عمالة رخيصة

بسم الله الرحمن الرحيم

مازالت تداعيات ما حدث للعاملتين السودانيتين بالسعودية تترى، وقد سبق وناقشنا هذا الموضوع في مقالين سابقين من زوايا مختلفة حول خيارات الفتيات في أن يعملن في أية وظيفة شريفة أو يسلكن الطرق المشبوهة والملتوية، وناقشت إفادات (المنظراتية) الذين ينادون بمنعهن من العمل من دون تقديم حلول واقعية أو دعم واضح وصريح.

يوم أمس الأول استوقفتني كلمة قالها لي المذيع محمد موسى خلال استضافته لي في برنامج (كلام جرائد) على اذاعة (هلا 96)؛ حيث قال لي أنه من الأفضل لأولئك الفتيات أن يربطن حجراً على بطونهن ولا أن يعملن في منازل أجانب خارج السودان.

وقد سألت الأخ محمد موسى عن مواصفات ذلك الحجر الذي يُربَط على البطن؛ عن حجمه ولونه وفاعليّته، هل يا ترى يشبه مصباح علاء الدين السحري فتفركه الفتاة أولاً فيُخرج لها طعاماً، وتفركه ثانياً فيخرج شراباً، وتفركه ثالثاً فيُخرج كساءً، ورابعاً فيُظهر منزلاً يأويها وأهلها، وخامساً فتدفع فاتورة الكهرباء والماء وتفركه سادساً فتدفع رسوم المدرسة، ثم تفركه مرة أخرى فتدفع رسوم مقابلة الطبيب والفحص والدواء، ثم تفركه……وتفركه…..؟.

أليست هذه هي المهمة التي ينبغي أن يقوم بها ذلك الحجر الذي يُربط على البطن، أم أنه حجرٌ أصم تربطه هي حتى تصمت أصوات مصارينها من الجوع ويضيع صوتها ويصمت قبل هذا كله صوت الضمير فينا؟.

إن ما حدث لأولئك السودانيات المسكينات كوم، وتنظير الآخرين في شؤونهن كوم آخر، ومن ضمن تلك التنظيرات اقتراح البعض أن يعملن في وظائف منزلية داخل السودان.

وما لا يعلمه أولئك أن الخادمة المنزلية السودانية داخل السودان غير مرغوبة لدى المستأجرين والذين يطالبون دوماً بعاملات من دول أخرى لأنهم يعتبرونها أقل كفاءة في عملية التنظيف والأكثر أعذاراً وغياباً، وقد انعكست هذه المسألة على سماسرة العمل فأصبحت أجرتها في مكاتب الاستقدام أقل من العاملات الأخريات، حتى أن هناك أسراً تمنح العاملات السودانيات ما يعادل سبعون جنيه في الأسبوع، وهو مبلغ زهيد لا يكفي حتى رواحها وغدوها في حين أنها تمنح العاملة الأجنبية حوالي ألف وخمسمائة جنيه شهرياً.

أضف إلى ذلك أنه وحتى اختيار السعوديين لها كسودانية هو من أجل الحفاظ على ممتلكاتهم وأبنائهم، لأنهم يعلمون عنهن الأمانة والصدق، وليس لاعتقادهم أنها الأفضل في إجادة الأعمال المنزلية من الآخرين.

خارج السور :

لن ينتهي سيناريو عمل السودانيات بإرجاع الفتاتين، فهناك الآف غيرهن في السعودية ودول الخليج وهناك سودانيات يمارسن العمل كخادمات في البيوت وفي مهن مشابهة منذ قرابة الخمسة عشر عاماً.

إذاً الحلول والمعالجات الفردية لا تُصلِح حالاً؛ فهذه مأساة وطن كامل تُصدِر إدارة جوازاته عشرة آلاف تأشيرة خروج يومياً إلى المجهول، والذي هو أفضل من جحيم الوطن وجور الأحبة وغربة الفرح.

*نقلا عن السوداني

‏‫

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..