مقالات وآراء

مستقبل الدولة المدنية

أحمد بطران عبد القادر

إن الأزمة السودانية الراهنة في جوهرها تمثل صراعا وجوديا بين تيارين كلاهما جزء من منظومة استبدادية مرفوضة لدى شعبنا ليجهضا مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الذي ولد من رحم الشارع الثوري في ديسمبر ٢٠١٨م والانتصار لمشروع الدولة العسكرية المليشياوية الذي أعاد إنتاج نفسه بانقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م وفجر حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م ليحرق ما تبقى من الوطن
إن انقلاب ٢٥ أكتوبر لم يكن مجرد انحراف عن المسار المدني الديمقراطي فحسب بل كان قطيعة كاملة مع العقد الاجتماعي لإرادة جماهير شعبنا التي ظلت تناضل منذ مطلع ثورة أكتوبر المجيدة ١٩٦٤م وقد نتج عن ذلك انهيار الشرعية الدستورية وتفكك المؤسسات الوطنية وعسكرة المجال العام بالبلاد وقضى على مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة التي دفع شبابنا الدم ثمنا لها
فكانت الحرب الدائرة اليوم هي النتيجة المنطقية والحتمية لتحالف عسكري مليشياوي نشأ وترعرع في كنف نظام الإنقاذ البائد
فعندما تتحول المليشيا إلى قوة موازية للدولة تصبح الدولة نفسها رهينة بيد المليشيات
لذلك فإن رفضنا القاطع لهذه الحرب يعبر عن موقف علمي وثوري رافض لتحويل العنف إلى أداة للوصول إلى الحكم
إن قوات الدعم السريع المتمردة تمثل منظومة إرهابية وفقا لمعايير القانون الدولي الإنساني وتعريف الأمم المتحدة للإرهاب في قرار مجلس الأمن ١٥٦٦ فإن أي جماعة مسلحة تمارس بشكل ممنهج القتل الجماعي للمدنيين والعنف الجنسي كسلاح حرب والنهب والتطهير العرقي والهجوم على البنية التحتية المدنية تستوفي شروط التصنيف كمنظومة إرهابية
إن التوثيقات الحقوقية المحلية والدولية من دارفور إلى الخرطوم إلى الجزيرة تثبت هذا النمط الدموي في ممارسات قوات الدعم السريع المتمردة من قتل ونهب واغتصاب وتدمير ممنهج للدولة ومؤسساتها لذا وجب تصنيفها كذلك من منظور قانوني وأخلاقي وإنساني لا يقبل المساومة

ولئن كنا نعرف الثقافة الثورية بأنها منظومة معرفية متكاملة تقوم على قيم مؤسسة لا حياد عنها فإنه يتوجب علينا إنهاء أسطورة أن الجيش هو حامي الوطن الوحيد وأنه فوق المحاسبة لذا وجب إخضاع العسكر للمحاسبة خصوصا على جريمة الانقلاب على الدستور وإبعادهم نهائيا عن ممارسة العمل السياسي والاقتصادي بكل أشكاله ومسمياته
كما يتوجب تحقيق العدالة فلا سلام دون عدالة انتقالية حقيقية ومحاسبة وجبر ضرر وإنصاف للضحايا وكذلك ضرورة التأكيد على أن الشعب هو مصدر السلطات فلا وصاية عليه لا من العسكر أو غيرهم

إن طريق الخلاص يبدأ بقطيعة حقيقية ثقافية وسياسية مع منظومة الحكم العسكري وعقلية صناعة المليشيات والحل يكمن في تشكيل حكومة مدنية ديمقراطية انتقالية راشدة مستقلة تماما عن هيمنة العسكر والمليشيات حكومة كفاءات وطنية مجربة لم تتلوث بالصراع بصلاحيات سيادية كاملة مهمتها
تفكيك اقتصاد الحرب وإصلاح القطاع الأمني والعسكري ونزع سلاح المليشيات وتسريحها
تحقيق العدل وتطبيق العدالة الانتقالية وإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي والإنساني الشامل
وضع أسس دولة القانون والمؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية علي أساس المواطنةوتمهيد الطريق لإقامة انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تحت إشراف دولي

ومن المهم إرسال رسالة إلى الأمم المتحدة تؤكد أن أخطر ما يواجه الأزمة السودانية اليوم هو تعدد المبادرات وتضاربها بداية من منبر جدة إلى الإيقاد إلى الاتحاد الإفريقي تحول الملف السوداني إلى سوق للمبادرات المتوازية التي تتنافس على الشرعية دون آلية إلزامية تنجز ما اتفق عليه مما أطال أمد الصراع خدمة لتجار الحروب وعليه نطالب الأمم المتحدة بالقيام بدورها الأصيل والالتزام بالجدية المطلقة في حسم فوضى المبادرات ولتكن تحت مظلة واحدة لتفعيل أدوات الحل المناسب لحماية المدنيين والاعتراف القانوني الصريح بأن الدعم السريع منظومة إرهابية خارجة عن القانون وأن الحرب أضحت تهدد السلم والأمن الدوليين لذلك كل من يمد أطرافها بالسلاح يعتبر شريكا في ما يقع فيها من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعلى الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن الدولي اتخاذ الإجراءات اللازمة ضدها

وفي مجال العون الإنساني للسودانيين نجد التقصير الأممي واضحا فقد كان الفشل الأخلاقي الأكبر في هذه الأزمة للأمم المتحدة ومؤسساتها ليس فشلا سياسيا فحسب بل هو فشل إنساني كارثي ومدو
فالعالم يتحدث عن أكبر أزمة نزوح في تاريخه أكثر من ١٢ مليون نازح ولاجئ فإن الاستجابة الإنسانية لم تتجاوز ٢٠٪ من الاحتياجات الفعلية وفقا لتقارير أوتشا نفسها فإن توفير الغذاء والكساء والدواء والرعاية الصحية ليس عملا خيريا بل هو التزام قانوني ملزم بموجب اتفاقيات جنيف ومسؤولية الحماية وعليه نطالب الأمم المتحدة بإعلان حالة الطوارئ رسميا في مناطق القتال وإنشاء ممرات إنسانية آمنة لكسر حصار الغذاء وتوسيع دائرة عمل برنامج الغذاء العالمي ليشمل كل ولايات السودان

وفي مجال العون الدوائي والرعاية الصحية نطالب منظمة الصحة العالمية بإطلاق خطة طوارئ صحية فورية تشمل توفير الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأمراض المزمنة وإعادة تأهيل المستشفيات وتوفير الرعاية الصحية النفسية لضحايا العنف الجنسي والصدمات وحماية الكوادر الطبية من الاستهداف

أما في جانب العون القانوني والحماية فإننا نوضح أن ملايين السودانيين بلا أوراق ثبوتية وبلا حماية قانونية معرضون للاتجار والاستغلال في دول اللجوء لذلك نطالب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومفوضية حقوق الإنسان بإنشاء آلية قانونية دولية لتوثيق الانتهاكات وتقديم العون القانوني للنازحين واللاجئين وحماية النساء والأطفال وضمان حق اللجوء وعدم الإعادة القسرية والبدء فورا في إعداد ملفات العدالة الدولية لمحاسبة الجناة

إن السوداني اليوم لا يموت فقط بالرصاص بل يموت بالإهمال وعلى الأمم المتحدة أن تثبت أنها منظمة للشعوب وليست ناديا لرعاية مصالح الدول الكبرى

إن أزمة السودان لا يمكن حلها بتعدد المبادرات وكثرتها ولكن بالإرادة الوطنية الخالصة المدعومة بالإرادة الدولية والإقليمية الصادقة والحازمة أما ترك السودان ليكون حلبة للصراع الدولي والإقليمي وتقاطع المصالح وتضاربها وتوريد الأسلحة المتطورة لطرفي القتال فإن الأزمة السودانية ستطول وتتعقد أكثر وربما تمتد إلى كل الإقليم والجوار الإفريقي لذا وجب العمل بجدية لوقف الحرب وحماية المدنيين واستعادة المسار المدني الديمقراطي لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية انتصار لقيم العدل والحق وارادة جماهير شعبنا العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..