لعنة الاخوان بين مصر والسودان .

عندما فاز الأخوان في مصر بالانتخابات التي جرت عقب ثورة 25/ يناير المصرية والتي احتشد فيها شباب مصر ، والذين سموا أنفسهم أخيرا بشباب تمرد ، ومن ثم استولت على الثورة الأحزاب السياسية عندما رأت الشباب يجتاحون الشارع ويقتلعون كل الأشجار والأشواك التي أمامهم ، وعندما اقتنع الجميع بان الشباب الثائر سوف لن يرجع بخفي حنين ، وحينها تم اقتلاع حسني مبارك وزمرته من الحكم ، وبدأ عهد جديد ، عهد ديمقراطي سيجعل مصر في مصاف الدول التي يتم فيها تبادل السلطة سلميا وعبر صناديق الاقتراع .
جاء الإخوان إلى الحكم في مصر ، وأمامهم العديد من التجارب السياسية المريرة للحركات الإسلامية التي أوصلها القدر إلى حكم بلدانها ، فكانت تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا الفتية بقيادة رجب طيب اردوغان منذ العام 2002م ، بعد أن عاشت تركيا تجارب انتخابية وصف بعضها بالنزيه ، وآخر بغير النزيه ، ومن ثم عاشت عدة انقلابات عسكرية ، وسبقتها تجربة أربكان الإسلامية الفاشلة ، ( إن جاز لي التعبير ) والتي تعتبر من التجارب القوية ، فتركيا ليست بلدا عربية ولا تتحدث اللغة العربية ،وهنا يجب الإشارة إلى التركيبة السكانية والقومية ، ووضعها في اعتبار أي حاكم كسبب قوي لنجاح حكمه ، ولا بد أن أشير هنا إلى محاربة العلمانيين لحزب العدالة والتنمية ، ولا بد أيضا أن نشير إلى ما حدث أخيرا من مظاهرات ضد الحكومة التركية .
أما التجربة الثانية فهي تجربة تونس بعد ثورة تونس القوية صانعة الربيع العربي عبر الفتى الشهم ( البوعزيزي ) والتي ألهمت بقية شعوب المنطقة وصنعت لها تاريخا ، وأزالت الصدى الذي علق بالمصريين ، وأزاحت الخوف الذي علق بهم جراء حكم الديكتاتورية ، والاستخبارات وفرض القوة على شعب مصر وغير شعب مصر ، فبعد أن أزيح الرئيس زين العابدين بن على ، أوصلت صناديق الانتخابات الحركة الإسلامية التونسية إلى سدة الحكم بالأغلبية ، ولكن رغما عن ذلك لم يستأسد التونسيون بالحكم ، بل تقاسموه مع أحزاب تونسية أخرى ، تمثل تيارات مختلفة مثل حزب التكتل الديموقراطي ، وحزب المؤتمر من اجل الجمهورية ، وكان هنا صوت العقل التونسي صانع الربيع العربي ، وملهم ثورات الربيع العربي . وكان رأي الشيخ راشد الغنوشي بضرورة أشراك القوى الأخرى .
أما التجربة السودانية ، والتي كان من المفترض وضعها في المرتبة الأولى حسب ترتيب الأحداث تاريخيا ــ وللأسف فإن معظم من تناول هذه المقارنة ، وتسلسل الأحداث للحركات الإسلامية ليسأل المصريين من الاتعاظ بها ، وأخذ العبرة منها ، قد تجاهلوا الحركة الإسلامية الحاكمة في السودان لمدة ( 24 ) عام ، رغم طول التجربة ، وكثرة الشواهد والمشاهد التي يمكن الاستفادة منها ، وهنا لا أدري هل الجهل بالتجربة السودانية أم التجاهل ـــ إلا أنني وضعتها في المرتبة الأخيرة ، لأنها تعبر عن الحالة التي أصابت التجربة المصرية ، وعن المرض المماثل دون العلاج والشفاء ، والتي بدأت بسياسة التمكين ، وضم أعضاء حزب المؤتمر الوطني ، ووضعهم في مراكز قيادية سواء إدارية أو سياسية أو تنفيذية ، مع إقصاء الطرف الآخر ، وإقصاء كل من لم ينتمي إلى المؤتمر الوطني ، فكانت حملات الصالح العام ، والتي هي من أسوأ تجارب الإنقاذ ، فقد أصيبت البلاد بالشلل الكامل ، وتقطعت أوصالها ، وأصابها السرطان الذي لم يفلح معه كيماوي مهندسو السياسة في المؤتمر الوطني بالإصلاح أو الشفاء .
بدأت الحركة الإسلامية السودانية في السودان بفرض منهجها الإسلامي ، فكان العقيد يونس محمود ، وخطابه الناري او الرصاصي المقطِع للأوصال العربية ، والمعادي لكل جار أو صديق ، ففقدت الحكومة البوصلة التي تسير بها ، وأصبحت دفتها ، تحركها الرياح يمنة وشمالا ، وبعد أول ضغط أمريكي بأصبع صغير ، سكت صوت محمود يونس للأبد ، وخبى صوت الحركة الإسلامية ، فلا إسلام طبقت ولا غرب أرضت ، ولا حتى وحدة داخلية استطاعت أن تفرضها داخل أراضيها وحدودها الجغرافية . وكان الانشقاق حتى داخل صفوف الحركة الإسلامية الواحدة ، وانشقاق الدكتور حسن الترابي ، وتكوين حزب المؤتمر الشعبي بعد المفاصلة الشهيرة في 1999م .
تململ الأخوان في مصر في الحكم ، وبدؤوا كما بدأ إخوانهم في السودان ، ولم ينتبهوا ، ولم يكترثوا ، لما حدث لأخوانهم في السودان ، بدؤوا مباشرة بسياسة التمكين ، والحزبية قبل الأهلية في الوزارات ، والحزبية قبل الوطن ، رغم علمهم بمعارضة مصرية قوية ، وكانت كل خطواتهم وحركاتهم تحرك المعارضة وتؤلبها عليهم ، وحتى أخوان السودان لم يستفيدوا من أخوانهم في مصر ، وكانت الزيارة الأخيرة لمرسي للسودان ، والتي بمجرد الحديث عن ملف حلايب ، ثارت عليه القوى المصرية المعارضة ، واستطاعت أن تثير الرأي العام ضده ، وكانت نتيجة الزيارة ، غضب الأخوان في السودان ، وإثارة الرأي العام المصري .
مهما يكن من أمر فإن الإخوان في مصر عليهم أن يحمدوا ربهم كثيرا ، لان التاريخ لن يرحم ، ولان مداد سجله لم ينقطع ولن ينقطع ، وان سجل الأحداث في الفترة السابقة ، لم يسجل لهم ما يحمدون عليه ، وانه قد سجل لهم إخفاقات ، لا تتناسب مع عمرهم السياسي ، وان لهم عذرا للأجيال القادمة ، بان العسكر قد انقلب على الشرعية الدستورية ، ولم يفسحوا لهم المجال لتطبيق برنامجهم الانتخابي ، بعكس إخوانهم في السودان الذين قضوا في الحكم ربع قرن ، ولم يحققوا 1% من برنامجهم ومنهجهم ، والذي أهمه الآية الكريمة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون” سورة المائدة / الآيه 45
فتح الرحمن عبد الباقي
7/7/2013
[email][email protected][/email]



