الصادق المهدي : فقدنا هرماً من اهرماتنا المعنوية الفنية..فيديو –

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه

أخواني وأخواتي أبنائي وبناتي السلام عليكم ورحمة الله.

أنا أريد أن أكتب عبارات على شاهد الراحل وردي، وأبدأ بالحديث عن أن في تراثنا الإسلامي من يحرم الموسيقى والغناء دون وجه حق، لأن كثيرا من المحققين أمثال ابن حزم والغزالي وابن القيسراني أكدوا عدم صحة هذا التحريم. ومقولة الغزالي: من لم يحركه العود وأوتاره والربيع وأزهاره فاسد المزاج ليس له علاج.

في التركية تفسخ المجتمع مما أدى لموقف صارم من المهدية حول هذه القضايا: ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم.

ولكن بعد ذلك فإن الإمام عبد الرحمن انطلاقا من كلمة المهدي نفسه: لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال، صالحنا مع هذا التراث، مصالحة امتدت لكل الذين قاموا في هذا المجال حتى أن عبيد عبد الرحمن أحد شعراء الحقيبة قال في رثائه:

آويتنا ودنيتنا وناديتنا بي أسمانا

ولميت شقة الفرقة الزمان قاسمانا

أيادي نعمتك في كل شيء مقاسمانا

لقد قدمت بهذا لأدخل في الموضوع لأن هناك ناس عندهم حرج في الكلام في هذا الموضوع. المعنى الذي أود أن أكتبه أولا في هذا الشاهد أن هذا الرجل كان مغنيا وشاعرا وكان موسيقارا وكان ملحنا، وقد غنى قصائد لحوالي 25 شاعرا فكأنما هو قد غنى لديوان شعراء السودان، هذه المسألة انفرد بها لأن كثيرا من الفنانين يغنون لواحد أو اثنين منهم.

كان رحمه الله فخورا بنوبيته ولكن كذلك فصيحا في عروبته، والعروبة أصلا لم تكن ولن تكون عرقا، العروبة لسان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك عروبة العربي بلسانه وليس بعرقه، ولذلك كان هو تجسيدا لرفض الشعوبية ولرفض العروبية. كان لذلك يجسد هذا المعنى: عزم ترهاقا وإيمان العروبة، عربا نحن حملناها ونوبة.

كان قيثارة لضمير الشعب في محطات مصيره المختلفة: كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية، عبد اللطيف وصحبه، اليوم نرفع راية استقلالنا، أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق، بلا وانجلا، والموقف الضميري من الانقلاب الأخير. في كل هذه الأمور كان يمثل ويعبر عن ضمير الشعب.

تغنى بصوت جهور بلا غلظة. رقيق بلا تشدق محتفيا بالمحبة وكثير من الناس يؤثّمون المحبة، المحبة فيها الأثيم، ولكن المحبة في حقيقتها (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)، هذا السكون هو المحبة، المحبة هي الصماغة للعلاقات بين الناس:

قال قوم إن المحبة إثم ويح بعض النفوس ما أغباها

أنا بالمحبة قد عرفت صحبي أنا بالمحبة قد عرفت الله

المحبة هي ثمار العلاقة بين البشر لولاها لا تقوم العلاقة إلا كما الحيوان.

صار سفيرا شعبيا فنيا للسودان في القرن الأفريقي وفي شرق أفريقيا وفي غرب أفريقيا بل حيثما يتغنى الناس بالنغم السلم الخماسي كان هناك حاضرا ومقدما بين المطربين.

إن أنسى لا أنسى يوم كنا في الاحتفال الأخير يوم شهدنا احتفال الجنوب بانفصاله وكنا في مائدة وقلت للأخ ياسر عرمان: أين وردي؟ لأنه كان متأخرا في الفندق قال هو تعبان قلت له خذ رسالة مني قل له قال لك فلان ضروي تحضر فجاء، عندما غنى أغنية يا بلدي يا حبوب، وبعدين أغنية أصبح الصبح وحينما جاء المقطع: أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا، كل القيادات الجنوبية الموجودة وقفت ترقص وترقص، قلت له يا أخي الفنان أنت استطعت أن تجسر الهوة التي فشل الساسة أن يزيلوها.

كان ظاهرة عبقرية في الصوت والموسيقى واختيار الكلمات، وفي الحقيقة الفن االمبدع لا يموت فهو خالد وحتى الآن نحن نتغنى بالحقيبة، ولا شك أن فنه خالد: مزمار من مزامير داؤد، حتى لدى الهرم، حتى لدى الشيخوخة كان صوته فتيا كما يقول المتنبي:

في الجسم نفس لا تشيب بشيبه ولو أن ما في الوجه منه حراب

يغير مني الدهر ما شاء غيرها وابلغ أقصى العمر وهي كعاب

غادرنا ومشهد وفاته كان تقديما حقيقيا لأوراق اعتماد الفن على أساس أنه من لبنات الحضارة السودانية. كان هذا المشهد يؤكد هذا المعنى. الحقيقة أن أهل السودان عبروا عن هذا المعنى اللهم إلا قلة معلبة محنطة أحفورية لأنه: (من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)؟

ظنوا التدين تكشيرا وعكننة وقبضة وجه في صحبة وفي ولد

الدين مسحة بشر واغتنام مودة ما أبعد الفرق بين الدين والنكد

ألا رحمه الله رحمة واسعة وربنا قال في حديث قدسي: ?رحمتي وسعت كل شيء?، وقال حكيم من العرب:

يا عظيم الذنب عفو الله عن ذنبك أكبر

اكبر الأشياء في أصغر عفو الله تصغر

نسأل الله سبحانه وتعالى له الرحمة الواسعة وقد أسعد كثيرا من السودانيين وأبهجهم وأفرحهم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الخلق عيال الله خيركم خيركم لعياله، قد أدخل البهجة والسرور على كثير من الناس. نسأل الله سبحانه وتعالى حسن العزاء لزوجه ثريا وعلوية ولأبنائه والبنات عبد الوهاب وصباح وحافظ وسونيا وحسن ومظفر وكافة أسرته الصغيرة، ولكافة أسرته الكبيرة نحن أهل السودان الذين فقدنا هرما من إهراماتنا المعنوية الفنية.

والسلام عليكم.

[VIDEO=http://www.youtube.com//v/7AogiXcnvIU&feature=player_embedded#!]WIDTH=400 HEIGHT=350[/VIDEO]

تعليق واحد

  1. رحمة الله ومغفرته للفنان محمد وردي

    التحية والتجلة للإمام المتواضع المعدن الاصيل الذي لايصدأ مشارك الجميع همومهم وضيع ورفيع في الافراح وفي الاتراح

    رمز الوسطية الذي لايتشدد في منهجة ولايرفض الاخر صفي السيره والسريرة الماسك لسانه عن الصفات البذئة والشتائم والسباب

    تعلموا يامن تدعون انكم الرابطة الشرعية للعلماء السودان ويامن تدعون انكم اعلم الناس داينآ ودنيا

    تواضعوا لله ولرسوله ولعامة الناس وللعلم وطلبه يرفعكم ويرحمكم الله

    هذه هي اخلاق الامام الصادق فلا عجب

  2. رحم الله وردي فقد كان هرما سامقا و سيظل فنه خالدا ما دام هناك متذوق للفن…. و حفظ الله الامام الصادق المهدي و اطال عمره و نفع به … و حفظ الله اهل السودان الانقياء الاوفياء ممن لم يتلوث بسموم المشروخ الحضاري و يشرب من لبن الغولة و يتبع جنود ابليس الذين جاؤوا بالحقد و الفتن و البلاء و الغلاء و الحروب…
    وردي عليه الرحمه و الامام حفظه الله و كثيرين امثالهم من القابضين على الجمر منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا ……هؤلاء رموز السودان … رموز عزتنا و اخلاقنا و تسامحنا و محبتنا و طيبتنا ….

  3. التحية لك ياحبيبنا وأمامنا……..التحية لك يا طاهر القلب يا عفيف اليد ………يا راقى الكلام……… التحيه لك ولكل من تبع خطاك من الأحبة………… والرحمة لفقيد الامة السودانيه لمناضل الكلمة والصوت والوتر رحمة الله عليه .
    أطال الله لك فى عمرك بالصحة والعافيه يا حبيبنا.
    طارق العريفى (ابوعمرو)

  4. يا ليتك كنت تركت السياسة وتفرغت للامامة. حاجتنا لك في هذه بأن ترسخ الوسطية في الامة.

  5. اغنيات وردي وابداعاته سيكتب لها الخلود اكثر بكثير من خطبك سيدي الامام ….عذرا فالسودان الذي جمعه وردي شتتوه بمثل لغتكم التى تشبه ناس وما تشبه ناس جوه هذا السودان …فذهب وردي اليوم وغدا سيذهب كل بقطعته في هذا السودان الذي بدأ بقطعة الجنوب وغدا…..لقد عرف وردي لغة توحيد السودان وعجزتم انتم وغيركم في ذلك …رحمة الله عليك ياوردي

  6. وأناديكى وأناجيكى
    زِى مانادَت عَبقَريّةْ الدُّوش

    بَلَد… شايلِنَّها فوق الرّموش
    وغَنّاها الأصلى مامَغشوش,

    فنّان عموم إفريقيا:
    إنسان, غابات ووحوش

    الغُناو مَابِحتاج رِتوش…

    أطرَبنا وطِرِب
    مَعانا السّما والحوش
    *************************
    عاطف كمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..