السودان : علاقة مضطربة مع المعارضة.. ومعقدة مع «الجنوب»

السودان: علاقة مضطربة مع المعارضة.. ومعقدة مع «الجنوب»

الخرطوم- الطيب اكليل

الجبهة الداخلية في السودان مضطربة، كحجارة ألقيت في بركة ماء. هناك السلطة الممسكة بمقاليد الأمور، والمسيطرة على الثروة والمال، والمتحصنة باللجب من الجيوش الجرارة بمختلف أسمائها ومسمياتها، من عسكر وقوات أمن وشرطة من أجل بقائها. إنها 23 عاما منذ أن اعتلى العسكر وحلفاؤهم متون دباباتهم، ووصوبوا بنادقهم وفرضوا إرادتهم.

دارت الأيام وكانت اتفاقية السلام (نيفاشا) مع الحركة الشعبية الجنوبية، وما تبعتها من اتفاقيات مع أحزاب المعارضة الأخرى. وكانت النتيجة استفتاء الجنوب المشهود، وما قاد إليه من نتائج. وبعد الانفصال، عرف النظام أنه في ورطة كبيرة لا يحسد عليها. استدرك أن الأحزاب التي تدور في فلكه هي أحزاب صغيرة لا تقدم ولا تؤخر، وتتهافت لأخذ العطية من منسوبي النظام، وأبنائهم. وهو يريد الأحزاب الكبيرة بطرحه لا بطرحهم، حتى لا يموت كما تموت العير. وقد نجح النظام الى حد كبير حتى الآن في كسب ود حزب الاتحادي الديموقراطي الأصل، وضمه لتشكيل الحكومة العريضة، بعد تمنع. وأفلح أيضا في إحداث كوة في جدار حزب الأمة، واستطاع التأثير في خطاب زعيمه الصادق المهدي، ليدعو الى التغيير والإصلاح، والجهاد المدني، بدلا من إسقاط النظام.

أين المكاسب؟
بإزاحة الحزبين الكبيرين من المواجهة يكون الجو قد خلا لحزب المؤتمر الوطني لمواجهة الأحزاب الرافضة لوجوده، مثل حزب المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي، وأحزاب صفوية أخرى صغيرة.
وبالفعل، بدأ النظام في تنفيذ سياسته في عزل ومحاصرة تلك الأحزاب المعاندة، «لتجاوزها الخطوط الحمراء»، وفق قول أحد قياداته، وفي التضييق على الحريات الصحفية استهلها بتعليق صدور صحيفة رأي الشعب الناطقة بلسان حزب المؤتمر الشعبي، ومداهمة دارها والاستيلاء على ممتلكاتها، ومرورا بصحيفة ألوان المستقلة خلال الأيام الماضية، بسبب نشر حوار مع قيادية في المؤتمر الشعبي. ولا ندري على أي صحيفة أخرى تدور الدائرة. كما تفيد المعلومات عن قيام السلطات باعتقالات في ولايات أخرى.
ترى الحكومة أن أحزاب «تحالف» جوبا باتت في حكم المقدور عليها. ويمكن تمرير كل شيء من دونها، ومنها الدستور الدائم المفترض إعداده في المرحلة المقبلة، بمشاركة كل مكونات المجتمع السوداني. ولكن هيئة المعارضة تكاد تجزم بأن الحكومة قد أعدت دستورا مسبقا منذ أربعة أشهر، وتسعى لاجازته في ظل هذه الظروف الحالية المعقدة، حيث نصف البلاد في حالة حرب، والبقية في المعتقلات، والأحزاب في حالة حصار محكم. وهي ترفض هذا العزف المنفرد الذي ابتكره الرئيس البشير، لأكثر من مرة بقوله إن الشعب قد حسم أمر هويته بعد ذهاب الجنوب. ورغم ذلك، يواجه النظام تحديات الجبهة الثورية المكونة من الحركة الشعية في قطاع الشمال، والحركات الدارفورية، خاصة بعد انضمام حركة العدل والمساواة إليها.

اختراق محدود
من هنا، ندرك أن فرحة النظام كانت عظيمة عندما أعلن عن مقتل زعيم حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم في منطقة ودبندة في دارفور يوم 23 ديسمبر الماضي، بضربة جوية دقيقة. واعتبر الرئيس البشير مقتل خليل بـ«القصاص الرباني» جراء ترويعه للآخرين!
على أي حال، تشعر السلطة، وبعد تغييب زعيم حركة العدل والمساواة، بأنها أحدثت اختراقا كبيرا، خاصة في تحالف الجبهة الثورية. فهي أدرى بقدرات الراحل خليل، وقد وصلت قواته اليوم الى مدينة أم درمان.
والحقيقة تقال، إن حركة العدل والمساواة لن تكون كما كانت عليه بوجود خليل، رغم تعهد قياداته السياسية والعسكرية بالسير في الدرب لاستكمال المشوار.
والعد التنازلي لسطوة حركة العدل والمساواة بدأت منذ أن وصلت الخرطوم وإنجامينا الى اتفاق أمني بوقف الأذى المتبادل بترتيب من واشنطن وباريس، حتى يصفو الجو لإجراء استفتاء جنوب السودان في هدوء، ووقتها كانت محادثات الدوحة في أوجها.
وقد استفادت الحكومة مع التغيرات الحادثة في المنطقة، خاصة في ليبيا، ومصر. وتبنى البشير خلال زيارته الأخيرة لليبيا فكرة الدعوة لمؤتمر إقليمي للتعاون بين دول الجوار في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتجارية.

خلافات تقلق الجميع
إن حدود الدولتين (2100 كلم) من أطول الحدود مع الدول المجاورة. وثانيا، وفي ظل المعطيات الحالية، يعتبر السودان دولة جنوب السودان أكبر مهدداتها الأمنية على الإطلاق، خاصة بعد تحولها الى حاضنة للمتمردين.
ونرى أن التشابك الجيوبوليتيكي بين الدولتين يلقي بظلاله الحالكة على علاقاتهما. فبدلا من أن تكون علاقات وئام صارت «خصاما». لقد انفصلت دولة بعلاتها، وحبلها السري مازال معلقا بالسودان. مسائل كثيرة مازالت عالقة، أهمها قضايا النفط والحدود وملف تقسيم النيل ومشكلة أبيي.
وتحاول عدة دول، ومن بينها الولايات المتحدة وأثيوبيا والاتحاد الأفريقي ومصر، التوسط بين البلدين لإيجاد حل مقبول لخلافاتهما.
ومن أكثر القضايا تعقيدا هي قضية النفط. فالجنوب لا يملك بنية تحتية للتصدير، فهو يعتمد على أنابيب السودان وموانئه. وحتى الآن يختلف الطرفان حول قيمة رسوم عبور النفط. وشرعت الخرطوم في أخذ مستحقاتها عينا، والحساب يجمع. ولم تفلح مقترحات الوساطة الأفريقية حتى الآن في إقناع الطرفين.
وأثار هذا الخلاف أيضا قلق الصين، وهي الشريك الاستراتيجي في إنتاج النفط السوداني، خوفا من أن ينعكس التصعيد سلبا على مصالحها. لذا تحركت بكين بمبعوثها الخاص لتطويق الأزمة، وتقديم النصح للطرفين لحل قضاياهما بطريقة ودية. وتعتبر الزيارة التي قام بها الى الخرطوم أخيرا وفد رفيع من الحزب الشيوعي الصيني بمنزلة تعضيد لهذا المسعى.
وقد نصحت الإدارة الأميركية أيضا الخرطوم وجوبا بإبداء المرونة اللازمة من أجل التوصل الى حل لقضية النفط، ومن ثم الالتفات إلى القضايا الأخرى. فقد طلبت واشنطن من الخرطوم عدم عرقلة تدفق النفط عبر أراضيها، والامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية، وحثت جوبا على رفع قيمة رسومها لكي لا تؤذي السودان.
وأيضا فإن صفو العلاقات أو تعكيرها متوقف على التوصل لحلول حول المناطق الحدودية المختلف عليها. ويذكر أن الدولتين قد عقدتا اتفاقا أمنيا في سبتمبر 2011 لمراقبة الحدود، وتحديد نقاط للتفتيش والجمارك، وممرات لتسهيل حركة المواطنين.
والمعضلة الكبرى، هي منطقة أبيي الغنية بالنفط. وهي تبدو مستعصية الحل، مع ادعاء كل طرف بتبعيتها له. السودان يقول إنها شمالية، ودولة الجنوب تقول إنها جنوبية. وبين الشمالية والجنوبية تنتشر القوات الأثيوبية بقرار دولي.
ومما يزيد العلاقة تعقيدا وجود الميليشيات الجنوبية المتمردة في الولايات الحدودية. واشتكت جوبا أخيرا من أن بلداتها الحدودية تتعرض للقصف الجوي من قبل الطيران السوداني خلال ملاحقته لفلول الحركة جراء القتال الدائر في الولايتين، في حين تقول الخرطوم إن المتمردين، بقيادة الحلو ومالك عقار، في النيل الأزرق على علاقة وارتباط بالحركة الأم، ويتلقون الدعم والتسليح منها. ووصلت شكاوى الدولتين المتبادلة الى أروقة مجلس الأمن.

القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..