حصاد المسيرات(قصة قصيره)

محمد صالح محمد
لم تكن الشمس قد أشرقت بكامل ضيائها بعد. كانت السماء تتزين بزرقة الصباح الهادئ، والنسيم العليل يحمل معه رائحة القهوة الصباحية الممزوجة بالهيل والقرنفل من حوش “الخالة هنادي”.
جلست “الخالة هنادي”، المرأة الصابرة التي اختط الدهر على وجهها على بنبرها الخشبي المتهالك. أخذت ترشف من فنجانها ببطء وهي ترقب أحفادها الثلاثة. كانت “مريم” ذات الست سنوات، تضفر شعر عروسها القماشية وهي تغني بصوتها الطفولي العذب حداءً قديماً تعلمته منها. وقريباً منها كان أخوها “عمر” يطارد طابة مطاطية صغيرة متآكلة، بينما يرفع شقيقهما الأكبر “عدي” رأسه بين الحين والآخر من كتاب دراسي قديم يحاول قراءته، علّ المدارس تفتح أبوابها يوماً ما.
كان المنزل بسيطاً جداً، جدرانه من الطين والآجر، لا تقي من المطر ولا تحمي من الحرب، لكنه كان ملاذهم الوحيد بعد أن أغلقت الدنيا أبوابها في وجوههم، وبعد أن أصبحت لقمة العيش حسرة وشربة الماء أمنية.
فجأة، انقطع صوت العصافير.
ساد صمتٌ ثقيل، وزحف في أرجاء الحوش طنينٌ خفيض.. طنينٌ حديدي لا يشبه أصوات الطبيعة. لم يكن صوت طائرة نفاثة ترج الأرض وتمنح فرصة للهروب إلى السواتر، بل كان صفيراً ناعماً، إلكترونياً، ينحدر ببرودة قاتلة من كبد السماء.
رفعت “الخالة هنادي” رأسها نحو الأعلى، واتسعت حدقتا عينها برعبٍ شلّ أطرافها. عرفت هذا الصوت جيداً؛ إنه طنين “المسيرة”.
“اخفضوا رؤوسكم! انبطحوا!” صرخت بصوتٍ مبحوح خرج من قاع حنجرتها كأنه استغاثة أخيرة.
لكن الثواني في زمن المسيرات لا تسع للصرخات، ولا تمهل الأطفال ليكملوا لعبتهم.
في جزء من الثانية تحولت السماء إلى جهنم حمراء. انفجارٌ مدوٍ هزّ أركان المكان، واقتلع الجدران الطينية من جذورها. تطاير الغبار الأبيض والأسود ليحجب الضوء، و تحولت أركان البيت الهادئ إلى ركامٍ ودخانٍ وكتمة صدمة لا حراك فيها.
انقشع الدخان ببطء شديد، وكأن الزمان يرفض أن يكشف عن البشاعة.
كانت “الخالة هنادي” ملقاةً على الأرض، أذناها تتذوقان طعم الدم والطرش. حاولت النهوض، لكن جسدها لم يستجب. تجرّعت الركام وبصقت التراب من فمها، وأخذت تحبو على يديها المدماتين نحو مركز الانفجار، تنادي بصوتٍ يتقطع فيه النَفَس: “مريم؟ عمر؟ عدي؟”
لم تجبها سوى صمت القبور.
وصلت إلى موضع الفنجان الذي كانت تشربه قبل لحظات. هناك لم تجد “مريم”. وجدت عروسها القماشية ملطخة بدمٍ ، وثوبها الصغير متمزقاً، وجسدها الطفلي قد تحول إلى أشلاء متناثرة بين أكياس الرمل والحجارة المتفحمة.
وعلى بعد خطوات كان “عمر” ملقىً بلا حراك، وعيناه الواسعتان مفتوحتان تتطلعان إلى السماء التي أتاه منها الموت، وفي يده الضئيلة بقيت الطابة المطاطية مضغوطة بقوة. أما “عدي” فقد انطوى جسده تحت جزء من السقف المنهار، وبجواره الكتاب الدراسي الذي اصطبغت صفحاته باللون الأحمر الداكن.
لم تبكِ “الخالة هنادي”. لم تصرخ.
تجمّد الدمع في عينيها، وجف حلقها تماماً. انحنت ببطء شديد، وجمعت أشلاء نفيساتها الصغيرة “مريم” بين يديها المرتعشتين، وضمتها إلى صدرها كأنها تهدهدها لتنام. جلست وسط الركام، تمسح التراب عن وجه “عمر” البارد، وتتمتم بكلمات غير مفهومة، بصوتٍ ميت، خاوٍ من كل روح.
أقبَل الجيران يركضون والهلع يعلو وجوههم، يحملون الفؤوس والمجارف، لكنهم وقفوا عند باب الحوش المهدوم وسكنوا جميعاً. كان المشهد أكبر من أي رثاء، وأقسى من كل دموع الأرض.
لم تكن هناك ثكنة عسكرية، ولا راية لجند، ولا سلاح سوى لعبة طفل وكتاب تلميذ وفنجان قهوة لم يكتمل.
رفعت “الخالة هنادي” عينيها الغائمتين نحو السماء، حيث كان طنين المسيرة يخبو رويداً رويداً وهي تبتعد عائدة إلى شاشات موجهيها، ليُسجل في أجهزة تحكمهم “هدفٌ تم تحييده بنجاح”.
نظرت إلى السماء وقالت بصوتٍ يقطع شغاف القلوب:
“قتلتُم الأطفال.. فماذا بَقِيَ لكم لكي تنتصروا عليه؟”


