اليد الطويلة لجيش البرهان … تحرق مواطني ابيي بعد خور تمباك و مذبحة الكنابي

لم يكتب شعب جنوب السودان تاريخه بالنوايا الطيبة ولا بخطب المكاتب، بل صاغه بنضال عظيم أثبت فيه أنه لا يصغر لضيم ولا يهاب معركة. وإن حرص هذا الشعب الحُرّ على حُسن الجوار وترجيح خيارات السلم لم يكن يوماً عن عجز أو ضعف، بل عن شموخ ونضج الأقوياء الذين يعرفون كلفة الحرب وقيمة السلام. غير أن من غشيت عيونهم عقلية الاستعلاء القديمة لم يستوعبوا معنى شرف الخصومة ولا حكمة الصبر، فظنوا حِلم الجنوب ضعفاً، وصبره استكانة.
«الجيش الشعبي العيونه حمر»—الذي لا يقبل الضيم ولا ينام على انكسار—يقف اليوم شاهداً على محاولة متجددة ومكشوفة لاستفزاز عقيدته القتالية وصبره الاستراتيجي. إن قصف «سوق النعام – أميت» اليوم ليس اعتداءً معزولاً، بل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاستهداف الممنهج لجمهورية جنوب السودان ومواطنيها. ففي أغسطس 2024، طال القصف الجوي بلدة «خور تمباك» بمقاطعة المابان في ولاية أعالي النيل، وحينها احتفظ الجيش الشعبي بحق الرد ومارست جوبا أعلى درجات ضبط النفس تقديمًا لحسن الجوار. ثم تلا ذلك استهداف دموي رخيص للمواطنين الجنوبيين العزل في «كنابي» ولاية الجزيرة عبر تصفيات ميدانية واعتداءات غاشمة. غير أن سلطة الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين في بورسودان توهمت هذا الحلم والصبر ضعفاً وجبناً، فاستمرأت الانتهاكات المستمرة للسيادة والتراب الوطني والعمق الأمني لجنوب السودان.
يمثل قصف «سوق أميت» اليوم بالمسيرات تحولاً خطيراً يطال عمق الترتيبات الأمنية والإدارية المقرة دولياً في منطقة أبيي الخاضعة للولاية والحماية الأممية المباشرة (UNISFA) بموجب القرار 1990 واتفاق 2011. إن توجيه الضربات الجوية نحو هذا الفضاء التجاري والمجتمعي المشترك وسقوط ضحايا مدنيين يُعد انتهاكاً صارخاً لقرارات الفصل السابع والقانون الدولي الإنساني، مما استوجب موقفاً دبلوماسياً حازماً من جوبا عبر استدعاء القائم بأعمال وزارة الخارجية والتعاون الدولي للسفير السوداني وتسليمه مذكرة احتجـاج رسمية شديدة اللهجة.
إن هذا السلوك الهجومي ينبع من جذر «عقلية المستعمر الداخلي» وتكتيكات تفجير الإقليم؛ فبعد أن ساهمت حكومة الخرطوم بالشراكة مع حلفائها الإقليميين في إشعال حرب «التغراي» بإثيوبيا لتفكيك الجوار الإثيوبي، تسعى سلطة بورسودان اليوم لفتح جبهة جديدة وجرّ جنوب السودان إلى فخ المواجهة المباشرة. إنها محاولة يائسة لنكء الجراح القديمة، وتغذية الميليشيات بالوكالة، وتفجير التعايش المجتمعي بين المسيرية ودينكا نقوك، لتصدير الأزمة الداخلية السودانية واستهداف العمق الأمني لدولة جنوب السودان.
إن استمرار هذا العدوان الغاشم واختبار صبر جنوب السودان وجيشه يضع سلطة بورسودان تحت طائلة المسؤولية الجنائية والدولية المباشرة، ويفرض على مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي الخروج عن الصمت للجم مخططات التنظيم الإخواني التي تسعى لجر المنطقة برمتها إلى أتون حرب شاملة؛ فمن تعوّد الانحناء، لا يلوم الآخرين على ركوب ظهره.



