إحباطات مغترب

خرج من بوابة قاعة المطار .. تلفح وجهه موجة هواءٍ ساخنة قد خرجت لتوّها من جوف شمس الظهيرة اللاهبة .. يتجه نحو السيارة .. لهفته وشوقه تسابقان خطواته .. هنا المنبت .. هنا الوطن .. بين جدرانه ترقد ذكرياته .. طفولته .. أهله .. وعشيرته.
تأخذ السيارة طريقها نحو حي “العرضة” بمدينة أم درمان حيث منزل الأسرة .. ذرات من غبار عالقة في الجو تتسلل عبر تجاويف أنفه .. تعاجله “عطسة” مفاجئة لم يفلح منديل الورق في احتوائها .. ابتسامة كبيرة ترسم نفسها على شفتيه .. أعشقها بغبارها وكتاحتها .. بِحرِّها وشمسها .. أعشقها بمشاقها و”تلتلتها” .. أعشقها بكل ما فيها ومن فيها.
السيارة تسير ببطءٍ فاقم منه رتل العربات أمامها.. من على يمينه وعلى امتداد البصر تنتشر تلك الأبنية الشاهقة .. عمارات .. أبراج سكنية.. ومنازل متعددة الطوابق.
وسط تلك “الغابة الاسمنتية” يرقد حلمه الكبير .. بيته .. حلمه الذي أعانه على تخطي مرارة تجربة فصله من الخدمة تحت مسمى “الصالح العام” .

ولكن هاهي ذات المرارة تعاوده من جديد، وبصورة أشد عنفاً وقساوة .. أبناؤه الذين ظن أنه قد زرع حلمه في وجدانهم .. تجدهم الآن يلفظون حلمه .. حلمه ما عاد له مكان بين أحلامٍ قد حفرت لنفسها مكاناً في بلادٍ أخرى .. تَمور في داخله نيران الغضب .. عقوق الأبناء قاتل .. يقتل النفس والروح معاً .. يتبدد غضبه مثل غيمةٍ أفرغت حزنها دميعاتٍ على أرض الأشجان .. ولكنهم معذورون .. ليس من العدل أن أحمّلهم وزر الظروف التي وضعْتُهم فيها رغماً عني.

في طريقه للمطار تساوره رغبة ملحة أن يلقي على “حلمه” نظرة الوداع .. في حوش المنزل كان هناك الخفير وزوجته يجلسان على عنقريب “مهتوك”، وقد انبسطت أساريرهما وهما يرقبان “حفيداتهما” يتباريْن في لعبة “الحجلة” .. يتجه نحو مدخل المنزل .. يُدخِل المفتاح في القفل .. تتسارع دقات قلبه .. يعتريه حزنٌ مفاجئ .. تتجمد دواخله .. يُخرِج المفتاح قبل أن يكمل دورته .. يغادر المكان .. تنبعث من تلفزيون غرفة “الخفير” موسيقى تعزف ألحاناً جنائزية .. ألحاناً جنائزية تشيّعه إلى بلادٍ بعيدة حيث ترقد أحلام أبناءٍ لن يطمع يوماً ما أن يحملوا عنه أعباء شيخوخته وما يصاحبها من أمراضٍ نفسية وجسدية.
تلك هي النهايات المأساوية التي عايشها ويعيشها كل من فارق الديار فارّاً من بطش نظامٍ دمويٍ أو أملاً في حياةٍ كريمة وفرص عملٍ لا موضع لها بين شبكات المحسوبية ومافيا الفساد.

*عدد مقدّر من أسر المغتربين بالخليج قد استقرَّ في كندا، وأستراليا، ونيوزيلندا بعد اكتساب جنسيات تلك الدول، بينما ظَلَّ ربُّ الأسرة على رأس عمله بالخليج، ذلك أن فرص العمل في تلك البلدان شحيحة أو ذات مردودٍ ماليٍ ضعيف.

[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. دة شنو دة ؟ هو جاي واللا راجع واللا الحاصل شنو ؟ كان ماشي علي بيتهم كويس بعدين لف علي المطاررجع ؟ والغابات الاسمنتية والمباني الشاهقة دي وين ؟ العرضة ؟

  2. (فرص العمل في تلك البلدان شحيحة أو ذات مردودٍ ماليٍ ضعيف ) تحرى عن هذه المعلومة هل المردود هو الضعيف ولا الإمكانيات التي يذهب بها السوداني لا تواكب ما تتطلبه تلك الدول السودان لا يقدم التعليم والمستوى الذي يؤهل من يخرج منه ليشغل الوظيفة ذات المردود العالي والدخل الجيد الذي يحصل عليه كل من له إمكانيات وتعليم وزاد السوء سوء خصوصا في ظل حكم الأبالسة آكلي السحت

  3. ولد الغفير (الحارس) في منزل المغترب سأل والده: أبوي متين يجيء صاحب المنزل هذا؟ رد الحارس .. سوف يحضر يا ولدي لمن تكبر وتدخل المدرسة الابتدائية ثم الثانوية والجامعة وتشتغل .. وقد يأتي هو أو يأتي ورثته.. اللهم رجع كل المغتربين إلى ديارهم سالمين .. يا رب

  4. [في طريقه للمطار تساوره رغبة ملحة أن يلقي على حلمه نظرة “الوداع” .]
    واضح من المقال أنو بيتناول مشهدين، مشهد الوصول للسودان ومشهد المغادرة (نظرة الوداع كما ورد في المقال)وإنو بيركز على شعور المرارة عند المغترب

  5. ولد الغفير (الحارس) في منزل المغترب سأل والده: أبوي متين يجيء صاحب المنزل هذا؟ رد الحارس .. سوف يحضر يا ولدي لمن تكبر وتدخل المدرسة الابتدائية ثم الثانوية والجامعة وتشتغل .. وقد يأتي هو أو يأتي ورثته.. اللهم رجع كل المغتربين إلى ديارهم سالمين .. يا رب

  6. [في طريقه للمطار تساوره رغبة ملحة أن يلقي على حلمه نظرة “الوداع” .]
    واضح من المقال أنو بيتناول مشهدين، مشهد الوصول للسودان ومشهد المغادرة (نظرة الوداع كما ورد في المقال)وإنو بيركز على شعور المرارة عند المغترب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..