مقالات سياسية

السودان: المراحل المبكرة لمعنى الاسم ودلالته 3

د. أحمد الياس حسين

اثيوبيا

تناولنا في المقال السابق المرحلة الأولى لمعنى ودلالة اسم السودان (نحسي)، ونتناول هنا المرحلة الثانية. بدأت المرحلة الثانية من مراحل اسم “السودان” عند اليونانيين الذين بدأت صلاتهم بافريقيا في النصف الأول من الألف الأخير قبل الميلاد. وكانت صلات اليونانيين بافريقيا محدودة على مناطق شمال افريقيا، وأطلقوا اسم اثيوبيا بصورة عامة على البلاد التي تقع إلي الجنوب من ذلك وأطلقوا اسم الاثيوبيين على سكان تلك المناطق. وكلمة أثيوبيا باللغة اليونانية معناها في اللغة العربية “السود أو السودان”.

ويقول هيرودوت (Herodotus, History of Herodotus. p 53.) إن الاثيوبيين اكتسبوا هذا اللون الأسود بفعل حرارة الشمس. ويقسم هيرودوت الاثيوبيون إلى نوعين: الاثيوبيون جنوب مصر، والاثيوبيون الشرقيون وهؤلاء – كما يقول – يشبهون الاثيوبيون الجنوبيون في كل شيء عدا لغتهم وشعرهم حيث أن شعرهم مرسل. فبلاد اثيوبيا تعني بلاد السود أو بلاد السودان، وأثيوبيا تعني السود أو السودانيين. (تاريخ هيرودوت، في سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان. ص 61. نشير إليه فيما يلي: سامية، السودان)

وإلى جانب هذا الاطلاق العام كان لاسم اثيوبيا عند اليونانيين معنى خاص قصدوا به دولة السودان الحالية. فقد كانت لليونانيين ثم للبطالمة ثم للرومان علاقات مع مملكة كوش الثانية في العصرين النّبَتي والمروي. وكانوا يرجعون إلى مملكة كوش الثانية باسم اثيوبيا وإلى سكانها بالاثيوبيين “أي السود أو السودان” فقد ذكر هيرودوت (Herodotus, History of Herodotus. p 52, 54) أن “المصريين يسكنون شمال اسوان… والاثيوبيين يسكنون المناطق الواقعة جنوب اسوان.”

وكانت معرفة اليونانيون بالسودان سابقة لعصر هيوردوت. فقد وردت بعض العلومات في التراث اليوناني القديم الذي دونه هومروس في الالياذة نحو عشرة ألف سنة مضت. وقد نقل ديودورس الصقلي (وصف اثيوبيا والاثيوبيون، في سامية،السودان. ص 87.) عن المؤرخ اليوناني أجارثرخيدس في القرن الثاني قبل الميلاد أن صاحب الالياذة وصف زيوس والآلهة اليونانية الأخرى “بأنهم كانوا يذهبون لاثيوبيا [السودان] لتلقي القرابين التي كانت تقدم لهم كل سنة. ولحضور الوليمة العادية التي كان يقيمها الاثيوبيون أنفسهم … وأن ولاءهم [السودانيون] الشديد للآلهة أكسبهم رضاءها”

والوليمة المذكروة هنا مقصودٌ بها “مائدة الشمس” التي وصفها الجغرافي الروماني بومبونيوس ( وصف الاماكن في سامية، السودان, ص 133) قائلاً: “يوجد عندهم مكان يملأ في كل الأوقات بوجبات جاهزة يأكل منها كل شخص ما شاء، ولهذا يطلقون عليه مائدة الشمس وهم يعتقدون أن الأكل الذي يوضع فيه يتجدد باستمرار بقدرة ربانية”
وكانت تلك المائدة من أهم المعالم التي زارتها بعثة الملك الفارسي قمبيز التي أرسلها عندما غزا مصر وكان يخطط لغزو السودان. فقد ذكرهيرودوت (تاريخ هيرودوت ص 54 – 55) أن أعضاء البعثة زاروا ينبوع الماء الذي تنبعث منه رائحة الفل، وزاروا مائدة الشمس وتوابيت جثث الموتى. ووقفت البعثة على طعام السودانيين الذي يؤدى إلى طول أعمارهم، فقد وصفوا بأنهم طويلوا العمر، إذ يعمرون إلى ما بعد المائة وعشرون سنة. كما وصفوا بأنهم أطول الناس قامة وأجملهم.

وكان اليونانيون ينظرون إلى السودانيين القدماء نظرة فيها الكثير من التجلة والاحترام، فقد كانوا يعتقدون كما نقل ديودورس الصقلي (وصف اثيوبيا والاثيوبيون، ص 78)عن أجاثر خيدس “أنهم من أقدم البشر” ويقول: “إن الدليل على ذلك واضح، ذلك أنهم لم يأتوا كمهاجرين لكنهم أهل البلد، إذاً القول بأنهم أصليون مقبول من كل الناس. إنه أمر بَدَهي أن يكون سكان الجنوب هم أول من تخرجهم الأرض، لأن حرارة الشمس عملت على تجفيف الأرض من الرطوبة عندما وُلِدت كل الأشياء ودبت فيها الحياة. ويقولون إن من المحتمل أن أول الكائنات الحية ظهرت في المناطق القريبة من الشمس.”

ووصف أجاثرخيدس (ديودور الصقلي، نفس المكان السابق.) قدماء السودانيين قائلاً: “كما يذكرون في الكتب أنهم أول من علم الناس تقديس الآلهة وتقديم القرابين لها، وتنظيم المواكب والاحتفالات وأشياء أخرى” ويقول عن ملوك السودانيين القدماء: “يتبع الملك في حياته النهج الذي تحدده قوانينهم، وفي العادة كان يتبع سنة الأسلاف لا يحابي أحداً، ولا يعاقب أحداً خلاف العرف المتبع عندهم
“ووضح هيرودوت (Herodotus, History of Herodotus. P 55.) أن عاصمة الاثيوبيون [السودانيون] هي مدينة مروي. ومن المعروف أن مدينة مروي التي تقع في منطقة البجراوية الحالية شمال مدينة شندي كانت العاصمة الثانية لمملكة كوش الثانية. وقد وردت كتابة اسم هذه المدينة بطرق مختلفة. فأول ذكر لها ورد في المصادر اليونانية، وقد ترجم Tormod Eide اسم المدينة من نص هيرودت المكتوب باللغة اليونانية إلى Meroe. (Tormod Eide, Tormod Eide et. al. Fonte Historiae Nubiorum. Vol. 1 p 308.) ومن العقول جداً أن يكون هيرودوت قد أخذ الاسم من اللغة المصرية القديمة. ويقول أركل إن أقدم رسم معروف لكلمة مروي وصلنا من اللغة اليونانية هو بَروا Barua. بينما يقول محمد ابراهيم بكر إن اسم مروي في اللغة المصرية القديمة هو بِدوي Bedewi.( A. J. Arkell, History of the Sudan. P 146. محمد ابراهيم بكر، تاريخ السودان القديم ص 141)

وقد ورد ذكر مدينة مروي في نقش الملك الكوشي اماني نتي يركي في الكوة في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، كما ورد في مسلة الملك الكوشي نستاسن في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد. وقد ترجم رتشاردهلتن بييرس النصين إلي اللغة الانجليزية ، فجاءت ترجمة كلمة مروي في النص الأول Meroe وفي النص الثاني Barawe، وترجمها بدج في نص الملك الكوشي حرسيوتف في أول القرن الرابع قبل الميلاد Birawe وفي مكان آخركتب بدج اسم المدينة Baruat. (Richard Holton Piere, in Eide et al, Fonte Historiae Nubiorum. P 401, 475.) وذكر عبد القادر محمود أن اسم مدينة مروي يكتب باللغة المروية بِدويْ وبِرِويْ، بينما ذكر محمد ابراهيم بكر أنه يكتب باللغة المروية مَزِوي Mazewi. (عبد القادر محمود عبد الله، اللغة المروية. ج 1 ص 266 و324. محمد ابراهيم بكر، تاريخ السودان القديم ص 141)

ويلاحظ اهتمام قدماء اليونانيين بتراث الأمة السودانية في تلك العصور المبكرة، فهل من أجل ذلك أخذنا بنطقهم لاسم عاصمتنا مروي وتركنا نطق أجدادنا لها؟

وقد جرت عادة بعض المؤرخين على ترجمة كلمة اثيوبيا في المصادر اليونانية والرومانية والكتاب المقدس إلى الحبشة ودولة اثيويا الحديثة. ففي الأحداث المتعلقة بوزير الملكة الكوشية الكنداكة أماني ريناس التي كانت حكمت مروي في الربع الأخير من القرن الأول قبل الميلاد. فقد جاء في الكتاب المقدس مايلي:
“26 ثم إن ملاك الرب كلم فيلبُّس قائلاً: قم وأذهب نحو الجنوب على الطريق المنحدرة من أورشليم إلى غزة التي هي برِّية على ماء * 27 فقام وذهب. فإذا رجل حبشي خَصِيْ وزير لكنداكة ملكة الحبشة كان على جميع خزائها … 36 وفيما هما سائران في الطريق أقبلا على ماء. فقال الخصي هو هذا ماء ماذا يمنع أن أعتَمِد* 37 فقال فيلبس إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز. فأجاب وقال: أنا أُومن أن يسوع المسيح هو ابن الله …” (أعمال الرسل الاصحاح 8 الآيات 26 – 40)
في النسخة الانجليزية جاءت الآية رقم 27 أعلاه كلآتي:
“So he started out, and on his way he met an Ethiopian eunuch, an important official in charge of all the treasury of Candace, queen of Ethiopians. (Acts 8:27)

ومن الواضح أن الشخص المذكور في الآيات هنا مقصود به أحد رجال الكنداكة ملكة كوش الثانية في العصر المروي. وقد وردت الاشارة إليه في الآية بالحبشي. والحبشة تعبير لاحق لم يكن مستخدماً أيام الرومان بل اشتهر في المصادرالعربية يقابله Abyssinia في اللغة الانجليزية. ولكلمة الحبشة في المصادرالعربية مدلولان، أحدهما خاص أطلق على مناطق دولة اثيوبيا وأرتريا الحاليتين، ومدلول عام يشمل أراضي دولة السودان الحالية وأحيانا يتعدى ذلك ليشمل مناطق واسعة نحو الغرب كما قال المسعودي (مروج الذهب، موقع الوراق ج 1 ص 176):
“وأما غير هؤلاء من الحبشة الذين قدمنا ذكرهم من أمعن في المغرب – مثل الزغاوة والكوكو والقراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطي ودويلة والقرمة – ذلكل واحد من هؤلاء وغيرهم من أنواع الأحابش ملك، ودار مملكة”
وقد أتت الاشارة إلى وزير الكنداكة في النص الانجليزي للكتاب المقدس بالاثيوبي. وذكر الأب فانتيني (تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث.الخرطوم: 1978 ص 40) أن “أول مسيحي دخل أرض النوبة خصي من حاشية قنداقة وهي الملكة الأم في المملكة المروية”

فالحبشة في النص العربي للكتاب المقدس مقصود بها مملكة كوش الثانية في العصر المروي. لكن المؤرخ الاثيوبي سلاسي (Sergew Hable Sellassie, Ancient and Medieval Ethiopian History to 1270 p 97.) ذكر إن المسيحية بدأت في اثيوبيا [يقصد دولة اثيوبيا الحالية] مبكرا كما ورد في أعمال الرسل [النص الانجليزي] فإن خَصِيْ الملكة كنداكة ذهب إلى بيت المقدس وعمده فيليب.

وذكر سلاسي أن الملكة كنداكة معروفة لأنها حاربت الرومان، وذكرأن أغلب الكتاب يفترضون أنها حكمت كل اثيوبيا” لم يقل سلاسي إن كنداكةهي ملكة مملكة كوش الثانية (مروي) بل اعتبرها ملكة اثيوبيا التي كانت تعرف في ذلك الوقت بمملكة اكسوم. ويضيف سلاسي أن الكتاب اليونانيون ذكروا: “بعض المدن الاثيوبية التي لا تزال موجودة حتى اليوم وأغلب تلك المدن موجدودة في اثيوبيا العليا التي هي السودان اليوم:مثل نبتة ومروي”

وفي واقع الأمر فإن سلاسي أرجع كل المواضع التي ذكرت فيها اثيوبيا وكوش في الكتاب المقدس إلى دولة اثيوبيا الحالية (راجع ذلك في كتابه المذكور أعلاه ص 43) حتى النصوص التي ارتبطت مباشرة بملوك كوش المشهورين مثل الملك ترهاقا، كما ورد سفر اشعيا 37:9 “وسمع عن ترهاقة ملك كوش قولاً قد خرج ليحاربك” فعند سلاسي كوش هنا هي اثيوبيا الحديثة.

وهكذا فإن اسم اثيوبيا الذي يعني السود أو السودان قد ارتبط بمملكة كوش في عصريها النبتي والمروي حتي نهايتها في القرن الرابع الميلادي، ثم بدأ اسم السودان في اللغة العربية في الظهور منذ القرن السابع الميلادي كما سنتناول ذلك في المقال التالي.

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. لماذا يصر بعض المؤرخين على التخبط وهنالك دلائل واضحة تشير الى ان هنالك بعض الشعوب السودانية النوبية التي اثبت كل المؤرخين تقريبا انهم هاجرو من هذه المناطق وان لغاتهم المتداولة اليوم هي بمثابة الحل المنطقي والموضوعي لكثير من معاني الاسماء والاماكن التى اضحت مثل الالغاز..؟؟..
    (مرو-وا/miru wa) مثلا تعني في لغة (أما/النيمانغ)اهل النار واما (بير-وا/bweru wa) فتعني اهل الحديد وعليه يمكن ان تجمعا معا فتصبح اهل الحديد والنار…وكذلك عبارة (شندي/shindi) والتي تعني الحشد او تجمع الناس وكذلك الواوات وهو جمع وا/wa….
    ولكن كعادة الباحث السوداني يتطلع الى ان ياتيه الحل من الخارج.مثل الفيلم الوثائقي المعروض في الراكوبة هذه الايام والذي انتجه مؤرخ امريكي ومن ابرز ما اشار اليه هو ان شعوب شمال السودان اليوم ماهم الا بقايا هذه الممالك اختلط يهم بعض الوافدين اليها …..؟؟!!..وهي من البديهات ولكن كان لابد ان ياتي من الخارج…؟؟!..

    1. اللغات النيلية الصحراوية هي لغات كثيرة والوطن الباحث السوداني لم يخرج من الخرطوم بالنيل دار الفرار فمعظم الوطنيين تركوا النيل اتجه البعض جنوبا و البعض الآخر الي الغرب فالذين استعانوا ارض النيل واضح فيهم الدماء غير الإفريقية الحقة.اولا يوجد نص واضح في تاريخ بطليموس بأن الزغاوة كان و في مروي.فكلمة مروي تعني ناس الغزالة.اما أيضا فكلام الزغاوة و القرعان يعني جماعة أو ناس بالاسم الثاني الزغاوة هو بري,بيري,براميل,بري زغاوة السودان بفتح الباب.مرو يعني غزالة مروي.مرو,+ؤي . يعني اهل الغزالة. فلذلك كان يروي بأن الزغاوة كوبي كانوا شرق النيل مناطق كوكو .و اهل الغزالة دائما يوشمون حيوانات بعلامةvوهي رمز ظلف الغزال و هم كثر بكردفان و دارفور.فمروي اسمها برو و مرو و كاسو و برو وهذه الأسماء كلها حية و أن أهلها لهم جذور ب احمد الداجي و لهم سلطانات عريقة بالسودان و تشاد.كما أن حداحيد الزغاوة هم الذين نقلوا ثقافة الحديد الي الغرب.اما هجرات العمالقة( الساو) شاو أو ساونقا في جنوب مصر وشمال السودان سبقت هجرة الزغاوة الي الغرب.و اخيرا الثحق جزء من الزغاوة بهم و استطاعوا أن يكونوا امبراطورية امتدت في المنطقة الممتدة من النيل لبحيرة تشاد قبل دخول العرب غرب النيل ١٣٩١م.فلماذا يقرا التاريخيين بعين واحدة

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..