من وحي حادثة عوضية عجبنا (مندي الأخرى)

رباح الصادق
إن مقتل سليلة السلطان عجبنا البطل التاريخي للنوبة ولكل السودان في الساعة الأولى من فجر الثلاثاء 6 مارس هو حدث جلل، ليس فقط لفكرة أن مقتل إنسان بدون وجه حق وهو في حد ذاته حادثة تسوى قتل الناس جميعا كما قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، ولكن أيضا لأن الحادثة تنكأ جروحا وطنية عديدة ظلت مفتوحة يدعو كل ذي ضمير لعلاجها العاجل، ولكن تغيب الإرادة السياسية في الاستجابة لتلك الضمائر التي طال كدحها وعذاباتها تماما كذات الرداء الأحمر!
أول تلك القروح هو الخلل التشريعي. فقانون النظام العام الذي تعمل تحته شرطة أمن المجتمع (شرطة النظام العام) معيب بشكل فظيع، إنه يعطي تلك الشرطة حق التحسس والمداهمة والاعتقال ويعطي قضاتها حق إصدار المحاكم فوريا فيما سمي بـ(قضاء الماكونالدز) أو الأطعمة المحمولة، فقانون الإجراءات الجنائية يستثني قضايا النظام العام وبعض المواد في القانون الجنائي من التعامل بالإجراءات العدلية الطبيعية التي تحتاج إلى أمر قبض وأمر تفتيش وما إليه من إجراءات صيغت دوليا لضمان سلامة العملية العدلية. هذه الحقوق المعطاة لشرطة أمن المجتمع تجعل أي مواطن ومواطنة في سيره العادي هدفا لدورياتهم الليلية والنهارية التي نهايتها جلد مؤكد باسم القضاء، وبدايتها جلد أو كركرة وحشية على يدي جنود النظام العام.
وقد فضحت الحادثة برواية أسرة الشهيدة عوضية كيف كان أداء هذه الشرطة مخترقا حتى للقانون المعيب، فقد أخذ الأخ (محمد) بجريرة متوهمة لأخيه (وليد) وبدأ ضربه وهو مريض بدون أن يعرف الجنود حتى من هو ولا يتهم بذنب. أما وليد فقد (نط في رقبته) بتعبيره اثنان من الجنود في سير له عادي باتجاه الدكان فقط لأن المنطقة التي يسير فيها، وهي أمام منزله (مشبوهة) بحسب الشرطة! وهي تصرفات سبقت عهود القوانين العدلية الحالية وتشبه قوانين الماضي الأغبر التي كانت تأخذ الأقرباء بجريرة أقربائهم، بل بزتها لتأخذ الناس بجريرة المناطق التي يقطنون فيها، وهل للمناطق ذنوب؟ ثم في النهاية تم استخدام عنف غير مبرر بإطلاق الذخيرة الحية، وكل مبتدئ بالقانون يعلم أولويات استخدام الشرطة للسلاح حيث ينبغي استخدام العيارات المطاطية إذا دعت الضرورة، بل حتى في القبض على أعتى المجرمين لا يستخدم السلاح الناري إلا بضوابط فلا يصيب في مقتل، بينما الطلقتين اللتين أصابتا عوضية كانتا بالرأس. ثم يخرج بيان الشرطة مبررا لكل ذلك ومليئا بالأكاذيب والإساءات لأسرة الشهيدة، ما اعترف به حتى وزير الداخلية ووالي الخرطوم في زيارتهما لأهل الشهيدة في 7 مارس ونشر في صحف أول أمس (8 مارس)، فطالب العضو السابق بمجلس قيادة الثورة (إبراهيم نايل إيدام) وهو قريب للقتيلة، في تأبينها من أمام منزل أسرتها بالديوم يوم الخميس بالقصاص من القتلة وقال بعدم كفاية شهادات الوالي والوزير المنشورة في الصحف بل لا بد من إصدار بيان رسمي من الشرطة يقدم اعتذارا عن البيان الشائه الذي صدر باسم الشرطة ولكنه في الحقيقة لا ينتمي للشرطة بل لمن أسماهم الدخلاء على الشرطة، مشيرا إلى أن الشرطة أفسدت بدخلاء عليها غيروا من أخلاقياتها وصاروا سببا في المفاسد مطالبا بتطهير الشرطة من هؤلاء. وإلى نفس هذا المعنى ذهب الشيخ سيف الدين إمام المسجد الذي كانت له علاقة جيدة بأسرة الشهيدة قائلا إنهم يدعون محاربة الخمور وهم يساعدون عليها. ويأتي ذلك معضدا لتقرير فضائية (العربية) في 7 مارس حول حادثة اغتيال عوضية من أن الشرطي الذي اغتال عوضية كان يعمل تحت تأثير الخمر.
كل هذا يطلق صافرات الإنذار ويقول بضرورة وقفة شجاعة أمام النفس الشرطية والاعتذار الرسمي والقصاص من الجناة كتعويض معنوي للأسرة وكذلك الاستعداد لتقديم التعويض المادي لأسر ضحايا فجر 6 مارس بالديم وعلى رأسهم أسرة الشهيدة، كما قال الإمام الصادق المهدي في تصريحه أمس لدى زيارته معزيا لأسرة الفقيدة. وكان قد أدان الحادثة بشدة ضمن كافة رموز المجتمع السوداني وشرائحه محتسبين إياها شهيدة عند الله تعالى، وقال الإمام كذلك: (ينبغي الإسراع في إجراءات العدالة الثقافية وإبرام الميثاق الثقافي الذي طالما نادينا به والذي يطالب باحترام جميع الإثنيات والثقافات المتشاركة في الوطن وإعادة الاعتبار لها في مناهج التعليم والإعلام وتمثيلها العادل في القوات النظامية والأجهزة العدلية بما يضمن المساواة ويزيل الاستعلاء من جهة والغبن من جهة أخرى).
وهذا هو ثاني الجراح التي نكأتها حادثة عوضية. ففي هذه البلاد عدم مساواة ثقافية لدرجة بالغة، إن أبطالا أمثال السلطان عجبنا جد القتيلة يكاد يعرف عنهم التلميذ في مناهج التاريخ أو يعرف ثقافة الأما (النيمانج) وغيرهم من قبائل السودان العزيزة التي كان لها دور مقدر في التعريف بالسوداني كشخص صاحب مبدأ ثابت وبسالة منقطعة النظير، وقد كان أداؤهم في المهدية مذهلا فقد لاذت بهم الدعوة المهدية في مهدها وعلى يدي السلطان آدم أم دبالو وصحبه الكرام تربت الشرارة حتى صارت نارا استحال اطفاؤها على المحتل آنذاك، ومن جديد شكلوا حضنا لاذ به خليفة المهدي إثر (الكسرة) في كرري سبتمبر 1898 نحو عام وزيادة ظلوا هناك حتى قرروا كرا آيسا نحو أم درمان ينحر الدولة ويبقي شعلة الدعوة، في نوفمبر 1899م. فأرض جبال النوبة مشهورة بسمو قيم وأخلاق أهلها وبسالتهم، ولكنك حينما تقرأ بطولات التاريخ ترى التركيز على أبطال الشمال النيلي بشكل يثير الغبن للبقية، ويجعل أهل الشمال أولئك يظنون أن ما غيرهم من بقاع وقبائل السودان خلو من المكارم والحادثات العظام.
لقد كان من محاسن الخدمة المدنية في الماضي الخلط المتعمد للموظفين وأسرهم بجميع بقاع السودان في تجوالهم المستمر وهو الشيء الذي انعدم مؤخرا ويجب إعادته. أقول ذلك لأن تجربة شخصية جمعتني عن قرب وزمالة حميمة بأحد أولئك الكرام من الأما وهو المهندس الريفي سبو جمونا، في عملي لسنوات قليلة بالهندسة جعلتني أدرك درجة الظلم الحائق في مناهج التعليم والإعلام السودانية التي تركز على جهات دون غيرها مؤكدة للتهميش الثقافي وهو الأبلغ في زرع الغبائن عن الهيكلي الذي اهتمت به وخططت لإزالته اتفاقيات السلام عبر العهود.
إن هذه الحادثة ينبغي ألا تمر بدون مراجعات أساسية، وإلا فلنأذن بنهاية توقعها الجميع في تفتت السودان الحالي مزيدا، وهو تفتت يرحب به البعض ممن يضيق ذرعا بالتنوع الإثني والثقافي في السودان ويريد عروبية عرجاء تنكر أي هجين أو تنوع على نهج (الانتباهة) المقيت.
لقد هزت حادثة عوضية ضمائر السودان الحية، وضمائر النساء على وجه الخصوص ولسخرية القدر فقد جاءت قبل يومين من 8 مارس يوم المراة العالمي. لكأنما كتب عليهن في كل 8 مارس وقفة على أشلاء حقوق النساء في السودان، ففي العام الماضي كانت حادثة صفية إسحق حية (13 فبراير 2011م) مما حدا بناشطات مبادرة لا لقهر النساء تسيير تظاهرة في 8 مارس 2011م احتجاجا وكانت نهايتهن زنازين الحراسات، وفي 8 مارس هذا العام جاءت حادثة عوضية فالتقت الناشطات في منزل الشهيدة وهتفن: دمنا لونو واحد، وفي النهاية تأكد لديهن المعنى أن يوم 8 مارس في السودان هو يوم بطعم حسرة النساء وغصصهن.
في صباح 8 مارس 2011م أرسل لي الصديق الحبيب محمد صالح مجذوب تحية بالموبايل تقول:
في مارس تمانية ، فلنحيي نسانا
أمهاتنا الخلّــد للعيون إنسانه
بالنضال أخواتنا زي درر منصانه
يوم مبارك ودايما خير نسانا كسانه
وبالرغم من أن الأبيات أطربتني مثلما يفعل شعر الصالح دائما إلا أنني ردتت عليه برسالة أخرى بنكهة ذلك اليوم الحنظلية:
في مارس تمانية الضو حرب لي مسانا
نحن دفنا منـــدي وما خبرنا أسانا
والشيمة التجبد فينا زايدة قسانا
قوللها يا غِرِق يا العز بهل وكسانا
ومندي هي ابنة السلطان عجبنا التي قتل ابنها وهي تحمله أثناء القتال وقد غنت لأبيها أنشودة تغنيها فرقة عقد الجلاد (كوجو كونو كرنتلا..مندي)، وعوضية ليست إلا مندي أخرى من ذلك البيت الشامخ، تقبل الله شهادتها، وأعاننا جميعا في تقويم كل هذا الاعوجاج، وأن تكون حادثة عوضية هي بداية الوقفة التي لا جلوس بعدها حتى نصل، كمثل عاشق (الجزيرة أم بحرا حما) قال لها: فيك روحي وحبي النما، ما بسيبا إن بقى في السما، ما بخلي الناس تظلما، روحي في دربك سايما، يا غرق، يا جيت حازما!
وليبق ما بيننا




والله ياستاذه مقالاتك مفيده وليس بها عيب الا التحدث عن ابيك الامام الذى لايستحق ان تشوهى به افكارك لانو حقيقه مانافع اطلاقا ومضلل ومحبط ويكاد يكون عميل للموتمر الوطني وخائن للوطن ودماء الشهدا جميعا واخشى ان ياتى يوم ويقف مسائلا امام الله ماذا قدم لشعبه وقد كان راعيهم وماذا قدم لشعبه الذى وثق به ومايزال سوى الكلام ثم الكلام الذى لايقدم ولايوخر حتى اصبح اضحوكه على السنه قوادى نظام الانقاذ ام انه الدور الذى رسم له والا الن يوديه ببراعه يحسد عليها
تحية لك اختي رباح مقالك ينم عن فهم عميق للمشكلة السودانية التي اصبحت كل يوم تزداد وتيرتها ولهيب نيرانها ولكني اطرح عليك سؤال وارجو ان تجلسي مع ابيك وتطرحيه عليه .الدكتور قرنق عندما كان يحارب حكومات الشمال كانت حربه نابعة من هذا الظلم الذي يتعرض له المواطن السوداني وابوك حكم السودان مرتين فلماذا لم يغير من المفاهيم التي تتحدثين عنها في مقالك للاسف معظم المواطنين الشماليين عندهم انفصام شخصية في تعاملهم مع قضية العرق وابوك واحد منهم
اترحم علي الشهيدة واتمني ان لاتعملومن الحبه قبه اعتزارالشرطه بعددامابفيدبي شي المطلوب مننانشوف نهاية التحقيقات
زمن حكم ابوك الشرطي لومابسكراوبعربدمابجندوهو اولومن المتقين جامع بعد6مساءمابقدراركع فيهولاامن ولاامان كلوكان حكم سيدي اوسيدك
.sister Rabah,it will change soon .god will.
“إن مقتل سليلة السلطان عجبنا ”
طبعا فرصة ليك لتأصيل فكرة الوراثة السياسية.أطمنك كل النوبة ومعاهم أغلب السودانيين حتى الانصار المعاكم رافضين للوراثة السياسية، يخش ودالامام ومولانا مع الانقاذ أو يطلعوا ياهو حاصل ضرب صفر ثلاث مرات.
لو الجماعة ديل سليلين الحسب والنسب (يا من تصطادون في الماء العكر) لماذا رفض أبوك وعمتك دفن أمين حزب الأمة مع آل المهدي في حوش الخليفة
يا أبو قنايه..وين حصلت (فضيحة شركة الاقطان)..صحى النوم..بس تعرفوا الحسم فى مثل هذه القضايا !!!أما قضايا الفساد سادين (دى بطينه ودى بعجينه)!!منكم لله
بسم الله الرحمن الرحيم
منذ فتره تحدث معى من اثق فى حديثه . حيث نقل الى حادثه بطلها رقيب شرطه ابن اخت النائب الاول على عثمان , يتولى مالية شرطة المرور ويسكن فى حى القماير وهو مدمن على الخمر , وبقرب وجوارة تسكن بائع خمور بلديه يقوم بحمايتها من الشرطه , وفى يوم اعلان رؤية هلال رمضان احضر كميه من الخمور واتصال باصدقائه من اجل خم الرماد ، وقبل ان يصل اصدقائه قامت الشرطه بتسور منزله والهجوم , وقد كان مخمورا وقام باطلاق النار على الشرطه واردى عدد منهم ، وقام باجراء اتصال تلفون وحضر مدير الشرطه , ورغم ذلك رفض المخمور دخول الشرطه وابلغهم انه سوف يستمر فى اطلاق النار على كل من يقرب او يحاول دخول منزله ، وحضرت كل الشرطه ورغم ذلك لم يتمكنوا من الدخول ونقل الموتى واجلاء الجرحى وبعد تدخلات عليا ، قام ابن اخت النائب الاول
السلام عليكم ورحمة الله
مقال طيب ومرتب وموضوعي وارجو ان يؤخذ بالحسبان ومشكورة عليه
السيد الصادق المهدي كبير وفوق الشبهات وطني غيور علي السودان واهله اتفقنا معه او اختلفنافارجو ان نحترم كبيرناونوقره . للكل الحق في عرض رأيه مع عدم التطاول علي الاخرين
اذا صفت النية وكانت خالصة لوجه الله وصلنا الي سودان واحد موحد ارضا وشعبا وارجو ان تكون الصفة التي تسود كلمة كلنا مواطنون في هذا البلد نختلف ونتفق ويكون الاحترام هو هدفنا اي بلادنا
اسأل المولي العزيز القدير ان يلهمنا الصواب .