توضيح للردة على تخوم الحرية

أرغب في توضيح الرؤية حول موضوع حد الردة ، وسأسوق هنا الأمر في شكل نقاط:‏
النقطة الأول: هل تم تناول حد الردة بالبحث الذي يتفق ومنهج البحث العلمي؟
الإجابة هي ، نعم ، ومن أفضل المؤلفات في ذلك بحث للدكتور العلامة محمد عشماوي . وأبحاث ‏أخرى وأغلب هذه الأبحاث انتهت إلى آراء متناقضة:‏
رأي : متشدد يرى أن الردة حد من حدود الله لا يجوز لولي الأمر أن يسقطه.‏
رأي: وسطي يرى أن الحد ينفذ على من ارتد ولكن بشرط أن يعلن محاربته للإسلام .‏
رأي: يرى أنه لا يوجد ما يسمى بحد الردة في الأساس.‏
والواقع أن كل رأي ينطلق من آيدولوجيته الخاصة ، ويسقطها على النصوص. ‏
النقطة الثانية: من الناحية القانونية:‏
أولاً: من يرون أن الحد غير دستوري ، فهم يتناسون أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي ‏للتشريع ، بل أن المحكمة الدستورية تراقب مدى مخالفة أي قانون أو حكم أو قرار للشريعة ‏الإسلامية. وإذا قلنا بأن الحد مختلف حوله فقهاً ، فالواقع أن هذا الخلاف لا ينفي أن الدستور يؤكد ‏على أن الشريعة الإسلامية والإجماع هي المصدر الرئيسي للتشريع وبما أن هناك إجماع من ‏جمهور الفقهاء على استتابة المرتد فلا أهمية للآراء الأخرى وهذا ما أكدته المادة (م5/1) من ‏دستور السودان الانتقالي وهذا ما دار حوله نقاش طويل وقديم في مصر لأن الدستور المصري ‏نص على أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع وليس المصدر الرئيسي للتشريع وهذا ما أكدته ‏محكمة النقض المصرية في أكثر من حكم لها .‏
‏ ومن ثم فلا يمكن لنا في السودان الاستناد قانوناً إلى أن القاعدة الجنائية التي تجرم حد الردة ‏مخالفة للدستور ، وحينما تتعارض قاعدة دستورية مع الشريعة الإسلامية فإن هذه القاعدة نفسها لا ‏يمكن أن تصادرها ، فحرية المعتقد مكفولة في الدستور ولكن يجب ألا تخالف الشريعة أن تحديد ‏نطاق هذه الحرية نفسه يجب أن يتم تحت رعاية الشريعة الإسلامية . فالمسيحي حقه مكفول ‏واليهودي وغيره ، أما من كان مسلماً وارتد فإنه يخضع لحكم الشريعة الإسلامية . فنحن إذن؛ أمام ‏قاعدتين دستوريتين متعارضتين ، قاعدة تحمي العقيدة ، وأخرى تجعل من الشريعة الإسلامية ‏مصدراً للتشريع . فأيهما نطبق؟ لا شك أن الشريعة الإسلامية ستكون هي الأولى لأنها الأكثر ‏تعلقاً بالنظام العام ، والنظام العام هو كل المبادئ الثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية التي يقوم ‏عليها المجتمع ويحميها . (في الواقع هذه المبادئ يقررها من يصل إلى السلطة ، فإن كان إسلامياً ‏كانت ذات طبيعة إسلامية وإن كان شيوعيا ، ليبرالياً…الخ) . فلقد قلت مراراً بأن القوى المنتصرة ‏هي التي ترسم توجهات القانون الأساسية.‏
ثالثاً: استند البعض إلى العهد الدولي ؛ الذي ينص على حماية حرية العقيدة ، في الواقع هؤلاء ‏يجهلون حقيقتين مهمتين :‏
الحقيقة الأولى: أن العهد الدولي ليس ملزماً قانوناً ، بل له فقط إلزام أدبي. ‏
الحقيقة الثانية: أنه لا يجوز لأي اتفاقية أو معاهدة أن تخالف الدستور ، فالمعاهدة تأخذ درجتها ‏كقانون داخلي (أي درجة التشريع البرلماني) ولا ترتفع إلى درجة الدستور . ومن ثم فإن هذه ‏الإتفاقية إذا خالفت الدستور يجب إبطالها . بل ولا يجوز لها على وجه الخصوص أن تخالف ‏الشريعة الإسلامية. ‏
تتدرج مصادر التشريع كالآتي: (الدستور ، التشريع البرلماني ، اللوائح ، العرف ، مبادئ العدالة ‏والانصاف ).‏
لذلك ؛ فإن ما أقوله هو أن النقاش حول موضوع حد الردة ، لا يختلف أبداً عن القضايا الكلية ‏التي لا ينتهي الجدل حولها ، كعلاقة الدين بالدولة ، كلٌّ من منظوره الخاص ، وكافة الجدليات ‏المرتبطة بها ، فحرية المعتقد مرتبطة بتطورنا البشري تجاه حرية الانسان ، فالعبودية التي لم ‏تستطع الشرائع السماوية أن تلغيها بكلمة مقدسة نهائية ؛ إستطاع الإنسان أن يلغيها بقرار ، ومثل ‏ذلك علاقة الأنا بالآخر ، الديموقراطية والحكم الديني (المرشد مثالاً) ، حرية المعتقد …الخ . هذه ‏قضايا منبثقة من صراع عام بين المقدس والعقل ، بين التطور البشري والانكفاء على التراث ، بين ‏تجميد النصوص وتحريرها كما ذهب إلى ذلك العديد من المفكرين المعاصرين أمثال نصر حامد ‏أبو زيد وجمال البنا وخلافهما .. ، إذن؛ فحد الردة لا يُقضى فيه عبر جدل عقلاني ، لأنه يمثل ‏أنموذج للصراع بين العقول والقلوب ، فمن ينادي بالتجديد الديني يسعى لإيجاد موطئ قدم ‏لمفاهيمه الخاصة ، ومن يتمسك بالتراث يعتقد بأنه جاء في آخر الزمان الذي يكون القابض على ‏دينه كالقابض على الجمر ، وهكذا ، فمجمل القول أن القضية ليست قضية منطق رياضي بقدر ‏ما هي قضية إتجاهات نسبية ، وأن الحسم فيها يكون بوصول صاحب الفكر إلى السلطة ليمارس ‏اللعبة الأزلية ، وهي خلق القانون الذي يفرض مذهبه على الكافة . إنها قضية صراع في المقام ‏الأول ، وهو صراع مشروع تبنته كافة الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت ‏الرأسمالية وأعدمت العشرات لمجرد انتماءاتهم الشيوعية ، تماماً كما فعل الاتحاد السوفيتي ، وإيران ‏، وألمانيا ، وبريطانيا وفرنسا عبر التاريخ . ‏
ما أقوله هو ضرورة النظر إلى الصورة الأوسع ، لكي لا نغرق في بحر الجدل السفسطائي والذي لا ‏تبلغ أعماقه منتهاها. ‏
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..