أخبار السياسة الدولية

ثورة الجياع في بلاد الرفاهية

تقرير – لينا عبدالله
هل هو غضب أوروبي واحد؟ من فرنسا إلى إسبانيا والبرتغال مروراً بإيطاليا وبلجيكا وألبانيا، القارة العجوز تشتعل في وقت واحد. احتجاجات في ست دول، ليست حركة واحدة ولا قيادة واحدة، لكن الخيط الذي يجمعها واحد: غلاء معيشة خانق، أزمة سكن، تعليم يتراجع، أجور مجمدة، وخدمات عامة تنهار.

في القلب من كل هذا تقف فرنسا، عاصمة الأناقة والجمال، التي أطفأت أنوار برج إيفل مبكراً لتوفير الطاقة. هل هي قادرة على إنقاذ نفسها دون التضحية بنموذجها الاجتماعي الأسطوري، أم أن الإفلاس المالي أصبح مسألة وقت؟ مئات الآلاف في الشوارع، دخان الغاز المسيل يغطي سماء باريس، مترو معطل، مواجهات وحرائق. المشهد عودة لشبح السترات الصفراء عام 2018، لكن هذه المرة الهتاف ليس عن ضريبة وقود، بل عن رغيف خبز. إنها ثورة جياع في بلاد الرفاهية.

*مقبرة الشركات
70 ألف شركة أفلست قبل اغلاق مضيق هرمز
وفق بنك فرنسا المركزي، بلغ عدد الشركات المفلسة 68,602 شركة في عام 2025. ووفق مؤسسة Altares، بلغ العدد 69,957 شركة. في الحالتين هو أعلى رقم في تاريخ فرنسا الحديث، متجاوزاً حتى ذروة الأزمة المالية في 2009.
القصة بدأت في 2020. لإنقاذ الاقتصاد أيام جائحة كورونا، ضمنت الدولة قروضاً للشركات بقيمة تجاوزت 145 مليار يورو. في 2024 حان وقت السداد، فوجدت الشركات نفسها أمام مقصلة ثلاثية ؛ فاتورة طاقة انفجرت بسبب حرب أوكرانيا، وفائدة بنكية قفزت من الصفر إلى 5%، ومواطن فرنسي مرعوب توقف عن الشراء وأصبح يدخر كل يورو خوفاً من الغد ؛ فسقطت الشركات الصغيرة والمتوسطة واحدة تلو الأخرى.

*سقوط رمز وطني – ميشلان
عندما يسقط اسم مثل ميشلان، فاعلم أن الأزمة أصبحت انهياراً وطنياً. في 5 نوفمبر 2024، أعلنت شركة ميشلان إغلاق مصنعيها في شولي وفان نهائياً بحلول أوائل 2026 وتشريد 1,254 عاملاً. مصنع شولي كان ينتج 4.375 مليون إطار في 2019، انهار إلى 2.625 مليون فقط في 2024. ومصنع فان انهار من 41 ألف طن إلى 34 ألف طن. الشركة قالتها صراحة: أوروبا لم تعد قادرة على المنافسة.
السبب الذي أعلنته الشركة كان صادماً ؛ تكلفة الكهرباء والغاز في فرنسا وأوروبا أصبحت ضعف ما هي عليه في أمريكا وآسيا.
ولم تكن ميشلان وحدها. إمبراطورية المتاجر أوشان Auchan أعلنت خطة لتسريح 2,400 موظف وإغلاق متاجر كبرى. وانهارت شركة الخدمات والتوزيع لتوزيع المطبوعات وأعلنت إفلاسها وتصفيتها بالكامل. العامل الفرنسي ينظر حوله فيجد مصنعه يغلق ويهرب إلى الصين وأمريكا، وحكومته ترفع عليه سن التقاعد وتخفض خدماته.
*فخ الديون والسموم الأربعة
فرنسا لم تحقق فائضاً واحداً في ميزانيتها منذ عام 1974. نصف قرن كامل من الاقتراض. اليوم وصلت الفاتورة: الدين العام بلغ 3.6 تريليون يورو، أي 119% من الاقتصاد، بزيادة تريليون كامل في خمس سنوات فقط. عجز الموازنة يدور حول 6%، ضعف الحد الأوروبي المسموح به وهو 3%. والكارثة هي مقصلة الفوائد: خدمة الدين تلتهم أكثر من 60 مليار يورو سنوياً، وفي طريقها لتتجاوز 100 مليار.

ولماذا وصلت لهنا ؛ بسبب السموم الأربعة ،
نزيف التصنيع وتحولها لدولة مستهلكة بعجز تجاري يفوق 80 مليار يورو سنوياً.
بطلة العالم في الإنفاق العام حيث ان الإنفاق يلتهم أكثر من 57% من الناتج، ومعه أعلى ضرائب في أوروبا.
كابوس الديموغرافيا، شعب يشيخ ويرفض رفع سن التقاعد عن 64 عاما بينما رفعت أوروبا كلها التقاعد عند 67 عام
⁠ الإدمان على الديون ، نصف قرن بلا ميزانية رابحة.
صدمة الضرائب وثورة المليارديرات
لمواجهة العجز، فرضت الحكومة مساهمة استثنائية 20.6% إضافية على الشركات فوق 1.5 مليار يورو، و41.2% على الشركات فوق 3 مليار، ليصبح المعدل الفعلي 36.125% ، ثم حزمة جديدة ، ضريبة 20% على الأصول الفاخرة داخل الشركات القابضة، وضريبة 8% على إعادة شراء الأسهم، ومقترح اشتراكي لضريبة 2% سنوياً على الثروات فوق 100 مليون يورو تطال 1800 أسرة.
هنا انفجر برنار أرنو، أغنى رجل في فرنسا بثروة 170 مليار دولار، واصفاً الضرائب بأنها ستدمر الاقتصاد، وتزامن ذلك مع حكم قضائي ألزمه بدفع 22.5 مليون يورو ضرائب متأخرة. لكن الأخطر لم يكن صراخ أرنو في الإعلام، بل صمت الآخرين الذين لم يصرخوا.

الضربة القاضية ، هرمز وغاز قطر
وفرنسا تنزف داخلياً، جاءت الضربة الخارجية ، في 28 فبراير 2026، بعد الضربات على إيران، أعلن الحرس الثوري الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز. الذي يمر عبره 20% من نفط العالم و20% من غازه المسال ؛ انخفضت حركة السفن من 130 ناقلة يومياً إلى أقل من 14 ناقلة ، فقفز النفط فوق 108 دولارات.

بالنسبة لفرنسا، الضربة لم تكن في النفط، بل في الغاز ؛ بعد قطع الغاز الروسي اعتمدت فرنسا على الغاز المسال القطري، وأكثر من 30% من وارداتها تأتي من قطر وكلها تمر عبر هرمز ، مع الإغلاق، توقفت ناقلات الغاز القطرية، ومحطات دونكيرك وفوس سور مير أصبحت شبه فارغة، وسعر الغاز انفجر فوق 100 يورو للميغاواط ساعة.

النزيف الصامت ، إلى أين يهرب الأثرياء؟
عندما تحاصر رأس المال بالضرائب من جهة وبالمظاهرات من جهة أخرى، فإن رأس المال يرحل بصمت.
وفقاً لتقرير هجرة الثروات الخاصة، خسرت فرنسا صافي تدفق بلغ 800 مليونير غادروا البلاد نهائياً خلال عام 2025، مع استمرار وتيرة الهروب في 2026.
رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وعائلات المال ينقلون مقرات إقامتهم الضريبية إلى سويسرا (جنيف وزيوريخ)، وإلى إيطاليا التي قدمت نظام الضريبة المقطوعة للأثرياء، وإلى دبي.
النتيجة الكارثية، الأثرياء يهربون بأموالهم للخارج، والمصانع تغلق هرباً من تكاليف الطاقة والضرائب، فلا يتبقى داخل فرنسا سوى حكومة غارقة في الديون وطبقة وسطى تدفع الفاتورة من جيوبها فتخرج لتحرق الشوارع.

ما يحدث في فرنسا اليوم هو درس قاسٍ لا يمكن للحكومة تمويل دولة الرفاهية إلى الأبد بقتل الشركات ومطاردة المستثمرين. عندما تفلس 68 ألف شركة في عام واحد ويفر المليونيرات، تتحول الشوارع حتماً إلى ساحة صراع على فتات كعكة تتقلص كل يوم.

ماذا يعني هذا لمصنع ميشلان الذي يشتكي أصلاً من فاتورة الطاقة؟ يعني أن الفاتورة التي قتلت تنافسيته ستتضاعف مرة أخرى.

فهل ما يحدث الآن يمكن أن يقود فعلاً إلى التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..