جلابية بنية ( قصة قصيره)

محمد صالح محمد
كانت الجلابية البنية التي يرتديها “محمد” قد تشربت بلون الأرض التي عبرها، وصارت ثقوبها الصغيرة تشبه خارطةً لصداعٍ لا ينتهي. تجمعت في طياتها خبايا رحلةٍ مريرة، طافت به بين مدنٍ تحولت فجأة إلى محطات للوجع والشتات.
بدأت الحكاية من الخرطوم؛ تلك المدينة التي كانت تمتلئ صخباً بالحياة واليقين، قبل أن ينفجر الأفق فجأة برائحة البارود وأزيز الرصاص الذي لا يرحم. حمل محمد أسرته وما تيسر من الذاكرة، وخرج هارباً من جحيم الموت.
مرّ بالمرابيع وداللبيح متوسداً تعب الطريق وغبار الهزيمة على كتفيه، ومن هناك تقطعت به السبل نحو كوستي، حيث زحام النزوح يضيق به الأفق وتتشابه وجوه المذعورين على ضفتي الحزن، ثم عرجت به خطاه المنهكة نحو الدندر، حيث الطبيعة الصامتة استقبلت الهاربين بنداءات الريح المخيفة.
طالت المسافات، وكل خطوة كانت تقتطع جزءاً من روحه، حتى بلغ بورتسودان. وهناك، على حافة البحر الأحمر، كانت الطوابير الطويلة تئن تحت أشعة الشمس المنتظرة لأمل الخلاص أو تأشيرة عبور نحو المجهول. وقف محمد ممسكاً بطرف جلابيته البنية التي أنهكها السفر، يودّع الوطن نظرةً بنظرة، والبحر يبتلع آخر ملامح الأفق المألوف قبل أن يعبر الحدود إلى المنفى.
اليوم، في تلك الغرفة القصيّة بمدينة بعيدة، حيث السماء دائماً رمادية ولا شيء يشبه دفء الشوارع القديمة، جلس محمد على كرسيٍ مهترئ. قلّب في كفه حجار تسبيحٍ خشبية، وترك نظراته تائهة في الفراغ. وحين هبت ريح الخارج تصفر في النوافذ، غرق في تفاصيل الذكرى، وأحس بغصة المنافي تطبق على حلقه، فتمتم بصوتٍ خافت يغفو على أمل مستحيل:
“متى يعود الخطى إلى الديار يا وطن؟”


