حارة ناس (لالا) الحلقة الأخيرة

حارة ناس (لالا)
الحلقة الأخيرة
1-
وَأَنَا أَخْطُو دَاخِلاً قَاعَة الانْتِظَار، لَمَحْتُهَا جَالِسَة تُحَادِث فَتَاة تُمَاثِلُهَا حُسَناً وَجَمَالاً، وَفَتَى وَسِيْم أَنِيْق بعمر الفتاة أو أكبر قليلا.
لِوَهْلَة بَدَأَت لِي الأَشْيَاء غَيْر الأشْيَاء، وَأَن الْكَائِنَات لا تَسْتَقِيْم كَمَا يَنْبَغِي، كَأَن زَلْزَلَة قَد رُجَّت الْمَكَان رَجا.
قَبْل أَن أَنْهَار، اسْتَنَدْت إلى أَقْرَب مَقْعَد، جَلَسْت عَلَيه وَأَنَا أُحَدِّق فيها غَيْر مُصَدِّق.
كَان ذَلِك فِي مُنْتَصَف سَبْعِينَات الْقَرْن الْمُنْصَرِم، فِي إِحْدَى زِيَارَاتِي لِلْعَاصِمّة، وَأَنَا أَدْلِف إلى قاعة الانتظار بعِيَادَة أَحَد أَصْدِقَائِي.
لِبُرْهَة، حَسِبْت أَنِّي وَاهِم، رُبَّمَا شُبِّه لِي، لا ليس هذا شبهاً، هي بعينها، لا مجال للشك في ذلك. بِالْرَّغْم مِن مُرُوُر عَقْدَيْن مَن الْزَّمَان، إِلا أَنَّهَا مَازَالَت تَحْتَفِظ بِنَضَارَتِهَا وَأَلْقِهَا وَحُسْنِهَا الْطَاغِي، تَمَاماً مِثْلَمَا كُنْت أَرَاهَا فِي صَبَاحَات أَيَّام الْصِّبَا الْبَاكِر.
احتضنت حيرتي، واستترت خلف تظاهري بِقِرَاءَة مَجَلَّة وَجَدْتُّهَا عَلَى طَاوِلَة أَمَامِي، و بَين حِين وَآَخَر أَخْتَلِس الْنَّظر إليها.
وَهِي تُعَدّل وَضْع ثَوْبهَا، حَانَت مِنْهَا الْتِفَاتَة تِجَاهِي، خُيِّل إلى حِينَهَا أَنِّي لَمَحْت شَيْئاً مِن الدَهْشَة، وَطَيْف ذِكْرَى فِي لَمَعَان عَيْنَيْهَا، لِلأسَف، لَم يَدُم ذَلِك أَلا قَلِيْلا، ثُم وَاصَلَت حَدِيثهَا مَع الْفَتَاة.
بِنِدَاء مِن مُوَظّفَة الاسْتِقْبَال، قَام الْفَتَى مُصْطحِبَاً الْفَتَاة وَدَخَلا لُمُقَابَلَة الْطَّبِيْب، وَبَقِيَت هِي تَتَشَاغَل بِتَقْلِيب الْمَجَلات وَالصُّحُف. هذه فرصتي لأضع حداً لتأرجحي بين الشك واليقين. اقْتَرَبَت مِنْهَا، َأَلْقَيْت بِالْتَّحِيَّة، تَطَلعْت نَحْوِي بِوَجْهٍ بِاسِم وَرَدَت تَحِيَّتِي.
بارتباك واضح خاطبتها:
– مَعْلَيش أَنَا مُشبِّهِك عَلَى وَاحِدَة مِن مَعَارِفِي
– وَأَنَا ذَاتِي مشبَّهاك، انْت مِن نَاس وَيَن؟
– مِن نَاس كَسَلا
ثم بتعجلٍ ولهفة سألتها مستبقاً ردة فِعلها:
– مُش انْتِ لالا؟
– وَانْت مُش الْوَلَد الَكَان كُل صَبَاح يَجِي يُعَايِن لِي وَيَمْشِي ؟
وشُعُور بِالأسَف عَلَى الأيَّام الْضَّائِعَة يَغْمُرُنِي أَجَبْتُهَا:
– بِالضَّبْط
– مَا شَاء الْلَّه كِبرْتَ وَبقِيت رَاجِل
– وُإِنّت زِي مَا إِنْت
ضَحِكْنَا، جَلَسَت بِجِوَارِهَا، وَعَلامَات اسْتِفْهَام كثيرة تَتَقَافَز أَمَامِي، أَيْن قَذف بِهَا القدَر كُل هذا الزمن ؟ و مَن تَكُوْن هَذِه الْفَتَاة الَّتِي كَانَت تُحَادِثُهَا وَالَّتِي تشْبِهُهَا ؟ رُبَّمَا هِي ابْنَتِهَا ؟ لَكِن، كَيْف وَمَتَى وَأَيْن ؟ وَالْفَتَى ؟
بصوت هامس دافئ انتشلتني من لجة تساؤلاتي:
– كنت كل يوم تمر من قدام البيت، فَجْأَة اخْتَفَيت، مَالك ؟
قَصَصْت عَلَيْهَا الْمَوْقِف الَّذِي أَرْعَبَنِي وَجَعَلَنِي أُقْلِع عَن عَادَتِي تِلْك، ضَحِكَت وَهِي تُخْبِرْنِي أَنَّهَا كانت منتبهة وبكثير من الفضول لمروري اليومي، و للنظرة المتلهفة التي أصوبها نحوها. فِي ذَلِك الْيَوْم بِالذَّات، انتظرتني عاقدة العزم على مناداتي لاستجلاء حقيقة أمري، وحين هَمَّت، لحظة أن رأتني، بِفِعْل ذلك، ظَهَر صاحبها.
بابتسامة رقيقة واصلت حديثها:
– بَعْد دَاك مَاشُفتَك تَاني، أتَارِيك كُنْتَ خَايِف
و كَان لابُد لِي أَن أَسْأَل، وَكَان لابُد لَهَا أَن تروي لي مَاذَا فَعَلْت بِهَا الأيَّام.
2-
– رُبّمَا كَانَت حَيَاتِي ستَمْضِي لِغَيْر مَا آَلَت الَيْه، لَو أَن جَدَّتِي لَم تصِر عَلَى زَوَاجِي مِن ذَلِك الْشَّيْخ الْهَرِم. الْلَّه يَرْحَمُهَا.
بِصَوْت هَادِىء مُترع بالأسى، بَدَأَت (لالا) تروي حكَايِة حياة خَط اليُتْمُ أَوَّل سَطْر منها، وأكملت تسويد صَفَحَاتِهاَ قَسْوَة الْجِدَّة الَّتِي خَافَت مِن تفْتح جَمَال (لالا) وَفِتْنَتهَا، فَصمّمَت عَلَى تَزْوِيجِهَا، فَكَان نَصِيبها ذَلِك الْرَجُل الَمسَن الْثَّرَي، الَّذِي تفَصَّل بَيْنَه وَبَيْنَهَا مِسَاحَة شَاسِعَة مِن الْعُمْر وَاخْتِلاف الْمَشَاعِر وَأَحْلام صبِيَّة مُفْعَمَة بِالْحَيَوِيَّة وَالْشَّبَاب. مَسَاحَة أَدَّى اتِّسَاعِهَا عَلَى مَر الأيَّام، لِتَقَع (لاّلا) فِي هَوَى الْعَامِل الشَّاب الَّذِي يَعْمَل لَدَى زَوْجهَا، حَتَّى إِذَا مَا اكْتَشَف الْزَّوْج خِيَانَتهَا، رَمَى بِهَا عِنْد جَدَّتِهَا، لِيَبْدَأ فَصَل آَخَر مَن الْمَهَانَة وَالْعَذَاب، أسْدل عليه مَوْت الْجدَّة سِتَارَه إلى حين. لِتُوَاجِه (لاّلا) بَعْدَهَا الْحَيَاة وَحِيدَة لا حَوْل لَهَا، و مطمعاً لكل طامع.
– عِيِبَي أَنِّي كُنْت سَاذَجَة، أَثِق بِأَي شَخْص يظْهَر لِي الْعَطْف وَالْحَنَان، دُوْن تَفْكِيْر فِي مَدَى صِدْقُه، وَهَذَا مَا أَوْصَلَنِي إلى الْخَوْض فِي وَحْل الانْحِرَاف
تَنَهَّدَت بِعُمْق، وَاكْتَسَت نَبْرَة صَوْتَهَا بحزنٍ دفين:
– قطْعَا لَيْس هَذَا بِالْسَّبَب الَّذِي أبرر به انْحِرَافِي، إِلا أَنِّي كُنْت فِي حَاجَة لِمَن يَحْمِيْنِي، لِلإحْسَاس بِالأمَان حَتَّى وَإِن كَان زَائِفا.
بدأت (لالا) رحلة البحث عن الأمن والحماية، حتى انْتَهَى بِهَا الْحِل وَالتّرْحَال بتِلْك الْحَارَّة، وَمَع ذَلِك الْرَّجُل، الَّذِي قَالَت عَنْه أَنَّه كَان شَهْمَاً، كَرِيمَاً مَعَهَا، بِالْرَّغْم مِن مِزَاجُه الْمُتَقَلِّب، وَالْمَتَاعِب الَّتِي يَتَعَرَّض لَهَا مِن جَرَّاء عَمَلُه الْمَحْفُوْف بِالْمَخَاطِر.
فِي أُحْدَى زِيَارَاتِهَا لِلْعَاصِمّة، الْتَقَت بِرَجل مَيْسُور الْحَال، أُعْجب بِهَا، فَعَرَض عَلَيْهَا الْزَّوَاج:
– فَاجَأَنِي طَلَبِه، وهو يعلم تماماً مَن أَكُوْن، وَكَيْف تَمْضِي حَيَاتِي، فرفضت.
أَصَر الْرَّجُل عَلَى طَلَبِه، مُؤَكَّدا لَهَا أَن الْمَاضِي لا يُهِمُّه فِي شيء، إِن هِي صمّمت عَلَى تَصْحِيح مُسَار حَيَاتهَا، و أقسم لها َأَنَّه مُنْذ الْلَّحْظَة الَّتِي توافق فيها على الاقتران به، سَيُلْقِي بِذَلِك الْمَاضِي خلْفَ ظهره، وَلا يَطْلُب مِنْهَا سِوَى الإخلاص لَه. ثم أمْهِلَهَا أَيَّاما لِتَفَكُّر وَتَقَرَّر:
-كَانَت أَصْعَب أَيَّام مَرَّت بِي، تنَازِعنِي فِيهَا الْخَوْف مِن الْقَبُوْل، وَالْخَوْف مِن الْرَّفْض
فِي نِهَايَة الأمْر، تَزَوَّجَهَا، وَعَاشَت مَعَه حَيَاة مَلِيِئَة بِالْحُب وَالاحْتِرَام،كان فيها عند كلمته وأوفى بقسمه، وكذلك هي. ثُم أَنْجَبَت ابْنَتهَا الْوَحِيدَة، الَّتِي زَادَت حَيَاتهمَا بَهْجَة وَأَلْقَا.
بعفوية وضعت كفها على ساعدي:
– طَبْعَا أَكِيْد عَرَفْت أَن الَّتِي مَعِي هِي ابْنَتَى، و الْفَتَى هُو زَوْجُهَا، ابْن أُخْت زَوْجِي، الْلَّه يَرْحَمْه.
لا شُعُوَرَياً بدأتُ أَرَدَّد بِصَوْت خَفِيْض:
– نَاس لالا نَاس لالا نَاس لا…. خلّو الاّلا وَالاّلا فِي حَالها…….بُكْرَة الْدُّنْيَا جَايّالا جَايّالا
ابتسمت، وغيمة ذكرى تظلل عينيها، همست:
– بِالْمنَاسَبَة اسْم (لالا) دَه اسْم الْشُّهْرَة، مَافِي زُول هسَّه بْيَعْرِفُوْا، اسْمِي الْحَقِيقِي، (حُوريَّه)
قَطَع حَدِيْثَنَا وُصُول ابْنَتِهَا وَزَوْجُهَا، تَبَادَلْنَا التَّحَايَا، تَوَقَّعْت أَن تعرفهم بِي، إِلا أَنَّهَا تَغْاضَت عَن ذَلِك، مُتَجَاهِلَة نَظَرَاتهُمُا المُتسَائِلّة. رُبَّمَا تُحَدِّثُهُم عَنِّي لاحِقَا، وَرُبَّمَا لا، فَالأمْر لا يعني أَحَدا سِوَانَا.
وَهِي تهَم بِالْخُرُوْج مَعَهُمَا، الْتَفَتَت نَاحِيتِي، غَمَرَتْنِي بِنَظْرَة حَمَلَت فِي ثَنَايَاهَا أَطْيَاف الْمَاضِي وَذِكْرَيَاته،
ثُم غَيَّبَهُم ظَلام الْطَّرِيْق.
النهاية



