السودان … عندما يفقد الساسة إبداعهم

إذا كانت قوانين الفيزياء و نواميس الطبيعة تقول بأن لكل فعل رد يساوية في المقدار و يعاكسة في الإتجاه ، فيبدو أننا معشر السودانيين قد كسرنا هذه القاعدة و أتينا بجديد لا يساوي جسامة الأفاعيل و لا هول المصائب التي توالت على جسد الوطن الهزيل فزادته وهن على وهن إلى أن تسجى بين الحياة و الموت و هو للموت أقرب.
كما أننا و بفضل إرادتنا الكسيحة و خيالنا المتقاصر ? و أعنى بالدرجة الأولى ما يفترض أنها قوى سياسية- لم نبدع حلولاً توازي فداحة الخطوب و تضع حداً لمعاناة الوطن قبل إستفحالها ، بل أننا لعبنا دور المتفرج بإمتياز و السودان يذهب نحو التجزء ، و لم نفارق الفرجة من قبل و القرى تحرق و الناس يموتون في دارفور و جبال النوبة و كجبار و بورتسودان و نيالا و في زنازين النظام و ليس أدل على فشلنا في هذه الأزمات أن يكون غالب السودانيين في العاصمة و الأقاليم الأخرى لا يعلمون عن أزمة دارفور سوى ما يبثة تلفزيون الأبالسة من فبركات و أكاذيب ، و لم تنجح القوى السياسية في خلق رأي عام ضاغط أو متعاطف مع الأبرياء و السودانيين هناك و كأن الذي يحدث مسرحة السلفادور و ليس داخل الحدود السودانية .
لا أجد تفسيراً لرد فعل القوى السياسية المتمثل في الإستهلاك و البيانات و شرب الشاي في المناسبات الإجتماعية تجاه بلد يضيع أمام أعينهم ، و فساد بلغ شأواً عظيماً و صحف تحجب أو يحررها الرقيب و نقابات تغتصب و تزور إرادة ناخبيها و كوادر تعتقل و تضرب و تهان و ناشطون يمنعون من السفر و كتاب يحرمون من الكتابة و تجييش و موت و فقر و شراء ذمم و عنصرية بغيضة و ضنك في العيش و تردي في الخدمات و تهجير جماعي بل و ندوات و أنشطة تفض داخل دور هذه القوى التي سكنها العنكبوت و الخفاش.
كل هذه المآسي و أكثر واجهتها القوى السياسية بتشرذم بدل تكتل و بخنوع بدل مقاومة و فتور بدل تعبئة ، و أسلمت الجماهير و الرأي العام طوعاً لإخوان الشيطان و طفقت تتسول هذه الجماهير ثورة !!
أكاد أجن و أنا أرى الحزب الواحد يتقسم كعروق اليد و يتنازع قادتة لافتة مكسورة بينما يساق الوطن لحتفه ، لماذا لم نبدع حلاً رغم أن المسئولية الوطنية تملى ذلك تجنباً لإنهيار الوطن و إندثاره ، لماذا لم نتملك إرادة حقيقية ننتشل بها البلد من براثن الضياع ، لماذا ظللنا نحاول حل مشكلة من نوع جديد بنفس الأدوات القديمة علماً بأن هذه الأدوات القديمة في حينها كانت إبداعاً يناسب التحديات القائمة حيث التحرير الأول بقيادة المهدي و الإستقلال الثاني و قبله مؤتمر الخريجين و اللواء الأبيض و إندماج الإحزاب الإتحادية و الجبهة المعادية للإستعمار و هبات الشعب في إكتوبر و أبريل و ما سبقهما من نضال و عمل، لماذا لم يسعفنا خيالنا السياسي إلى طرق جديدة و إندماجات كبيرة و تغييرات عظيمة في أساليب و مواعين و مسارح العمل السياسي تستوعب المتغيرات و تتحرك معها لا تتمرس وراء أفق ضيق و عقل غير خلاق لتكون النتيجة بهذه الفداحة و( نحنا محلك سر) .
ألم تكن السياسة ديناميكية فنتحرك معها بما تستحق ، أليس مطلوب من قادتها الإرادة و بعد النظر و فن القيادة و إتخاذ القرار فيتقدمون الصفوف ، ألا تحتم مسئولية الوطن حلولاً أنجع طالماً فشلت القديمة أم نتلذذ بمنظر السفينة الغارقة لنتلاوم بعدها و نلطم الخدود.
أنا لا أفهم وجود عدد من الأحزاب تتنازع إسم الإتحادي و كذلك الكثير من الأحزاب الحديثة مثل المؤتمر السوداني و التحالف السوداني و حق و الإشتراكي الديموقراطي و الديموقراطي الليبرالي و غيرها و هذا مثالاً لا حصراً إذ قد يضيق المجال و الكثير من الجباه و الكيانات فكيف لهم أن يخاطبوا الجماهير و كيف إثبات الجدية و إمكانية الإقناع ، و كل هذه الأجسام الصغيرة لا حول لها و لا قوة بدليل واحد فقط و منقع للغاية هو إستمرار النظام المتسبب في ما آل إليه حال الوطن الذي ينشطون فيه و لأجله أو بعبارة أخرى وصول حال السودان إلى هذا التردي السحيق و هم ينظرون.
فيا قيادات و كوادر الأحزاب تحركوا و أبدعوا و أخلقوا حلولاً و أدوات جديدة لأن المشكلة جديدة و عظيمة ، ألقوا نيزكاً ضخماً و ليس حجراً في بركة السياسة الراكدة الآسنة ، حركوا الجماهير بفعل جديد يوازي ما ألم بهم من بوار ، و إن أردتم التفوق فعليكم أن تجعلوا فعلكم يفوق ذلك الخراب ، لن يحدث تغيير و أنتم تخوضون معارك في غير معترك و لن يسلم الوطن و أنتم عاجزون عن الإبتكار .
[email][email protected][/email]




من يفقد شئ فهو كان بملكه وبحوزته ولم يكن في يوم من الايام أن تملكت الاحزاب أو السياسين إبداع