مقالات وآراء

البرهان يطرق باب السلام صاغرًا: “تاباها مملّحة، تفتّش ليها قروض”

حسن عبد الرضي

يا للمفارقة التي تختصر مأساة السودان في مشهد واحد!
الرجل الذي طالما سدّ أذنيه عن نداءات السلام، ورفض الدعوات إلى وقف الحرب، وترك البلاد تحترق تحت لافتة «الكرامة»، يطلّ اليوم برسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصة «إكس»، معلنًا استعداده للسلام، بعدما ضاقت به السبل، واشتدّ عليه الضغط، وأحسّ أن العين الحمراء التي ظلّ يستخفّ بها قد صارت أقرب إليه مما كان يتصوّر.
فأين ذهبت لغة التحدي؟ وأين اختفت نبرة الاستعلاء؟ وأين ذلك الإصرار الذي كان يصوّر كل دعوة إلى وقف الحرب مؤامرةً على السيادة، وكل صوت يطالب بإنقاذ أرواح السودانيين طعنةً في ظهر الوطن؟
سبحان مقلّب الأحوال! بالأمس كان السلام، في خطاب البرهان ورهطه، تهمةً تستوجب التخوين، واليوم صار مخرجًا يبحثون عنه تحت ضغط الخارج. بالأمس كانت الدعوات إلى وقف الحرب تُواجَه بالعناد والمكابرة، واليوم تُقدَّم التنازلات من الموقع نفسه الذي ظلّ يرفضها، لا لأن ضميرًا استيقظ، ولا لأن حكمةً هبطت عليه، وإنما لأن ميزان القوة تغيّر، ولأن كلفة الاستمرار في الحرب أخذت تضيق بالخيار الذي ظنّوه مفتوحًا إلى الأبد.
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل اكتشف البرهان فجأةً أن السلام خير من الحرب؟ أم أن السلام لم يصبح مقبولًا إلا حين صار الرفض مكلفًا، والعناد خطرًا، والتحدي مغامرةً قد تطيح بما تبقّى من سلطته؟
إن الفرق كبير بين من يختار السلام انتصارًا للحياة، ومن يرضخ له فرارًا من الهزيمة. الأول ينتصر لشعبه، والثاني يحاول إنقاذ نفسه. الأول يملك شجاعة مراجعة الخطأ قبل أن تتضاعف الكارثة، والثاني لا يراجع موقفه إلا عندما يجد الأبواب قد أُغلقت في وجهه.
لقد دعوناك إلى وقف الحرب حين كان في وسعك أن تجعل من السلام موقفًا شجاعًا، فرفضت. وناشدناك أن تنحاز إلى حياة السودانيين قبل أن تتحول البلاد إلى مقبرة مفتوحة، فتماديت. وقلنا لك إن البطولة ليست في إطالة الحرب، وإن الكرامة لا تُستردّ بإذلال شعبك، وإن القائد الحقيقي هو الذي يعرف متى يتوقف عن سفك الدماء، لا الذي ينتظر حتى يُجبَر على التوقف.
لكنّك أبيت إلا أن تسمع صوت المدافع، حتى جاء اليوم الذي يبدو فيه أن صوت الضغط الدولي صار أعلى من صوت الرصاص الذي أشعلت ناره وعجزت عن إطفائها.
وهذا هو المثل السوداني الذي يلخّص المشهد: «تاباها مملّحة، تفتّش ليها غروض». رفضت السلام حين عُرض عليك، ثم عدت تبحث عنه حين تبدّلت الظروف. رفضت الحلّ الذي كان يمكن أن يجنّب البلاد مزيدًا من الفواجع، فإذا بك تلوذ به حين لم يعد الرفض بطولةً، بل صار عبئًا يهدد صاحبه.
أيّ كرامة هذه التي تُقام على جماجم السودانيين؟
كانوا يسمّون الحرب حرب الكرامة. يا لها من تسميةٍ جارحة حين تُوضَع إلى جوار واقع السودانيين!
أيّ كرامةٍ في أن يموت المواطن جوعًا، أو يفتك به المرض، أو تصيبه رصاصة لا يعرف صاحبها؟ وأيّ كرامةٍ في أن يُهجَّر الناس من بيوتهم، وأن تُدمَّر المدن، وأن يُترك الأطفال بلا مدارس، والمرضى بلا دواء، والأسر بلا مأوى ولا قوت؟
وأيّ كرامةٍ في مشاهد القتل والتنكيل، وفي التقارير والشهادات عن الإعدامات الميدانية، والتعذيب، وإلقاء الجثث في النيل، والتمثيل بالأجساد، والاتهامات الجماعية بالتعاون مع العدو؟ وأيّ كرامةٍ في الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، وفي الحديث عن الغارات الجوية التي حصدت أرواح المدنيين؟ إن هذه الوقائع والاتهامات، بما بينها من اختلاف في درجات التوثيق والإثبات، تستوجب تحقيقات مستقلة ومساءلةً لا تستثني أحدًا.
لقد صار السوداني، في ظل هذه الحرب، يواجه الموت بأشكاله المختلفة، بينما تتنازع القوى المسلحة على السلطة والنفوذ، ويُطلب من المواطن المسكين أن يصفّق، وأن يهتف، وأن يصدّق أن كل هذا الخراب طريقٌ إلى الكرامة!
إن الكرامة لا تحتاج إلى خطبٍ عسكرية كي تُعرَف؛ فالكرامة أن يأمن الإنسان على نفسه وأهله، وأن يجد قوت يومه، وأن ينام دون أن توقظه القذائف، وأن يختلف مع الحاكم دون أن يخشى السجن أو الرصاصة. أما تحويل الوطن إلى ساحة موت، ثم مطالبة أهله بالتصفيق باسم الكرامة، فذلك من قلب الحقائق الذي لا يصمد أمام سؤال واحد: كرامة مَن، وعلى حساب مَن؟
ولعلّ أكثر ما يكشف فداحة التناقض ذلك المشهد الذي يتناقله الناس عن البرهان في جولاته، وهو يجلس إلى لعبة الورق، ويحتسي الشاي والعرديب، بينما تتناقل الأخبار مآسي السودانيين، ويسقط الجنود والمواطنون في ميادين القتال وفي المدن المنكوبة.
لا عيب في أن يشرب الإنسان الشاي، ولا في أن يستريح أو يمارس لعبةً للتسلية. إنما العيب في التناقض الفادح بين مشهد الاطمئنان الشخصي ومشهد الوطن الذي يئنّ تحت وطأة الحرب، وبين حياة تبدو عاديةً في بعض الطرقات وحياةٍ تُنتزع من أصحابها في مكان آخر.
أما أولئك الجنود الذين يهتفون للقائد، ويكبّرون له، ويخوضون المعارك باسمه حتى في لعبه للكتشينة، فإن السؤال الأخلاقي الذي يفرض نفسه هو: ماذا جَنَوا من هذه الحرب؟ وكم منهم دفع حياته ثمنًا لقرارات لم يكن له فيها رأي؟ وهل تكفي الهتافات لتعويض أمٍّ فقدت ابنها، أو زوجةٍ ترمّلت، أو طفلٍ صار يتيمًا؟
إن الجندي ليس ورقةً في لعبة الكتشينة، ولا رقمًا يُضاف إلى حصيلة الخسائر، ولا وقودًا لمشروع سياسي أو عسكري. إنه إنسان له أمّ وأب، وله أسرة وأحلام ومستقبل. ومن واجب القيادة أن تصون حياته، لا أن تجعل موته دليلًا على الولاء، وأن تبحث عن سبيل لإنقاذه، لا أن تدفعه إلى حربٍ لا نهاية لها ثم تتحدث عن الكرامة.
ولعلّ المفارقة الأشدّ إيلامًا أن الذين يُطلب منهم دفع الثمن بأجسادهم ليسوا بالضرورة هم الذين يملكون قرار الحرب أو قرار وقفها.
هنا نصل إلى السؤال الذي لا يجوز لأصحاب الشعارات الهروب منه: ماذا يقول جماعة «بل بس» الآن؟
ماذا سيقولون للناس الذين خوّنوهم لأنهم طالبوا بوقف الحرب؟ وكيف سيبررون رفض كل مبادرةٍ للسلام، ثم الترحيب بالسلام حين يأتي الضغط من جهةٍ لا يستطيعون تجاهلها؟ وبأي منطقٍ سيحوّلون التراجع عن الموقف إلى انتصار، والرضوخ إلى حكمة، والتناقض إلى مناورة عبقرية؟
إن كانت الحرب ضرورةً لا يجوز وقفها، كما ظلّ بعضهم يروّج، فلماذا يُطرَق باب السلام اليوم؟ وإن كان السلام مصلحةً وطنية، فلماذا لم يكن كذلك حين نادى به السودانيون، وناشدوا، وكتبوا، وصرخوا في وجه الموت؟
أما الصحفيون الذين جعلوا من تبرير كل موقفٍ للسلطة مهنةً ثابتة، فإن السؤال موجّه إليهم أيضًا: هل ستملكون الشجاعة للاعتراف بأن إطالة الحرب كانت كارثة، وأن تخوين دعاة السلام لم يكن موقفًا وطنيًا، وأن الدفاع عن السلطة ليس مرادفًا للدفاع عن السودان؟
إن الصحافة التي تبرّر للسلطة تناقضاتها ليست صحافةً، بل جهازٌ لتجميل الفشل. والصحفي الذي يغيّر حجته كلما تغيّر موقف الحاكم لا يمارس النقد، وإنما يتملق السلطة من موقفٍ إلى آخر، محاولًا أن يمنح كل تراجعٍ ثوبًا من البلاغة.
لسنا ضد أن يتراجع المرء عن خطئه؛ بل إن الرجوع إلى الحق فضيلة. لكن الفضيلة تقتضي الاعتراف بالخطأ، لا محوه من الذاكرة، ولا مطالبة الناس بالتصفيق لمن ساهم في إطالة معاناتهم. فمن رفض السلام بالأمس، ثم قبله اليوم، مطالبٌ بأن يفسّر للشعب لماذا أضاع عليه تلك الفرصة، وكم من الأرواح كان يمكن إنقاذها لو أنه امتلك شجاعة القرار في الوقت المناسب.
لا تمنحوا الرضوخ شهادة بطولة
ليس المطلوب أن نرفض السلام لأن البرهان دعا إليه، ولا أن نُبقي الحرب مشتعلةً حتى لا يُقال إنه حقق إنجازًا. هذه ليست سياسةً مسؤولة، بل استسلامٌ لمنطق الانتقام الذي دمّر البلاد.
نحن نريد السلام لأن السودانيين يستحقونه، لا لأن البرهان يستحق مديحًا عليه. نريده لأن الأطفال يستحقون أن يعودوا إلى مدارسهم، ولأن الأمهات يستحققن أن يطمئننّ على أبنائهن، ولأن النازحين يستحقون العودة الآمنة، ولأن الجنود يستحقون أن يعودوا إلى أسرهم أحياء، ولأن الوطن يستحق أن يستردّ حياته من قبضة البنادق.
فإذا كان قبول البرهان بالسلام خطوةً حقيقيةً نحو وقف القتال، فلتُقَس قيمتها بما تضعه من حدٍّ للقتل، وما تفتحه من طريقٍ للإغاثة، وما تضمنه من حمايةٍ للمدنيين، وما تؤسسه من انتقالٍ إلى حكمٍ مدني ديمقراطي. أما الرسائل والمنشورات والتصريحات، فلا تنهي حربًا ما لم تتحول إلى التزاماتٍ واضحة، وأفعالٍ قابلةٍ للتحقق، ومحاسبةٍ على الانتهاكات.
ولا ينبغي أن يختلط علينا الأمر: إن إنهاء الحرب ليس صكّ براءةٍ لأحد، ولا يمحو المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن الدماء والدمار. فالسلام لا يعني النسيان، والمصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، ووقف إطلاق النار لا ينبغي أن يتحول إلى ستارٍ يحجب حقوق الضحايا.
نريد السلام، لكننا لا نريد تزوير التاريخ باسم السلام. ونريد وقف الموت، لكننا لا نقبل أن يتحول الذين أطالوا أمد الحرب إلى أبطالٍ لأنهم اضطروا أخيرًا إلى البحث عن مخرج منها.
لقد دفع السودانيون ثمنًا لا يمكن حصره في الأرقام. دفعوه من أعمارهم، وأجسادهم، وأرزاقهم، وبيوتهم، وذكرياتهم، ومن حق أطفالهم في مستقبلٍ لا تحكمه البنادق.
ومن حق هذا الشعب، بعد كل تلك الفواجع، أن يستقبل أي فرصةٍ للسلام بالأمل، وأن يرفض في الوقت نفسه أن تُسرق منه الحقيقة. فمن حق الضحايا أن يعرفوا لماذا مات أحباؤهم، ومن حق الناجين أن تُصان كرامتهم، ومن حق الوطن أن يُبنى على العدل والمساءلة، لا على الدعاية وتبادل الأدوار.
وليعلم البرهان ورهطه أن أعظم ما يمكن أن يحققه السلام ليس أن يُضاف اسمٌ جديد إلى سجل إنجازاتهم، وإنما أن تتوقف آلة الموت، وأن يستعيد السودانيون حقهم في الحياة، وأن يخرج الوطن من قبضة من جعلوا مصيره رهينةً لحساباتهم.
لقد رُفعت الكرامة شعارًا للحرب، فإذا بالحرب تمتهن كرامة الناس. ورُفض السلام باسم السيادة، فإذا بالسلام يُطلب تحت ضغط الخارج. وتلك مفارقةٌ تكشف أن الشعارات لا تصنع الحقيقة، وأن الوقائع أقوى من كل محاولات التجميل.
أما نحن، فقد دعونا إلى السلام حين كان ممكنًا أن يكون شجاعةً واختيارًا، وسنرحّب به حين يصبح واقعًا ينقذ الأرواح، لا حين يُستخدم دعايةً لتبييض سجلّ الحرب.
سننعم بالسلام الذي لا بد له من أن يتحقق، وستكون فرحتنا به فرحةَ شعبٍ نجا من الموت، لا فرحةَ سلطةٍ نجت من مأزقها.
وإذا كان لا بدّ من انتصارٍ في هذه الحرب، فليكن انتصار الحياة على الموت، والمواطنة على الاستبداد، والعقل على الغرور، والحق على الباطل.
أما البطولة، فلا يمنحها خطابٌ موجّه إلى رئيسٍ أمريكي، ولا منشورٌ على منصة «إكس»، ولا تصفيقُ جمهورٍ اعتاد أن يبرّر كل شيء.
البطولة الحقيقية أن يُنقذ شعب قبل أن يُجبر الآخرون القائد “العام” على إنقاذ نفسه.
والكرامة الحقيقية أن تحفظ حياة الناس، لا أن يجعل موتهم ثمنًا لبقائه.
ذلك هو الدرس الذي ستبقى الحرب شاهدًا عليه، مهما حاول المبرّرون طمس الحقيقة، ومهما اجتهدوا في إعادة طلاء الهزيمة بألوان النصر.
فالسودان أكبر من البرهان، وأبقى من سلطته، وأعظم من كل الذين احتكروا اسمه، ثم تركوه ينزف.
والسلام الذي نريده ليس هديةً من حاكم، ولا منّةً من قائد، بل حقٌّ أصيل لشعبٍ أنهكته الحرب، آن له أن يستردّ حياته وكرامته ومستقبله.

تعليق واحد

  1. الاستاذ الفاضل و الوطني الاصيل والمناضل الصامد في زمن الزيف وقلب الحقائق وبيع المواقف لكسب رضاء هذا المسؤول او ذاك او التكسب باوجاع والام وتضحيات هذا الشعب الصابر الشامخ ….. إن كل عباره في هذا المقال تستحق ان تكتب بمداد من ذهب على رقاع من فضه تزين بها جدران القلوب وخلايا العقول تحفظ ليستفيد منها الاجيال حينما تتدلهم الخطوب …. رعاك الله وحفظك وادام عليك بصرك وبصيرتك النافذة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..