مقالات وآراء

العاقبة لشباب قيم السماء

ليست كل الهزائم هزائم، وليست كل الانتصارات انتصارات. هناك حقائق يكشفها الزمن مهما طال التزييف، وحقيقة السودان اليوم أن الصراع لم يكن يوماً بين إسلام وعلمانية بقدر ما كان بين قيم السماء العادلة، وبين من استخدموا تلك القيم سلعة، ومن حاربوها علناً.

لقد ارتكب قادة التيار الإسلامي الذين لم يتحرروا يوماً من عباءة العشائرية والقبلية والجهوية أخطاءً كارثية. حولوا مشروعاً رسالياً واسعاً كان يمكن أن يكون مظلة لكل السودانيين، إلى مشروع غنائمي ضيق، يوزع الوظيفة على أساس القبيلة، والترقية على أساس الجهة، والولاء على أساس القرابة.

وكانت النتيجة الطبيعية أن أصبح إقناع شباب الهامش السوداني – في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق – بأن الخيار الإسلامي هو طريق العدالة، مهمة تقترب من الاستحالة. فكيف تقنع شاباً مظلوماً بأن الإسلام هو الحل، وهو يرى من يدعي تمثيل الإسلام هو من يظلمه؟

من هنا يجب أن تُفهم حركات الكفاح المسلح في سياقها الصحيح. لقد جاءت لمناهضة تلك القلة من اللصوص الكذابين القتلة الذين احتكروا السلطة والثروة، ولم تأت لمحاربة المنهج السماوي في ذاته. المنهج السماوي في هذه المعادلة ظُلم مرتين: مرة حين استُغل لتبرير الظلم، ومرة حين تمت مهاجمته باعتباره هو الظلم.

وبين هذا وذاك، ظل الشباب الحركي السوداني الصادق يعيش مأساة حقيقية. وجد نفسه بين مطرقة قادة قبليين جهويين عنصريين لا يرون في الحركة إلا سلماً للسلطة، وسندان جماعات مجهرية لا يتجاوز عدد أعضائها طلاب مدرسة ابتدائية، لكن ضجيجها عالٍ، كرست كل جهدها السياسي والفكري لمحاربة كل ما يمت إلى السماء بصلة، وهي نفسها المكونات التي تجمعت اليوم تحت لافتة قحت. فريق يريد أن يحتكر السماء لقبيلته، وفريق يريد أن يقطع صلة الأرض بالسماء أصلاً.

أمام هذا الانسداد، انقسم الشباب إلى فسطاطين.

آثر بعضهم الابتعاد، لكنه لم يكن ابتعاداً بصمت. كانت هجرة فكرية وجغرافية، هجرة احتجاجية ما زالت آثارها ممتدة حتى يومنا هذا، لشباب رفض أن يكون شاهد زور أو موظفاً عند قبيلة.

وبقي آخرون داخل النظام أو على مقربة منه، متمسكين بمنهجهم السماوي بأفق إنساني وطني واسع، يرون الإسلام عدلاً بين الناس لا امتيازاً لقبيلة. فكان الصدام الحتمي مع النظام الذي ينتمون إليه شكلاً. ودفعوا الثمن من حريتهم. انتهى بهم المطاف في السجون والمعتقلات، أمثال غاندي معتصم، وأبوبكر أحمد، وحمد بحيري، لا لشيء إلا لأنهم طالبوا بأبسط مبادئ السماء: المساواة بين السودانيين كافة في المؤسسات الحكومية التي يعملون بها.

ثم جاءت اللحظة الفاصلة التي أسقطت كل الأقنعة وكشفت معادن الرجال.

عندما أعلنت إمارة أبوظبي بقيادة محمد بن زايد – ولا أقول دولة الإمارات العربية المتحدة، فشعب الإمارات بريء من هذا المشروع – الحرب على السودان الوطن والإنسان، مستخدمة مليشيا قبلية يقودها أميون لا ينتمون للحضارة الإنسانية، ناهيك عن قيم السماء، مدعومة بمرتزقة من كل بقاع الأرض، عندها قامت معركة الكرامة.

في هذه المعركة، من الذي تقدم الصفوف؟

تقدمهم الشباب السوداني بكل أطيافه، وفي مقدمتهم الشباب الحركي المنتشر في مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها، أولئك الذين لم يكونوا منتمين للمؤتمر الوطني أو الشعبي أو الإخوان المسلمين بمعناهم التنظيمي، بل كانوا أبناء قيم السماء بمعناها الحقيقي. قدموا أرواحهم رخيصة، ودفعوا الدم ثمناً للموقف العملياتي القريب من النصر المبين الذي نراه اليوم بأم أعيننا.

إن ما أصاب الخيار الإسلامي في المنطقة من آلام موجعة في فلسطين ولبنان وإيران والسودان، واستشهاد أعظم القادة من أمثال إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، وحسن نصر الله، والإمام علي خامنئي، والأدميرال علي شمخاني وغيرهم من قادة المؤسسة العسكرية في الجمهورية الإسلامية في إيران، وما يتعرض له أهل المنهاج الرباني من تنكيل في المنطقة العربية، كل هذا أعطى للمنحرفين نشوة نصر زائفة وظنوا أنها النهاية.

لكن سنن التاريخ لا تجامل.

ما حدث لم يكن نهاية المطاف، بل كان ثمناً مستحقاً لنصر قادم. فالأفكار التي تسقى بالدم لا تموت، والقيم التي يمتحن أصحابها بالنار تزداد رسوخاً.

أن التلاحم الذي نشهده اليوم بين أبناء و بنات الوطن في معركة الكرامة و المتمثل في قواتنا الوطنية المنضوية تحت قيادة الجيش الوطني؛ لن يترك مكانا للقبلية ، ولا للجهوية، ولا لمال الارتزاق المدفوع من الخارج، ولا لأجندات مكونات قحت المجهرية المعادية للسماء.

إنما العاقبة للشباب الوطني الحركي .

د. حامد برقو عبدالرحمن

‫2 تعليقات

  1. تحت المجهر طول فترة الحرب كتابات سوداني نشأ و ترعرع في مناطق الجيش و الجذور من دارفور. ما زال النفخ في قربة مقدودة و يعبد نفس الصنم!! التركيب النفسي و العقلية التي تنشأ في مثل المجتمع السوداني عامة في إطار فقدان مفهوم القومية، تجعل المرء في حيرة للحد البعيد و لكي تفهم التكوين النفسي و العقلي للبلابسة ، تجدهم كلما رأوا الدمار مع استمرار الحرب أججوها لينفخوا القربة مستمسكين الصنم!!إيه

  2. هل يتكرم السيد حامد برقو بإثبات التالي مما ورد في مقاله:
    1- (كرست كل جهدها السياسي والفكري لمحاربة كل ما يمت إلى السماء بصلة، وهي نفسها المكونات التي تجمعت اليوم تحت لافتة قحت)، ما هو الجهد الفكري والسياسي الذي كرسته قحت ونسختها الحالية صمود لمحاربة السماء؟
    2- (عندما أعلنت إمارة أبوظبي بقيادة محمد بن زايد – ولا أقول دولة الإمارات العربية المتحدة، فشعب الإمارات بريء من هذا المشروع – الحرب على السودان الوطن والإنسان، مستخدمة مليشيا قبلية يقودها أميون لا ينتمون للحضارة الإنسانية)
    هذا المليشيات القبلية التي يقودها أميون ظلت تعمل في دارفور منذ العام 2003 بقيادة موسى هلال وعلي كوشيب وتحت رعاية الحركة الاسلامية وقيادة الجيش وعلى رأسهم عوض بن عوف والبرهان الذى كنى نفسه رب الفور. موسى هلال نفسه كان يقضي فترة العقوبة في سجن بورتسودان، تم إخراجه من السجن ليقود مليشيات الاميين الذين لا ينتمون للحضارة لتعمل على قتله الزرقة في دارفور من قبائل المساليت والزغاوة والفور والتنجر وغيرها من القبائل الافريقية. السؤال للسيد حامد برقو، هل فعل كل ذلك محمد بن زايد؟
    وما تصنيفك لمن غير موقعه من هذه القوات، امثال النور القبه والسافنا، هل ما زالوا من الاميين الذين لا ينتمون للحضارة الانسانية؟ معلوم ان القبه والسافنا كانا من قادة القوات التي دخلت الفاشر وارتكبت كل الفظائع.
    إيران التي تتحدث عنها هذه لا علاقة لها بقيم السماء، وهي أكثر دولة يتم فيها إعدام المعارضين، ولا يسمح للاخر بالوجود والتعبير عن نفسه، وهي من أكثر الدول بعداً عن قيم السماء. أما حماس فإن مغامراتها غير المحسوبة، أو أنها مخترقة، قادت الى كارثة في غزة لم يسبق لها مثيل، وإعطت اسرائيل المبرر لارتكاب كل الموبقات.
    هناك دراسة مقارنة لمؤشر الدولة التي تطبق معايير الاسلام في العدالة والحرية والكرامة الانسانية أجراها الباحث الايراني الاصل حسين عسكري، لم تتصدر ايران ولا غيرها من الدول الاسلامية القائمة،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..