتِ بعد .




كم تمنيت أن أجد في الكتابات النقدية من ينصف أبناء جيلي من المبدعين. وها هو الأديب عبد العزيز أبو عاقلة يتحفنا بهذه الكتابة الباذخة عن نورس الشعر محمد محي الدين. قلت تمنيت أن أقرأ كتابات عن المبدعين من جيلي – الجيل الذي طالع الناس كتاباته في بواكير السبعينات ومنهم محمد محي الدين. لكن باعتقادي لم تحظ كتابات هذا الجيل من الشعراء بدراسات نقدية قيمة ومنصفة. فالنقد الذي بدأت حركته باكراً عند محمد محمد على وقلة آخرين لم يقفز فوق الحواجز كما فعلت الرواية والمسرح وفن التشكيل وفنون الغناء والموسيقى. وللإنصاف فإن بعض الأقلام جهدت لتقدم لنا حصة في قراءة بعض النصوص في الشعر والرواية عبر الملاحق الثقافية وبعض المجلات الثقافية كمجلتي (الخرطوم) و(الثقافة) نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : عبد القدوس الخاتم ومحمد المهدي بشرى وسامي سالم وكمال الجزولي.
واليوم وجدت في مقال عبدالعزيز أبو عاقلة ما أشعرني بأن حركة النقد كفصل في كراسة الأدب السوداني لم تتوقف وإن أصابها بعض الضمور.