بشير عبادي يتذكر

قرأت في الأيام الماضية كتاب الدكتور بشير عيادي القيادي المايوي السابق ويحمل الكتاب اسم(في دروب التنمية- تجارب ومواقف)،والكتاب من 314 صفحة من القطع الكبير، الناشر مركز محمد عمر بشير للدراسات الأهلية، جامعة أم درمان الأهلية، عام 2009 م، بغلاف أنيق مصقول وإن كانت الطباعة الداخلية التي تمت في مطابع السودان للعملة المحدودة أقل أناقة. خصص الدكتور عبادي معظم صفحات الكتاب لتجربته مع نظام مايو العسكري مع سرد موجز لسيرته الذاتية منذ النشأة الأولى. شغل الدكتور عبادي مناصب هامة ومؤثرة في نظام مايو رئيسا لمجلس إدارة الخطوط الجوية السودانية، وزيرا للنقل والمواصلات،ووزيرا للصناعة، ورئيسا لمجلس جامعة الخرطوم، إلى جانب مناصب أخرى شرفية أو اقل أهمية. وخصص أكثر من 45 صفحة من كتابه لمشروع سكر كنانة الذي ترأس مجلس إدارته (77-1981). ورغم أن الدكتور عبادي ولج لنظام مايو من باب مهنيته، فصار وزيرا من فئة التكنوقراط، إلا أن ارتباطه بالنظام تطور بعد ذلك ليكون عضوا في المكتب السياسي لما كان يسمى بالإتحاد الإشتراكي السوداني،الذي يعتبر نظريا السلطة السياسية العليا في البلاد،وعمل مشرفا سياسيا علي بعض المديريات أو الولايات كما يطلق عليها اليوم.
من أهم إنجازات الدكتور بشير عبادي أثناء توليه الحقائب الوزارية،التي وصفها في كتابه، وإن لم ينسب الفضل لنفسه وحرص على ذكر أدوار الآخرين، إنشاء طريق مدني القضارف بورتسودان وادخال طائرات البوينج في الخطوط الجوية السودانية وإنشاء محطة أقمار أم حراز المتزامنة مع تحديث وسائل الاتصالات ومشروع سكر كنانة،ولهذا أعرب عن (عظيم امتنانه وبالغ شكره للسيد جعفر محمد نميري وثورة مايو لإتاحتها الفرصة له للمساهمة في خدمة بلاده في تلك المواقع المتميزة راجيا من الله أن يكون قد وفق فيما شارك فيه من عمل).ولم ينس أن يذكر أن قيادة نظام مايو( لم تكن ترغب في أن يرتبط أي من مشروعات التنمية باسم أي شخص من الوزراء أو المسؤولين،وأن تنسب كل المشروعات لشخص الرئيس جعفر محمد نميري دون سواه، ولا يكتب في أي حجر أساس لأي مشروع أو لوحة لافتتاح أي مشروع سوى أن الرئيس جعفر محمد نميري هو الذي قام بوضع حجر الأساس أو قام بافتتاح المشروع)،وقد صدر تعميم من رئاسة مجلس الوزراء بهذا الشأن.
عقب فصل نميري عدد من كبار أساتذة جامعة الخرطوم(من بينهم العلماء الأجلاء عبدالله الطيب والنذير دفع الله وصالح محمد نور) بتوصية من مدير الجامعة الدكتور عمر محمد عثمان،التقي نميري عام 1971تجمعا لأساتذة الجامعة ساده فتور الاستقبال والوداع، وخلص الدكتور عبادي يومها إلى أن النميري(يعيش في متاهة تقييم للذات بأكثر مما تستحق،وسادرا في الشعور بالتحدي لكل القوى الوطنية بما فيها تلك القوى التي ميزت نفسها بالريادة العلمية)،ولكنه يقول في مرحلة لاحقة أنه في رحلة لجوبا في منتصف 1976(اكتشفت أثناء تلك الرحلة أن السيد الرئيس كان على المستوى السياسي زاهدا في السلطة،حريصا على تكريسها للأقاليم والمحافظات)(!!!) وفي رحلة أخرى للدندر رافق فيها الدكتور عبادي النميري يقول( عبر الرئيس أكثر من مرة عن رضائه وسعادته بالديمقراطية التي وفرتها مايو للشعب السوداني)(!!!). لم يذكر الدكتور عبادي أن هذا كله انهار عندما طرح نميري نفسه فيما بعد إماما للمسلمين ورئيسا مؤمنا مسؤولا أمام الله سبحانه وتعالى وحده،ملتفا على كل أجهزة ووسائل الرقابة والمحاسبة الدنيوية.
يقول الدكتور عبادي في إحدى فقرات كتابه أن الرئيس طلب منه أن تقوم وزارة النقل والمواصلات بتعبيد الطريق من دنقلا إلى أم درمان لأنه كان يشعر أنه لم يقدم خدمة لأهله في دنقلا، فأوضح له الدكتور عبادي أن الطريق(الذي سمي فيما بعد بشريان الشمال) لن يخدم أي جهة سوى المسافرين من العاصمة إلى دنقلا،وأن الحركة بين المدينتين لا تبرر إنفاق كل الأموال الطائلة التي تلزم لإنشاء الطريق،وأن المسافر لا يصادف في كل الصحراء من أم درمان إلى دنقلا إلا قهوة أم الحسن.(وهي القهوة التي التقطت فيها صورة لعبادي ونميري وهما يتناولان الطعام جلوسا على الأرض وتصدرت غلاف الكتاب).
وعن اتفاقية أديس أبابا ،مارس 1972، التي،على علاتها، كفلت للبلاد سنوات طويلة من السلام، يقول دكتور عبادي أنها قوبلت بإعجاب وتقدير في الأوساط الإقليمية والعالمية،مما حدا ببعض الدوائر،والقول لدكتورعبادي،أن تفكر في (ترشيح الرئيس جعفر نميري لجائزة نوبل للسلام)،وهي معلومة جديدة وغريبة لم يوضح المؤلف مصدرها. ثم يعزي الدكتور عبادي اندلاع التمرد مجددا في الجنوب عام 1983 إلى ثلاثة أسباب هي رضوخ نميري لضغوط أبناء بعض القبائل الجنوبية الرافضة لهيمنة قبيلة الدينكا على السلطة الإقليمية في الجنوب مما جعله يقسم الإقليم لثلاثة اقاليم(ولم يذكر عبادي صراحة أن التقسيم كان خرقا صريحا من جانب نميري لأهم بنود اتفاقية أديس أبابا)، واكتشاف البترول في الجنوب،وسوء معالجة الإدارة الجنوبية للأمور عند إندلاع التمرد، ثم اشتدت شوكة التمرد عقب إعلان قوانين سبتمبر 1983.
لم يطرح دكتور عبادي على القاريء رؤية أو موقفا معينا من كل الأحداث التي سردها في كتابه من تغييرات وزارية وانقلابات ومحاولات انقلابية واجتياح العاصمة من قبل قوات المعارضة،ولم يذكر موقفا جوهريا أبدى فيه معارضته للنميري ،الرجل القوي والمتصرف الأوحد فيمن حوله،بل وتجنب ذكر من اختلف معهم بالاسم سوى فاروق أبوعيسى وبهاء الدين محمد إدريس.حمل فاروق أبوعيسى مسؤولية اقالته من الخطوط الجوية السودانية(كان السيد فاروق أبوعيسى وزير شؤون الرئاسة وأجهزة الحزب الشيوعي السوداني تسعى لإقصائي عن رئاسة مجلس إدارة الخطوط الجوية السودانية).أما بهاء الدين فقد تطرق لبعض ممارساته التي لا تخلو من شبهة الفساد حينما كان وزيرا لشؤون رئاسة الجمهورية،وامتدت هذه الممارسات للوزارة التي كان يشغلها الدكتور عبادي،بمنح مميزات تفضيلية لمستثمر محلي في بورتسودان، ومحاولة شراء طائرات غير مطابقة للمواصفات المطلوبة، واسناد تتنفيذ طريق القضارف كسلا لشركة يوغسلافية، هي الأسوأ تنفيذا في كل قطاعات طريق بورتسودان الخرطوم.رغم ذلك كانت هذه الإشارات بلغة هادئة متزنة خالية من التجريح، مثل كل صفحات الكتاب. خلو الكتاب من نكهة المواقف جعله أشبه بالتقرير المهني، فصفة المهني تغلب على الدكتور عبادي أكثر من صفة السياسي، رغم أنه كان ناشطا سياسيا في تنظيم الوسط أو الطلاب المستقلين في أيام الطلب في مدرسة وادي سيدنا الثانوية وفي جامعة الخرطوم.
احتوى الكتاب على ملاحق وصور عديدة تسجل مناسبات مختلفة واحتوى كذلك على عدد من قصائد السيد كمال بشير الذي وصفه المؤلف بأنه من فحول الشعراء الذين يشار إليهم بالبنان، والحقيقة أن القاريء السوداني لم يعرف السيد كمال بشير شاعرا إلا في فترة نظام مايو حينما كان كمال بشير مسؤولا عن العلاقات العامة في وزارة المواصلات، ونظم قصائده في مدح نميري ونظامه،على طريقة العصور الأموية والعباسية، وتبخرت كل تلك الشاعرية مع ذهاب نميري.
أعتقد أن كتاب الدكتور بشير عبادي إضافة ثرية للمكتبة السودانية يستحق عليه التقدير والثناء،فقد كتبه رجل من داخل البيت المايوي، وإن كان ضنينا بما يفترض أنه يحمله من أسرار. مهما أخذ الناس على نظام مايو من مآخذ فلا أحسب أن مهنية ونزاهة الدكتور عبادي كانت أو ستكون موضع شك،رغم أنه من جملة التكنوقراط الذين شاركوا بشكل أو بآخر،وبقدر قل أو كثر، في صنع الصنم.
(عبدالله علقم)
[email][email protected][/email]

‫3 تعليقات

  1. اخي الكريم كل عام وانتم بخير بعثت بهنئه علي بريدك ولمترد عل المانع خير شكرا لتلخيصك لهذا الكتاب ونتمني من كل الوزراء في كل الحقب كتابة مذكراتهم لانها تمثل تاريخ السودان الحديث فقط اشير الي محطة الاقمار الصناعية انها كانت جاهزة من الديمقراطية الثانية حيث اقرها الربمان في مرحلة القراءة الثالثه وكان الوزير الشار يحي الفضلي طيب الله ثراه وانوه الغرض من المحطة كان تعليميا اكثر منه ترفيهيا حيث تم تدريسنا في مدارس العاصمة الانجليزي بالتلفزيون وهي تجربة وئدت في مهدها مع قيام مايو 69وكان المطلوب تعميمها علي كل السودان بعد دراسة التجربة بالعاصمة في كلية التربية وانتشار المايكرويف…وتبقي الحسرة تري لو تم تعميم التجربة الم يكن ممكنا دخول النت بحلول1980تري اين نكون الان !!!شكرا علي اي حال ولكن ياسيدي السودان هو محنة النخب !!!

  2. الاسلوب الهادئ لا يناسب -والله اعلم- كتابة السير الذاتية . احسن من كتب ذلك الضرب من السير هو بابكر بدري وعلي ابوسن رحمهما الله . الحميمية والصدق هما الركنان الاساسيان لذلك . وتعجبت كثيرا من قول مصطفي اليطل انه طلب من احد اصدقائه ارسال نسخة كتاب “ابوسن” (ليفلفله) ! وفات عليه ان اي عاقل لن يلتفت الي كاتب يرد برأي مسبق ! وانصب كل نقده علي اراء ومشاعر وخلجات تبادلها اصدقاء عبر المراسلة والمؤانسة وهي والبطل يعلم ان اي تغيير لاي جزء منها يعني عدم الامانة والصدق . كان يمكن لبشير عبادي سرد احداث كثيرة تبعد كتابه عن شاكلة ما تكتبه مكاتب الاعلام الحكومية ومنها مثلا عندما هاتفه النميري وهو رئيس تحرير الايام وانهي المكالمة بسؤال: معاك منو ؟ وعندما اجابه عزالدين بتاع الكراكتير ازبد النميري : قول ليه ما دوامة ! وكان المرحوم العبقري قد رسم مديرا معلقة وراءه لافتة: ( ما دوامة) ! كما ان سرد السلبيات لاتمثل ادانة لنظام انتهي قبل عقود بقدر ما تمثل دروسا وعظات لكافة الناس

  3. شئنا أم ابينا!!!! كانت مايو مرحلة تاريخية مهمة في مسيرة الحركة الوطنية السودانية !!! ستة عشر سنة من الحكم !! صادفت نجاحاً لا ينسى!!! وفشلاًً زريعاً لا يغتفر!! بدأت بتطبيق الإشتراكية وتلتهامشاريع التنمية الناجحة والفاشلة!! وشارك فيها أفذاذ التكنقراط واللصوص والإنتهازيين وأساتذة الجامعات والغلبة التي كانت للعلميين !!! ولكنها كبقية التجاب السودانية الفاشلة!! فشلت مايو حين إلتفتت للخواء السياسي وإلتحفت عباءة التجربة الدينية وأسلمة الدولة!!! وتناست تماماً أن نهضة أوربا الغربية التي نشهدها اليوم وتهرب إليهاشعوب العالم الثالث في قوارب الموت التي تعبر المتوسط لجنة الأرض!! ما هي إلا نتيجة للثورة الفرنسية والنهضة التي تلتها بعد سقوط دولة الكنيسة والهيمنة الدينية الفاشلة؟ محمد إبراهيم عرب – الخرطوم – السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..