شعبٌ تحت الحصار

محمد صالح محمد
بينما تقف الشوارع مشدوهةً أمام مشهد الانهيار المتسارع، وتتطاول طوابير السيارات أمام محطات الوقود كأفعى متلوية تتغذى على وقت المواطن وأعصابه، يدور في الفضاء الافتراضي والمنابر السياسية صراعٌ مختلف تماماً.
إنه صراع الشعارات المترفة التي انفصلت بالكامل عن أوجاع الشارع اليومية، حيث يُقابل الفقد بالإنكار، وتُجابه الهاشتاقات العفوية بأخرى تُدار بدقة من الغرف المغلقة.
في هذا الفضاء المستقطب يبدو وكأن الخطاب السياسي قد فقد بوصلته الأساسية الخبز والوقود والأمان. ففي الوقت الذي أطلقت فيه الجماهير صرختها عبر وسائط التواصل، يبرز الانقسام السياسي الحاد؛ حيث تُقابل النداءات الإنسانية المطالبة بالحلول والعدالة، بحملات مضادة تُرفع فيها شعارات مثل “تقعد بس” في تمسكٍ مأزوم بالواقع القائم مهما بلغ تهالكه.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في غياب الوقود أو الانفلات المخيف في أسعار السلع الأساسية، بل في الأسلوب الذي تُدار به هذه الأزمات المتشابكة. لقد أتقنت الخطابات السياسية السائدة فن “ترحيل الأزمات”؛ فعوضاً عن تقديم برنامج إسعافي أو خطة طوارئ تنتشل البلاد من هذا النفق المظلم يُعاد إنتاج نفس الأسطوانة المستهلكة: توزيع الاتهامات جزافاً، والتذرع بأوهام المؤامرات الخارجية، ووصف كل صوت ناقد أو موجوع بأنه حجر شطرنج تحركه “أيدٍ خارجية”.
هذا الإسراف في الحديث والتنظير دون خطوة عمل واحدة إلى الأمام، أورث الشارع حالةً من الخذلان العميق واليأس السياسي.
لم يعد المواطن البسيط يكترث بالمعارك الكلامية بين الحلفاء والخصوم، ولا يعنيه كثيراً من ينتصر في حرب “الهاشتاقات” والتراشق الإعلامي حين يرجع في نهاية اليوم إلى بيته بخفي حنين، عاجزاً عن توفير أبسط مقومات الحياة لعائلته.
إن الاستمرار في الشلل التنفيذي، والهروب الأمامي عبر القذف بالاتهامات والتخوين المتبادل لن يملأ خزان سيارة بالوقود، ولن يوقف تدهور العملة الوطنية، ولن يضع حداً لغلاء الأسعار الذي يلتهم أجساد الضعفاء. فالبلاد لا تدار بالاستقطاب ولا تُنقذ بالمكابرة؛ وإن استمرار الخطاب السياسي في معازله العاجية، بعيداً عن أوجاع الناس الحقيقية، لن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار، حيث يدفع الشعب وحده وبشكل يومي، فاتورة ساسةٍ أتقنوا الكلام وعجزوا عن الحل.



